الأربعاء، شوال 18، 1425

مات الفرد... عاش الشعب - د. حسن حنفي

ظن الغرب أنه لطول حكم القادة العرب، وغياب تداول السلطة، أن كل شيء بيد الحاكم، قضايا الحرب والسلام، والاقتصاد والمال. فتعاملوا معهم مباشرة دون الأخذ بعين الاعتبار برأي الشعب الممثل في مؤسساته الدستورية على ضعفها، ومصالح الشعوب على وضوحها.
كما ظن الغرب أن السلطات المطلقة للحاكم تجعله قادراً على أن يأخذ القرارات المصيرية في الداخل والخارج. فهو صاحب القرار الأوحد. يكفي موافقته على رغبات القوى الكبرى حتى تتحول موافقته إلى قانون، ورغبات القوى الكبرى إلى أحلاف وتدخلات عسكرية ومساعدات الأخ على ضرب أخيه. هذا هو الوضع الحالي في العراق وفلسطين وأفغانستان والشيشان. ظنت قوات الغزو الأميركي البريطاني أن القضاء على حاكم العراق حتى ولو سلمنا بالأعذار، التسلط والقهر في الداخل، وأسلحة الدمار الشامل لتهديد الخارج، هو قضاء على شعب العراق. واغترت بسرعة تسليم بغداد، واعتبرتها نصرا مؤزرا وفتحا مبينا. وهو في الحقيقة تحول الجيش إلى الشعب بأسلحته، ومن الزي العسكري إلى الزي المدني. وبدأت مقاومة الشعب العراقي بكل طوائفه واتجاهاته السياسية الوطنية والقومية والإسلامية. تقاوم على أرضيتها أقوى جيوش العالم. قد تهزم قوات الغزو الأميركي البريطاني الجيش النظامي العراقي بطبيعة الحال نظرا لعدم التكافؤ في العدة والعتاد، ولكنها تعجز عن غزو شعب بأكمله بما لديه من قدرة على الاستشهاد، دفاعا عن الكرامة، وعزة النفس، واستقلال الأوطان.
وحدث نفس الشيء في فلسطين. إذ يرفض الكيان الصهيوني الحديث مع عرفات، ويرفض الدخول في أي مفاوضات بدعوى أنه لا يمثل الشعب الفلسطيني. وفي نفس الوقت يحاصره ويمنعه من التنقل ومغادرة رام الله ظناً أنه يقيد حركة الشعب. والشعب يقاوم في الضفة والقطاع، في المخيمات وعبر الأنفاق. فحصار الرمز بل والتهديد بقتله لا يقضي على حياة شعب.
وتكرر نفس المشهد في أفغانستان بغزوها لتخليص الشعب من حكم "طالبان" وتنصيب حكومة موالية بدعوى التخلف والأصولية والعنف وحقوق المرأة والطفل. ويحقق الغزو ما أراد بقلب السلطة الحاكمة ولكن تبدأ مقاومة الشعب الذي يرفض احتلال الأوطان. ويسيطر على مساحات شاسعة خارج المدن. فلا يمكن للمحتل الأجنبي أن يقوم بدور الحاكم الوطني مهما يبلغ تسلطه وتفرده وتخلفه.
ورؤية الغرب لنا أحيانا تقوم على وهم مما تعود عليه أو خداع قياساً على حالة خاصة. فليس حضور الشعب دائما في صيغة مؤسسات دستورية، وصحافة حرة، وتعددية حزبية، ووزارة مسؤولة أمام البرلمان، وهي الصورة الرائجة من النموذج الغربي. قد يحضر الشعب بالنكتة على الحكام والسخرية من الأوضاع. وقد يحضر بإدارته الظهر للحاكم وعدم التعرض له حتى بالنكتة لأنه لا يثير السخرية. وإذا كان شر البلية ما يضحك، فإن شر البلية ما يحايد، ولا ينفعل بالحاكم إيجابا أو سلبا لأنه لا يستحق العناء، ولا يثير الخيال. وقد يحضر الشعب بالنزول تحت الأرض في خلايا سرية استعدادا للانقلاب على السلطة. وماذا ينفع القول دون العمل؟ وقد يحضر الشعب بالهجرة خارج البلاد إما سعيا وراء الرزق، فكل بلاد الله أوطان، وأرض الله واسعة تقبل الهجرة أو تكوينا لبؤر معارضة في الخارج، صوتها أكبر من أثرها، وحضورها الإعلامي في الخارج أكبر من وزنها الفعلي في الداخل. لا يغيب الشعب بل ينزوي إلى حين.
