الخميس، ذو القعدة 11، 1425

وطار فوق عش البعثيين - وائل عباس

هذه قصة حقيقية حدثت لمواطن مصري اثناء زيارته لجمهورية سوريا الشقيقية وهذا المواطن صادف انه والد احد اصدقائي المقربين والذي خصني بهذه القصة التي تنشر لأول مرة ...

يوم السبت 7 ديسمبر ثالث أيام العيد: طرطوس :
وصحوت في الصباح الباكر فصليت الصبح ثم نزلت عند السادسة والنصف ومشيت سيرا على الأقدام إلى موقف الأتوبيس الذي تحرك فعلآ عند السابعة في جو يسوده البرودة، وكانت عيناي تدوران يمنة ويسرة وأنا استمتع بالخضرة وجمال الطبيعة على الجانبين وأمني النفس بقضاء يوم ممتع في أحضان هذه الطبيعة المنتعشة بماء الشتاء. وصلت إلى اللاذقية في الثامنة والنصف وأتجهت فورا إلى شباك الحجز لشركة القدموس وحجزت تذكرة للعودة إلى طرطوس لنفس اليوم في الثامنة مساء ثم خرجت من الموقف وركبت سيارة أجرة إلى موقف الميكروباسات المتجهة إلى المناطق المرتفعة والتي أوصاني بمشاهدتها زملاء سعوديون كانوا قد زاروا سوريا عدة مرات من قبل وأشادوا بجمال المناظر الطبيعية بمنطقة كسب ورأس البسيط وحتى تلك اللحظة لم تكن هذه المواقع تعني لي أكثر من أسماء وكنت أتلهف على مشاهدتها والتقط صور للمشاهد الطبيعية بها، ووصلت إلي الموقف في التاسعة إلا الثلث وكنت قد شعرت بالجوع ولكن للأسف لم أجد مطعما مناسبا لتناول الإفطار. وركبت سيارة مبكروباس من الموقف التي سرعان ما امتلأت بالركاب وغادرنا عند التاسعة إلا الربع حيث سارت بنا عبر طريق ضيق إلا أنه يسر الناظرين بما يحتويه على الجانبين من أشجار مثمرة بثمار البرتقال واليوسفي بجانب الأشجار الباسقة. وكلما ارتفعنا مع الطريق ازداد المنظر جمالا وبهاء وكان الجو باردا منعشا، والحافلة تصعد من جبل إلى جبل وأنا أمني نفسي بقضاء يوم جميل بين أحضان الطبيعة الزاخرة. وعند العاشرة الا ربع توقفت الحافلة عند مفترق طريقين ونزل ركاب الحافلة منها جميعا وقد سألت السائق هل هذا هو آخر الطريق وهل يمكنني الركوب من هنا عند العودة ؟ فأجابني بالإيجاب، ونزلت من الحافلة فوجدت أن جميع ركابها بلا استثناء قد اتجهوا إلى الطريق الأيمن وأخذوا يصعدون إليه. ونظرا لأنني كنت في حاجة الى الراحة وتناول كوب من الشاي فقد صعدت معهم ظنا بأنه ربما يكون هناك استراحة أو مطعم في هذا الاتجاه وخاصة بأن الاتجاه الأيسر على مدى بصري كان خاليا إلا من الأشجار على الجانبين. وبعد مسيرة خمس دقائق لاحظت وجود بوابة عليها مجموعة من الشرطة على الجانبين ولم أجد أحد يعترض المارين عبر تلك البوابة التي لا يزيد عرضها عن أربعة أمتار. وشاهدت عند يمين البوابة مكتبا للهاتف (سنترال) وعند اليسار حديقة بها بعض الكراسي والمناضد وقد جلس عليها بعض العائلات رجال ونساء شيب وشباب وأطفال. واتجهت يسارا وسألت عن مطعم اوكافيتريا ولكنني لم أجد سوى فرع للبنك السوري ولم ألحظ شيء سوى ذلك. ثم عدت أدراجي إلى البوابة التي دخلت منها وكانت الساعة تقترب من العاشرة صباحا، وعند خروجي من البوابة اعترضني رجل طويل أصلع عرفت فيما بعد أنه يدعى أبو ناصر وسألني إلى أين أتجه فأخبرته بأنني أبحث