الثلاثاء، ربيع الأول 08، 1425

عندما لاعبت الاوتوبيس شطرنج - د. سيد ريحان

كنت زمان أجيد لعبة الشطرنج..وكنت أبحث عن أى شخص أسمع أن مستواه يفوقنى فى هذه اللعبة وأستمتع بمواجهته..وعندما أنتصر عليه..كنت أحزن!!..لأنه طالما إتغلب منى..يبقى مستواه مقلب ولم يكن يفوقنى ولا حاجة..وبعدها أستمر فى البحث عن آخر.ليس رغبة فى التحدى أو إثبات الذات..ولكن رغبة فى أن أقابل شخصا يرى ببعد نظره ما لا أراه أنا..فأستطيع الاستفادة من رؤيته وقدرته على التخطيط والمواجهة..وكان هذا هو هدفى الأساسى من ممارسة هذه اللعبة..وبلا مبالغة لم أجد وقتها هذا الشخص فى طريقى...(غالبا كان طريق اسكندرية الصحراوى!).
وحدث ذات مرة أن سافرت للمصيف فى الأسكندرية فوجدت مجموعة من الشباب - عددهم لا يقل عن عدد ركاب أتوبيس صغير الحجم – يلعبون نفس اللعبة مع بعضهم البعض فى مسابقة نظمتها إحدى الجهات للمصطافين..فتحديتهم جميعا أن ألاعبهم فى نفس الوقت..كل واحد أمامه لوحة الشطرنج الخاصة به ..وأنا أمر عليهم بالتناوب..وألعب لأحدهم لعبة ثم أنتقل للآخر وأترك الأول يفكر فى أفضل وأحسن احتمالات الرد قبل أن أعود إليه حين يأتى دوره...وكانت نفس النتيجة..انتصرت عليهم جميعا واحد واحد...(إوعى حد يفتكر إن أنا أبو لمعة!!).
ورغم ضيقى الشديد لعدم عثورى على هدفى..إلا أن أحد المهزومين من غيظه منى ..صرخ وقال لى " ماتيجى تلاعبنا كلنا مع بعض على لوحة واحدة يافالح... )...فلم أعترض..ولاعبتهم فعلا جميعا على لوحة واحدة..وكانت النتيجة مفاجأة كبرى لى..وقفت أمامها طويلا....(مبلّم!!).. لقد هزمونى معا هزيمة قاسية..وأنا الذى لم أشعر أصلا بإحساس الهزيمة من قبل..لم أستطع خداعهم معا فى أى خطة وضعتها..فإذا شربها أحدهم تجد آخر قد فطن إليها ونبهه فورا..وإذا أخطأت فى نقلة ولم يلاحظ الخطأ أحدهم..تجد أن آخر قد لاحظه على الفور..وإذا إقترح أحدهم نقلة...خرجت باقى الآراء فورا تؤيدها أو تنتقدها..حتى يخرجون جميعا بأفضل نقلة ممكنة...وهكذا حتى خرجت من وسطهم تلاحقنى كلمات السخرية والتشفى..وربما كانت هذه هى آخر مباراه لى فى عالم الشطرنج..لا أذكر بالضبط..ولكن ما أذكره جيدا هذا الدرس الذى خرجت به ولم أنسه طوال حياتى....فمهما كان مستوى ذكاء الإنسان وخبرته كفرد فهو لن يستطيع مواجهة مجموعة تتشاور فيما بينها وتخرج بقرار جماعى أمامه..ولكن شريطة أن تكون هذه الجماعة على درجة كافية من الوعى والإدراك لما تتشاور فيه...فلو كنت ألاعب مجموعة ركاب قطار مثلاً. ، وليس عندهم جميعا فكرة عن الشطرنج..لكنت هزمتهم جميعا (ولكن بعدها من الأكيد كانوا هيحطونى تحت القطر!!).
طبعا كانت هذه مقدمة طويلة جدا (ومملة) لنتيجة بديهية...ولكن للأسف رغم أنها كما قلت بديهية..إلا أننى أجد كثيرون لا يتفقون معى فى هذه (البديهية)..إذا فهى بديهية لمن؟...ولماذا لا يتفق معى الكثيرون في الاقتناع بها؟
لأن هناك الكثيرون الذين لا يؤمنون بالديمقراطية..وقليلون منهم الذين يملكون الشجاعة لإعلان ذلك..والباقون يتشدقون بها فقط وحينما تضعهم الظروف أمام موقف يستوجب ممارستها..تجدهم أول من يتنكّر لها..وعندما تذكًره بها..تسمع مالا يرضيك.." ديموقراطية إيه يابو ديمقراطية...ديمقراطية دى تبقى خالتك".
إذا من المهم قبل أن نطالب بتطبيق الديمقراطية..أن نقرأ فكر هؤلاء الذين يرفضوها..ونحاول فهم وجهة نظرهم إن كان لهم وجهة نظر...أو دوافعهم للرفض..إن كان عندهم الشجاعة لإعلانها..حتى لا نفاجأ يوما ما بعد جهاد شاق لتطبيق الديمقراطية..أن هناك من كان يسايرنا فى المطالبة بها..حتى إذا طُبّقت ووصل من خلالها إلى سُلطة ما..أنه يقلب عاليها واطيها...ونرجع لنفس مشكلتنا من الأول تانى.
ووجهات نظر رافضى الديمقراطية كثيرة..ومصالح ودوافع البعض فى الرفض أكثر..ويجب على الكُتّاب الذين يؤيدون الفكر الديموقراطى..أن يتصدّوا لذلك فى مقالاتهم..ويفندوا نظريات الرفض ..ويفضحوا دوافع أصحاب المصالح الخاصة...ويناقشوا هؤلاء الذين يؤمنون بفكرة الديكتاتور العادل..ونسألهم أين هو ذلك الديكتاتور العادل؟..وإن وُجد فهل نضمن أن تكون بطانته وحاشيته عادلة؟...وإن كانت...من يضمن لنا استمرار عدلهم جميعا؟...وإن إستمروا...من يضمن لنا استمرار العدل فى من يخلفهم؟؟....يعنى العملية كلها مش مضمونة من أولها لآخرها..زى اليانصيب..واحد بس يفوز بيه..والباقى يقشّر بصل..أو دولة واحدة تفوز بحاكم عادل زى ماليزيا..وبقية الدول يكون من نصيبها حكام من عينة الحاكم اللى غار من حب الناس للشيخ القعيد..فسمى نفسه الشيخ العقيد!.
السؤال المقابل..هل تضمن الديمقراطية كل هذا...لأ طبعا.. ولا أنكر أن الديمقراطية بنظامها الغربى المعروف ليس بها عيوب..ولكن من أهم مزاياها أنها تتضمن آلية لتصحيح العيوب والأخطاء...فإن اخترنا حاكما بإرادتنا مثلا..(أنا بأقول مثلا..مثلا..ماحدش يضحك على كلامى قوى كده)..ثم طلع فى الآخر زى مدرب الزمالك.. وغرّق الدرة...فيمكن بسهولة مساءلته..أو عزله..). عم أنا بقول مثلا..) ..كما أن التجاوزات من الذين حوله يمكن وقفها فورا بأجهزتنا الرقابية..... ( خليك معايا وقول مثلا للصبح!...إحنا ورانا إيه؟)..ماهىّ الديمقراطية الحالية بتاعتنا اللى بيقولوا عليها ..لا تسمح لك غير بهذه الكلمة..”مثلاً"..أمّا أكتر من كده فغير مسموح..وطبعا زى ما قال الشاعر العربى الكبير على لسان رائدة فن هز الأرداف..العظيمة روبى.."انت عارف ليه".