الاثنين، ذو القعدة 08، 1425

اسرائيل ترقص العرب بدوبوس ابرة - د. سيد ريحان

بدأ انضمام الدول العربية إلي مشروع المناطق الصناعية المؤهلة (الكويز) يتوالى، فقد بدأت الأردن، وأعقبتها مصر، ومن المؤكد أن هناك دولا أخرى فى الطريق. الاتفاقية ببساطة شديدة لمن لا يعرفها،
هى فتح الأسواق الأمريكية أمام أى دولة من دول المنطقة لتصدير منتجاتها الصناعية، وتسويقها هناك دون أية رسوم أو جمارك، ودون التقيد بنظام الحصص، أى بدون قيد ولا شرط سوى أن تتضمن هذه المنتجات نسبة بسيطة جدا من مكونات إسرائيلية الصنع!!. ونظرا لتفاهة شرط كهذا فى مقابل ميزات تفضيلية ضخمة تمنحها أمريكا لمن يريد من العرب الفوز بأسواقها الكبيرة، فقد ألقى الجميع بكل ثقلهم باتجاه الأسواق الأمريكية…فهى أسواق طالما حلم بها العالم كله، ولكن أمريكا تقف أمام هذه الأحلام بوضع عراقيل مختلفة الأشكال والألوان، ثم جاءت هذه الاتفاقية لترفع كل هذه العراقيل من أمام العرب لتدخل البضائع العربية ملكة متوجة على غيرها من بضائع الدول الأخرى...وكل ذلك مقابل ماذا؟...مقابل شرط تافه وحقير وتحقيقه فى منتهى السهولة وهو قبول مشاركة إسرائيل بنسبة ضئيلة جدا من مكونات أى منتج عربى قد لا تزيد فى أى حال من الأحوال عن مجرد صناعة الكرتونة فقط أو التيكيت أو حتى دبوس الإبرة الخاص بتثبيت المنتج!! وحتى يتأكد العرب جميعا من جدوى هذه الاتفاقية، فقد جاءت نتائج التجربة الأردنية مع تنفيذها بنتائج مشجعة جدا، تمثلت فى ارتفاع كبير في قيمة الصادرات الأردنية إلي الولايات المتحدة من قيمة تعادل‏9,3‏ مليون دينار أردني فى عام 1995‏ إلي ما قيمته‏289,7‏ مليون دينار فى عام 2002.!! ‏ لذا فقد هرول جميع المستثمرين لضخ أموالهم فى تصنيع المنتجات التى يرغبها السوق الأمريكى.. وأيضا تم اجتذاب كثير من الاستثمارات الأجنبية للاستفادة من هذه الميزات التفضيلية ليكون لها أيضا حق النفاذ الحر إلى الأسواق الأمريكية عن طريقنا نحن الكبارى العربية....عشرات المصانع تم إعدادها خصيصا بمناطق لهذا الغرض مما سيوفر فرص عمالة كبيرة في تلك المناطق، وسيكون له آثار ايجابية علي زيادة معدل النمو الاقتصادي.. آلاف العمال و المهندسين و السائقين و الفنيين سيجدون وظيفة و لقمة عيش.. العالم الآن عالم مصالح فقط..لا توجد عداوة دائمة... و لا صداقة دائمة... و لكن توجد مصالح دائمة.. فلنكن أذكياء ولو لمرة، ونضحك على أمريكا وإسرائيل فى آن واحد ونستغل غباءهم المفاجئ هذا ونصعد على قفاهم لـ (وش) الدنيا. نعم توجد أسواق أخرى كبيرة كأسواق الإتحاد الأوروبى..ولكنها تضع شروطا فى منتهى القسوة، لا قبل لنا بها، مثل ضرورة احترام حقوق الإنسان فى البلد المصدّر، وهو الشرط المستحيل تحقيقه فى بلاد العرب...فلو كانوا اشترطوا حقوق الحيوان مثلا كنا وافقنا طبعا..لكن الإنسان!! ..لا وألف لا لهذه الشروط المتعسفة!. وكانت إسرائيل قد أعلنت من فرط تواضعها أنها لا تريد أى أموال أو مكاسب مالية من وراء هذه الاتفاقية، بدليل عدم اشتراطها نسبة للمشاركة بأكثر من دبوس إبرة واحد فى كل منتج، حيث أن كل ما ترجوه من وراء هذه الاتفاقية هو الرخاء لشعوب المنطقة حتى يقبلوا العيش معها فى سلام، حتى وإن لم يطبعوا معها العلاقات، فقفلت الباب بهذا التصريح على السادة المعارضين الذين يخشون المردود السياسى بفرض التطبيع إجباريا على العرب، ويخشون أن يكون المردود الإقتصادى مائلا فى صالح إسرائيل. وبالفعل زُرعت أراض لدول عربية بأكملها قطنا... ثم غزل هذا القطن فى مصانع الغزل الكبرى التى أقيمت خصيصا لهذه الاتفاقية …ودارت عجلات وتروس مصانع النسيج فى أنحاء الأقطار العربية …وتم التصنيع وخرج المنتج المأمول للنور، والذى حلمت به الشعوب طويلاً..وفعل العرب كل ما عليهم ولم يبق سوى الحصول على الدبوس الإسرائيلى وبعدها يتحقق الحلم العربى فى الثراء والوقوف فى مصاف الدول الصناعية الكبرى. لكن...وآه من لكن هذه..كانت المفاجأة الكبرى حينما أعلنت إسرائيل أن لها شروطا لكى تقدم لهم هذا الدبوس...أخ !!!...لم يلتفت المؤيدون للاتفاقية أن اشتراط نسبة لإسرائيل حتى ولو كانت فى ضآلة دبوس تعنى أنه لن يتحرك أى منتج تم تصنيعه بالكامل داخل أى دولة عربية من على أرض المصنع إلا بعد أن تتكرم وتتعطف دولة معالى صاحبة الجلالة والعظمة والفخامة إسرائيل هانم وتعطينا الموافقة على ذلك...موافقة فى صورة دبوس!!! ولك أن تتصور عزيزى القارئ الموقف عندما يقف شعب بأكمله بحكامه وأفراده فى انتظار التعطف والتفضل الإسرائيلى بالموافقة !! فبدون هذا الدبوس لن تبرح البضاعة مكانها فى الميناء…ولن تتحرك.... ولأن الاستثمارات كانت ضخمة..والمجهودات التى بذلت غير هينة بالمرة …فإذا لم يتم بيع هذه المنتجات الصناعية..ستكون الخسائر هائلة..وبالمليارات …ويعقبها إفلاس كيانات اقتصادية كبيرة أنشأت تحت حلم غزو الأسواق الأمريكية الضخمة …ومن المستحيل أن يتحمل اقتصاد هذه الدول كل هذه الخسائر …لذا فلابد من الدبوس الإسرائيلى و إلا عم الخراب على الجميع ..وضاع مجهود شعب بأكمله هباء...هذا غير أن أصحاب الاستثمارات الأجنبية لن يسكتوا أبداً على ضياع أموالهم بهذا الشكل!. فهل يجرؤ الآن رئيس أى دولة عربية على اتخاذ قرار بشحن وتصدير منتجات بلده الى أمريكا بدون الدبوس؟ هنا..وقفت إسرائيل تلوح بالدبوس فى الهواء يمينا مرة ويساراً مرة…وأعناق الشعوب العربية تتمايل معه فى نفس الاتجاه كلما ذهب يمينا أويسارا …والكل فى صمت مهيب فى انتظار قرار صاحبة العصمة والدلال!! وبعد فترة انتظار رهيبة مرّت كأنها الدهر…جاء الشرط الإسرائيلى لكى تعطيهم الدبوس …أن يجتمع زعماء الدول الموقعة على الاتفاقية جميعا ويخلعون جميعا ملابسهم تماما كسجناء أبو غريب ويرقصون رقصة عجين الفلاحة …ولم يجد السادة الزعماء المبجلين بدا من الموافقة، فهم من وافق على شرط الدبوس فى البداية ولا يمكنهم التنصل من المسئولية الآن…وبدأت الرقصات وأعين الجميع يملؤها الخوف معلقة على الدبوس …لم يكن خوفا من عدم الحصول على الدبوس بقدر ما كان خوفا من أن يوضع الدبوس فى مكان خطأ بدلا من المنتج قد يكون مؤلماً!...وهنا تجرأ أحد الزعماء المبجلين وصاح غاضبا...لماذا تفعلون بنا هكذا ؟!!...مافيش عندكم بامبرز يا كفرة!!! . ـــــــــــــــ sayedrihan@hotmail.com