ونسى الغرب أن نموذج العرب والمسلمين هو "أشداء على الكفار، رحماء بينهم". وهو النموذج الذي نجح إبان حركات التحرر الوطني عندما توحدت حركات المقاومة الإسلامية والليبرالية والقومية والماركسية من أجل طرد المحتل. فالتناقض الرئيسي يجبُّ التناقض الداخلي. وهو النموذج الذي عبّر عنه المثل الشعبي "أنا وأخويا على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب".
ومهما بلغت التناقضات في شعب العراق بين الطوائف والأعراق إلا أنها تتفق جميعا على مواجهة العدوان الخارجي، سنة وشيعة وأكراداً في العراق، وفصائل المقاومة والسلطة الوطنية في فلسطين، وحكومة ومعارضة في السودان ومصر، ومسلمون ونصارى في كل أرجاء الوطن العربي بل ويهوداً أيضاً. فقد جمع الكل العروبة. وساهموا في نهضتها الثقافية والعلمية والفنية قبل أن تأتي الصهيونية الغربية إلى البلاد وتفصلهم عن الوطن الأم في "جيتو" صهيوني في فلسطين.
فعلى قوات الغزو الأميركي البريطاني أن تفكر أكثر من مرة قبل أن تكرر النموذج العراقي أو نموذج آخر في سوريا أو السودان أو إيران. فمهما بلغ الحاكم من سطوة إلا أنه في حالة العدوان الخارجي يستيقظ الشعب ويقف في مواجهة العدوان الخارجي. فالشعوب لم تمت ولكنها تتوارى وتنزوي كالأسد الرابض، هدوء يسبق العاصفة.
وإذا عاد الاستعمار الأوروبي الأميركي بطريقة القرن التاسع عشر تعود من جديد حركات التحرر الوطني التي سادت القرن العشرين، وقضت في عقدين من الزمان على استعمار دام عدة قرون. وهو المتوقع في المنظور القريب بعد العدوان على العراق وفلسطين وأفغانستان والشيشان وكشمير واندلاع المقاومة الوطنية.
ويرى الشعب في الحالتين، استبدال سيد بسيد، السيد الأجنبي بالسيد الوطني. إذ تقوم قوات الغزو الأميركي البريطاني بنفس أساليب القتل والقذف بالطائرات وبالمدافع على المدنيين الأبرياء. ولم يتغير الحكم التسلطي قبل الغزو وبعده وربما أسوأ. فقد كان المواطن العراقي يشعر بالأمن الاجتماعي وإن لم يشعر بالأمن السياسي. وكان لا يجوع ولا يعرى ولا يعطل عن عمل ولا يهدم عليه منزل.
ويبدو أنها نفس الأسطورة الصهيونية القديمة والأميركية الجديدة، في فلسطين والعراق، أرض بلا شعب، وفي أميركا شعب بلا إمبراطورية، وفي بريطانيا حنين إلى العصر الإمبراطوري وسيادة البحار.
تثبت المقاومة كل يوم في العراق وفلسطين أن الملك قد يموت ويظل الشعب حيا. قد يختفي رأس النظام ويقبض عليه أسيرا، ولكن الشعب حر طليق، يقاوم ويستشهد. قد يحاصر رئيس السلطة الوطنية وتحدد إقامته ولكن فصائل المقاومة طليقة تطلق الصواريخ وتدمر المركبات.
قد تخطئ المقاومة هنا وهناك. وقد تغالي في قتل العملاء وخطف المتعاونين مع قوات الاحتلال، وتنفيذ أحكام الإعدام أمام أجهزة الإعلام. والحرب لا عقل لها. كل فريق يستعمل ما أوتي من قوة بحساباته الخاصة ومبادئ الإسلام تظل محفوظة طالما أن هناك مقاومة للاحتلال.
وكم من قوى كبرى زالت لأنها لم تقدِّر مقاومة الشعوب. تحررت فرنسا من الحكم النازي بفضل المقاومة الفرنسية، وتحررت أميركا نفسها بفضل المقاومة الأميركية ضد الاحتلال البريطاني. زال الاحتلال الروماني قديما لأنه لم يقدِّر قوة شعوب المستعمرات.
لقد تخلت أميركا عن مبادئ مؤسسيها الأوائل فتخلت الشعوب عنها. وتحولت مبادئ الثورة الفرنسية التي جسدها إعلان الاستقلال والدستور إلى مسيحية صهيونية ويمين محافظ جديد، وإمبراطورية تسود العالم باسم العولمة. وإسرائيل هي المخلص، يسوع آخر الزمان.
انتهى عصر الفرد وبدأ عصر الشعوب. فالفرد فان (إنك ميت وإنهم ميتون). والشعب باق. "من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت".