الأحد، ربيع الآخر 04، 1425

ستار اكاديمي من نيتشه الى مارلين مانسون - وائل عباس

الحقيقة الموضوع كبير جدا ومتشعب وانا لا اعرف من اين يبدأ الكلام فيه ولنبدأ من الجذور التاريخية له وهي غربية بالطبع والظاهرة كثقافة لم تنشأ مع ظهور التلفاز ولا حتى السينما بل قبل ذلك بكثير وبالتحديد مع بداية انحسار تاثير الكنيسة وظهور ما يسمى بالمفكرون الاحرار وفلسفاتهم واكبر مثال على ذلك الفيلسوف الالماني نيتشه Nitzsche وفكرة ان الله قد مات - حاشا لله - ثم ظهور السوبر مانUbermensch - Supermanاو الانسان السوبر وريث الله اللذي يستطيع ان يفعل كل شيء بما في ذلك التحكم بمصيره ومصائر غيره من قطيع البشر ومن هنا بدأت هذه الروح التنافسية و الانسان المميز السوبر الخارق اللذي لا مثيل له واعتنق هذا النمط من التفكير كثيرون ونسبت الى هذه الفلسفة كثير من انواع السياسات المتناقضة مثل الاشتراكية والفاشية والنازية وصولا الى الانتي كرايست antichrist مارلين مانسون Marelyn Manson نجم موسيقى الروك المثير للجدل وفلسفاته الجديدة!!! فلماذا يرضى الانسان ان يكون مجرد ترس في ماكينة الحياة ؟؟؟
لماذا لا يكون ظاهرا لامعا براقا متفوقا متميزا ... لا يهم كيف ولكن المهم ان يكون مشهورا وغنياوهنا احب ان اذكر ان نيتشة له قراءات في الزرادشتية اللتي تحوي مفاهيم مثل تلك وبسبب انحسار الدين كما قلنا واعتباره لا يمثل اي قيمة حقيقية وعدم الايمان بالاله او الحياة الاخرة وجد هؤلاء ان الدين مجرد قيد على حريتهم في ان يكونوا متميزين او سوبر فظهرت البوهيمية في القرن التاسع عشر وتتضمن حرية الالحاد والحرية الجنسية وحتى حرية الشذوذ الجنسي وان كنت على استحياء في تلك الفترة ... وطبعا غلف كل ذلك في غلاف فني وفكري تنويري براق حتى لا يلقى مقاومة من المحافظين باعتباره محض انحلال وليستطيع البوهيميون اثارة الاعجاب واتهام كل من يخالفهم بالتخلف والرجعية والظلامية
ثم تطورت البوهيمية بظهور الوجودية Existentialism ونشأت بعد الحرب العالمية الثانية جماعات البيت جنيريشان او البيتنيكسBeat Generation - Beatniksوكانوا من المثقفين ايضا والفنانين يرتدون السواد ويتعاطون المخدرات بحجة انها توسع مدارك الابداع وكانت عندهم الحرية الجنسية ايضا ثم تحول ذلك في نهاية الستينات الى ظاهرة الهيبز Hippiesولم تقتصر على المثقفين والفنانين فقط بل شملت كافة طوائف الشعب وكان شعارها الزهور والحب لا الحرب وحرية جنسية مطلقة تصل الى حد الجنس الجماعي وجلسات الهلوسة بالال اس دي LSDاللذي كان يسمى عقار الحقيقة ثم اتضح انه عقار للهلوسةوكان من اول من روج له الكاتب الدوز هاكسلي Aldous Huxley في كتابه : ابواب الوعي The Doors of Perceptionونجح الهيبز في الظهور بالوانهم الفاقعة وشعورهم الطويلة وسياراتهم الفان وموسيقاهمبل وكان لهم تاثير سياسي كبير ادى الى نهاية حرب فيتنام
ثم تفسخت ظاهرة الهيبز للتحول الى مجموعات من المدمنين وعصابات عنصرية زنجية مثل الفهد الاسود واخرى نازية وبيضاء مثل ملائكة الجحيم وراكبي الدراجات النارية وصابغي الوجوه واللتي لم تنبع من فراغ ايضا حيث كانت لها اصول اوروبية حيث انقسم الشباب الاوروبي الى قسمين في فترة ما قبل الهيبز: المودز والروكرز Mods & Rockersوالمودز هم من يمشون على الموضة يلبسون احدث الملابس واكثرها اناقة من حيث تصميم السترات وربطات العنق والروكرز هم من يسمعون موسيقى الروك ويرتدون الملابس الجلدية السوداء ويركبون الدراجات النارية وكل ذلك من محاولة الوصول الى مرحلة الانسان السوبر ...
ونعود مرة اخرى للهيبيز اللذين مثلوا تأثيرا هائلا على الرأي العام واستطاعوا تغيير السياسات ووقف الحروب من ذلك اغاني بوب ديلان Bob Dylan وجيمي هندريكس Jimi Hendrix وغيرهم ممن غنوا ضد حرب فيتنام ومن ذلك مثلا ان اعضاء فريق البيتلز بعد ان منحوا لقب سيرتنازلوا عن هذا اللقب احتجاجا على معاونة بريطانيا لامريكا في حرب فيتنام وهذا التاثير الكبير لم يوافق هوى الساسة والراسماليين ورجال الحرب واليهود وكان يجب تحجيمه وتدميره ... وقد كان بنشر المخدرات اكثر واكثر بينهم واثارة النعرات العنصرية حتى وصلنا الى احتلال العراق الان حيث لا يستطيع موسيقي واحد ان يكتب ويغني ضد الحرب ولا يتعرض للمقاطعة ووقف الحال كما حدث مع مادونا وادى الى تراجعها وكذلك فريق ديكسي تشيكس ويو تو
وبدأ الاعلام الغربي المملوك لليهود يركز على السطحية والتفاهة والاستعراض وظهرت موسيقى الديسكو في اواخر السبعينات واللتي تخلو من اي مضمون سياسي وماهي الا للرقص وتعاطي المخدرات وبدأ تمجيد وتلميع شخصيات لا قيمة لها وظهر الفيديو كليب الغربي في اوائل الثمانينات مع محطة ام تي في Mtv ونجح احتواء المراهقين والشباب سياسيا وتحييد دورهم وتاثيرهم على الرأي العام بالانغماس في اللهو والاهتمام بالتوافه
ومن هنا ظهرت هذه النوعية من البرامج اللتي تصنع السوبرمان المعلب ليصبح نجما من لا شيء يهتم به الناس ويتابعونه ويهتمون بمعرفة اخباره بعد ان كان النجم كفاح وموهبة ومعاناة حتى يصل الافضل اصبح الفنانون ياتون نتاج مسابقات تجمعهم من شتى الاصقاع ليكونون فريقا موسيقيا يعمل فرقعة لمدة سنة لا اكثر ثم يختفي وهكذا وكل ذلك يدر مالا على صناعات الاعلام والترفيه ويبعد الانتباه عن السياسة والحروب وتدخل الشباب فيما لا يعنيه
اما نحن في بلادنا العربية والاسلامية لم نمر بتلك المراحل من التطور وهذا في حد ذاته سلاح ذو حدين يضرنا وفي نفس الوقت هو في مصلحتنا لعدم تأصل هذا الاتجاه فينا لكننا نرى الغرب المتقدم والبرامج الترفيهية الرائجة فيه فتتكون لدينا رغبة اوتوماتيكية في التقليد تقليد ما نظن انه الارقى والاحدث صيحة خصوصا في مجتمعات محددة مثل المجتمع الخليجي تعاني الكبت ولديها المال فتستغل مجتمعات اخرى منفتحة مثل لبنان هذه الظروف للاسترزاق
وعندما اتكلم عن المجتمع اللبناني فيجب ان اتكلم عن الطائفة المارونية وهي اكبر طائفة في لبنانوهذه الطائفة لم تكن كذلك طول الوقت منفتحة على الغرب ناقلة كل مظاهره بل كانت طائفة متدينة محافظة ايضا ... حتى خرجوا عن نهج المدرسة الانطاكية المحافظة الموالية للعرب والمسلمين والموارنة يعانون من اشكالية هل ينتمون الى الوطن لبنان فيصيرون اكثرية ام ينتمون الى دينهم فيصيرون اقلية معزولة ؟؟؟ وهل ينتمون الى انفسهم ام ينتمون الى الغرب وهي اشكالية قائمة منذ الحملات الصليبية ومنهم ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث ومنهم صدرت دعاوى قومية العرب ... الخ من بدع سياسية يحاولون بها الانتماء ... ولم يكن لهم من خلاص من ذلك الا بالغزو الفكري والاعلامي لكل ما يجاورهم من عرب جهال وبدو متمثلين في دول الخليج وان وصلت محاولاتهم للغزو الى مصر المحروسة غصب عن انف كل شريف ومثقف وواعي مصري لدرجة ان وسائل العلام العربية اصبحت تستبعد الجيم المصرية وتستبدلها بالجيم المعطشة وتفرض ذلك على المذيعين المصريين انفسهم واصبحت مرجعية اللغة العربية في العالم العربي هي المجمع اللغوي اللبناني لا المصري !!! مستغلين في ذلك القطيعة اللتي حدثت بعد ان وقعت مصر اتفاقية كامب ديفيد لانهم قد فشلوا عسكريا في حرب لبنان الاهلية وفشلت قياداتهم السياسية اللادينية في تحقيق اهداف مستغلين النعرة القومية الدينية ومتعاونين مع الغرب ومع اسرائيل بالتحديد ومن ظواهر هذا الغزو انه لا تجد اي محطة عربية الا وبها مذيعون مارونيون
بعد انتهاء الحرب الاهلية انشأت كل طائفة تقريبا محطة تلفزيونية وانشأت الكتائب المارونية اللتي منها جيش لبنان الجنوبي تلفزيون ال بي سي LBC وهو اللذي يعرض ستار اكاديمي وميس ليبانون حاليا ولكن لكي لا القي بالمسئولية كلها على الطائفة المارونية ويتهموني بالعنصرية تعالوا نعرف مين كمان يمتلك الال بي سي ؟؟؟ الامير السعودي الوليد بن طلال يمتلك 49% من القناة !!! وقد حققت هذه القناة ربحا من هذا البرنامج فقط 40 مليون دولار !!! وذلك عن طريق تقاسم الارباح مع شركات المحمول اللتي يقوم المشتركون البلهاء بالتصويت من خلالها !!!
طب مين كمان بيمتلك ايه ؟؟؟ محطة ام بي سي يمتلكها الشيخ وليد الابراهيم صهر الملك فهد !!! وهي المحطة اللتي عرضت برنامج بيج برازر والشيخ صالح كامل يمتلك برنامج على الهوا سوا وجدير بالذكر انه كان الشريك في محطة ال بي سي قبل ان يشتري حصته الوليد بن طلال !!! ولا تقتصر هذه النوعية من البرامج على هاتين المحطتين حيث تذيع قناة المستقبل برنامج سوبر ستار وقناة نيو تي في برنامج ستار كلاب
وانا شخصيا لا اميل الى نظرية المؤامرة بل اميل الى قول ان النفس هي الامارة بالسوء فلا اتهم الطائفة المارونية مثلا بالعمالة وتعمد الافساد ولا الشيوخ والامراء السابق ذكرهم بانهم يعملون بأس من امريكا واسرائيل فالمحرك هنا قبل ان يكون ثقافيا هو محرك مادي مالي تجاري اقتصادي بحت قائم على الحاجة الجنسية والجشع المادي فلديك كم هائل من البشر يعيشون في ظروف الكبت الجنسي والانغلاق والانعزال لديهم قدر هائل من المال والانانية فلا يعرفون له مصرفا تحكمهم طبقة من الاسر المنافقة اللتي تتظاهر بالتقوى والمحافظة وهم ممن يقولون ما لا يفعلون ولا هم مؤمنون بما يفعلونه بشعوبهم والدين عندهم ليس الا مطية يتحكمون بها فيهم ويمتلكون البرامج اللتي يحرمها مشايخهم على شعوبهم... وكم اخر لديه ما يزيد عن حاجته من الانفتاح والانحلال وما يدعون انه حرية وتنوير وهي قيم كلها مستوردة من الغرب وبالتحديد من فلسفات نيتشة اللتي امنوا بها وكفروا بما انزل عليهم من قران واناجيل والخليجيون هم اكثر المتحمسين لهذه البرامج واكثر المشاركون فيها سواء باموالهم وموبايلاتهم ورسائلهم او باستماتتهم للدفاع عن هذه البرامج واستمراريتها والدليل هو الفقرات الاعلانية في تلك البرامج كلها عن منتجات تباع في الخليج تلك الاعلانات اللتي تحقق دخلا مهولا لملاك تلك المحطات الى جانب الدخل من التصويت بالموبايل طبعا !!!
والغريب ان تلك المحطات اللبنانية عندما تذيع برامجها تحدد مواعيدها بتوقيت مكة المكرمة !!! وليس توقيت بيروت ولا حتى توقيت تل ابيب المستفيد الوحيد بطريقة غير مباشرة ولكنها كبيرة من تلك المحطات !!! واكرر ليس معنى ذلك تطبيق لنظرية المؤامرة او ان اسرائيل ربما لها او ليس لها اي دخل بالموضوع النفس هي الامارة بالسوء ... والشباب العربي محبط يعاني من انكسارات تلو انكسارات ضياع افغانستان وفلسطين والعراق وتيمور الشرقية ... الخ يفتقد القدوة والمثل الاعلى او السوبر مان العربي سواء كان زعيما سياسيا او حربيا او علميا ... ولا تنتج له امته الا نماذج سوبر مشوهة مثل اسامة بن لادن وابو حفص والزرقاوي وليس لديه حتى بنى تحتية تستوعب من اصبحوا سوبر مان بتفوق فردي في دول غربية كالباز وزويل ويعقوب والانسان بطبعه يريد السعادة والنسيان باي طريقة كانت فلا يجد الا نماذج الممثلين والمطربين ولاعبي الكرة يمتلكون الفيلات والشقق الفاخرة والسيارات والطيارات والمعجبين والمعجبات وكل ذلك من لا شيء فيخيل اليهم انه الطريق الاصلح
ثم جاءت تلك البرامج اللتي تختار اناس عاديين من بين الناس فخاطبت حاجة ملحة في نفوس شباب الامة ليلمعوا فجأة ويصبحوا مشهورين مسلطة عليهم الاضواء فيلهبوا في قلوب الفاشلين الامل لانهم النموذج الوحيد اللذي يستطيعون ان يكونوا مثله !!! سوبر فاشل او سوبر تافه!!! فلا عيب ان تكون فاشل او تافه لا قيمة لك ... لانه من الممكن فجأة ان تكون تافه سوبر في اكاديمية التافهين ... وتنهال عليك العروض والهدايا والمعجبين وتقتحم بيوت الناس وقلوب بناتهم وفتيانهم ... وهناك جانب اخر مختلف ايضا ... وهو حب شعوبنا للنميمة والتلصص ومعرفة الاسرار ورؤية ماهو غير مسموح لهم برؤيته وهو ما لا يتوافر في مجتمعاتهم فقدمت لهم تلك البرامج كل هذا على طبق من ذهب كاميرات تراقب شباب وفتيات واخدين راحتهم ولابسين اخف قدر من الملابس يتصرفون بما يتصورون انه عفوية اخلاقيا وعاطفيا وجنسيا كل ذلك مطعم بديكورات فخمة ملونة مبهرة كنموذج حياة يتمناها اي تافه...
والغريب ان الغرب بدأ ينتقد هذا النوع من الثقافة بافلام مثل ترومان شو Truman Showلكننا هنا فقط بدأنا نكتشف هذا النوع من الترفيه !!! وبينما نجد جيم كاري بعد اكتشافه للامر يحاول بكل جهده الهروب والحصول على الخصوصية والبعد عن الاضواء والشهرة نجد شبابنا وبناتنا للاسف يتهافتون على هتك خصوصيتهم وبارادتهم وموافقتهم الكاملة ولا يجدون غضاضة في اظهار محاسنهم والتلوي والدلع والمياصة والتخنث امام الكاميرات بكل حرية ولا مانع من بعض القبلات والاحضان ... ولا حياء كل هذا في سبيل ان يصبحوا سوبر ... سوبر في اي شيء ... مطرب او مطربة سوبر في ستار اكاديمي وسوبر ستار وستار كلاب يحيون الافراح والليالي الملاح في قصور الشيوخ والامراء وربما يقضون الليل في اسرتهم ... او زوجة سوبر في على الهوا سوا يتزوجها قواد ديوث بعد ان عاين بضاعته ملايين البشر على الهواء وشافوا كل مقاساتها واطوالها وشكلها ايه وهي صاحية من النوم او خارجة من الحمام او بتلعب رياضة او واقفة عاملة ست بيت في المطبخ !!! او ملكة جمال لبنان السوبر اللتي ترتدي اخف واقل ما يمكن لتصبح في المستقبل سوبر عاهرة تتقلب من فراش امير الى فراش شيخ حتى يتزوجها احدهم وينشيء لها محطة فضائية يستمر بها العهر السوبر !!! والخطورة الحقيقية في تلك البرامج واللتي تجعلها اخطر من افلام السينما حتى اشدها في المشاهد الاباحية بل واخطر من افلام البورنو ان كل ما سبق نعرف بانه تمثيل وحوار مكتوب ومعد مسبقا والموضوع برمته خيال في خيال اما المشاهد المثيرة في تلك البرامج فيتلقاها المشاهد حقيقية على الهواء بين اناس حقيقيون !!!فماذا بقي للعرب والمسلمين ؟؟؟ظهور مارلين مانسون جديد بيننا ؟؟؟