عن استراحة لتناول الإفطار وأنني مصري جئت للنزهة والسياحة في تلك المنطقة، فطلب مني أن ابرز جواز السفر فأخرجته من جيبي وأعطيته إياه، وبعد أن تصفحه نادي علي شاب يلبس بزة عسكرية وأعطاه جواز سفري وطلب منه أن يحتجزني في غرفة السنترال وذهبت معه وأنا أساله لماذا لا يعطيني الجواز ويخلي سبيلي كي أستأنف رحلتي ولكنه طلب مني الانتظار لخمس دقائق فقط وسوف أذهب بعدها في طريقي وكنت أمزح معه وأسأله خمس دقائق (مصري) أم حقيقية فرد ضاحكا وقد فهم ما أعنيه ووعدني بأن الأمر لن يطول أكثر ويجب أن أطمئن. ولكن للأسف طالت المدة وكلما سألتهم متى اذهب أجابوا خمس دقائق فقط، وتردد العديد من الوجوه على غرفة السنترال وكل واحد يفحص جواز سفري وينظر إلي مليا ثم يذهب، ثم يخرجونني من الغرفة للخارج ويتصلوا بالهاتف، ثم يعيدونني إلى الغرفة وبين الحين والآخر يمر أبو ناصر ويتكلم في الهاتف وفي إحدى المرات احضر ورقة وأخذ يسألني لماذا حضرت إلي هنا وبدأ يسألني بإسهاب وأنا أجيب على أسئلته التي كان يدونها في الورقة، وقالوا لي بأن المكان سوف يخلى من الناس عند الثانية حيث أن هذا اليوم يوم زيارة للعائلات السورية والتركية ولكن مرت الثانية والرابعة وأصبح المكان خاليا من الرواد ثم نقلوني إلى غرفة البنك السوري ومكثت لمدة ساعتين. وعند السادسة مساء استدعاني أبو ناصر وطلب مني أن أركب سيارة بيجو وأخبرني بأنني سوف أذهب إلى اللاذقية وحلف براس المرحوم حافظ الأسد ورأس المرحوم جمال عبد الناصر بأن الأمر هناك لن يستغرق أكثر من عشر دقائق ثم يخلوا سبيلي. وركبت السيارة وأنا بصبحة سبعة أفراد أحاطوا بي كالسوار بالمعصم، فقد جلس بجانب السائق شابان وآخران عن يميني ويساري وآخران خلفي وانطلقت السيارة بسرعة في جو بارد قارص البرودة شديد المطر في طريق ضيق ومتعرج حتى نزلنا إلى اللاذقية وأخذت تجوب شوارعها بسرعة حتى وصلنا إلى مبنى أداري وهناك توقفت السيارة وقادوني إلي غرفة مكتوب عليها غرفة الأمن وكانت تحتوي على مكتب وسرير ومقعدين وقد جلس على السرير شاب يلبس (ترينج) وقد بدأ تحت ملابسه مسدس، وبعد دقائق حضر شخص آخر ذو لحية خفيفة عرفت فيما بعد أن اسمه فهد وأخرج ورقة وقلما وبدأ في استجوابي عن سبب وجودي هنا فشرحت له بأنني سائح مصري أتى لقضاء إجازة عيد الفطر في سوريا ( الشقيقة) وقد خططت للذهاب إلى أماكن متفرقة وأظهرت له تذاكر السفرللمدن التي زرتها والأماكن التي تجولت فيها ودون كل ذلك بالتفصيل ثم سألني أن أنتظر حتى يحضر المدير، ولم يكن أمامي سوى الانتظار. وفي الثامنة مساء استدعوني للمقابلة ونزلت إلى الدور الأول ودخلت إلى مكتب عليه لافته باسم ( مكتب المعلومات) وكان بداخله رجلين أحدهما متوسط القامة أقرب إلى القصر والآخر أشيب في الخمسينات من العمر تسقط النظارة إلى فوق أنفه، وأعادوا علي نفس الأسئلة عن سبب زيارتي لسوريا ولماذا حضرت منفردا وهل أعرف أحد في سوريا. ثم طلبوا من فهد والذي اصطحبني إليهم طلبا ما، في نفس الوقت الذي خرج الشخص الأول وأحضر ملفا وبدأ الاثنان يتفحصاني مليا، وطلب مني هذا القصير أن اخلع الجاكيت الذي كنت ألبسه والقميص وهو يسألني إن كانت هناك علامات مميزة في جسدي أو أثر جراحات سابقة وأجبتهم بأن جسمي سليم مائة في المائة ولا يوجد به أي علامات أو إصابات، ثم لماذا كل تلك التفاصيل ؟ ولم يرد أحد منهم وعاد فهد وقد حمل كراسة تحتوي علي حوالي سبع صفحات. وعادوا للأسئلة عن اسمي وتاريخ ميلادي وأسم أمي وأسماء أشقائي وأزواجهم وزوجاتهم وأبنائهم وأعمامي وعماتي وأخوالي وخالاتي وأزواجهم وأولادهم وعناوينهم ومهنهم، ثم أسئلة عن انتماءاتي الحزبية، فأجبتهم بأنني رجل أقترب من الستين وآخر أعمامي أو عماتي وأخوالي أو خالاتي قد مات منذ عشرين عاما وحتى أسماء أخوالي وخالاتي كانت أسماء شهرة ولا أعرف أسماؤهم الحقيقية، كما أنني لا أنتمي إلى أي حزب أو تنظيم أو جماعة ولا يربطني أو أسرتي أو حتى عائلتي أي صلة بأي فئة مشبوهة أوأي شخص مشبوه. ثم أعطوني الملف لأكتب في الصفحة الأخيرة منه نبذة عن حياتي وخط سيري منذ دخلت سوريا، وكل هذا وأنا في دهشة مما يحدث وأكرر بأن الموضوع فيه خطأ ما وما جئت سوريا إلا للسياحة والترويح عن نفسي خلال إجازة العيد. ثم أبديت لهم استعدادي للمكوث في اللاذقية في أي فندق يختارونه مع الاحتفاظ بجواز سفري لديهم حتى يتأكدوا من عودتي. وخرج الجميع من الغرفة لعدة دقائق ثم عاد فهد وفي يده الأوراق ووجهه ينبئ بالأسى وهو يخبرني بأنهم مضطرون ( لاستضافتي ) لبضع ساعات وربما إلى اليوم التالي. وكنت أظن أن هذه الاستضافة تكون في أحد المكاتب ولكنه امسك بذراعي وهو يجرني، وأثناء ذلك دخل الغرفة الرجل الآخر ذو النظارة الساقطة على عينيه وهو يؤكد لي بأن الأمر لن يستغرق سوي بضع ساعات ويخلوا سبيلي، وفوجئت بأنهم اصطحبوني إلى أسفل في بدروم المبني حيث فتح باب حديدي كان بداخله مجموعة من غرف الحجز وعلى بابه كان ينتظرني سجان غليظ القسمات يدعى يونس فطلب مني أن افرغ محتويات جيوبي وأن أخلع ساعتي وحزام البنطلون وأن أعطيه كل ما في جيوبي وكاد أن يأخذ نظارتي لولا أن وجدتني استعطفه ليبقيها لأنني أعرف بأن خلعها لفترة سوف يصيبني بالصداع، ثم قذف بي داخل غرفة خالية إلا من نافذة بأعلى الغرفة ( السجن ) وثلاث بطاطين على الأرض وفي ركن من السجن الذي كان مساحته لا تزيد عن مترين ونصف في ثلاثة أمتار يوجد حائط صغيفترة أخذتة مياه ( قصرية بلدي ) وحنفية مياه يكاد صنبورها يلامس أرضية الحمام ولا تكف عن التنقيط، ثم أغلق حارس السجن الباب الحديدي خلفي، وكان في منتصفه كوة يتخللها قضبان حديدية دائما مغلقة ولا يفتحها إلا عندما يناولني الطعام. وشعرت كأنني في حلم مزعج فأخذت أهز بعضي هزا ثم بعد فترة أخذت أقرع الباب الحديدي وأنادي: يا حضرة...يا معلديسمبر،الكوة وهو ينظر إلي بغيظ ويطلب مني الصمت حتى يستطيع أن ينام.. ولكي أجعل الكوة مفتوحة لأطول وقت طلبت منه أن يحضر لي أكل ولو من نقودي التي كانت بحوزته حيث أنني لم أتناول الطعام منذ مساء الأمس فادخل من خلال الكوة رغيفين وقليل من الزيتون الأخضر في طبق بلاستيك وعندما حاولت أن أوجه إليه سؤالا أغلق الكوة وطلب مني أن أنام. وحتى لا أتعرض لهبوط في مستوى السكر أخذت أبتلع الطعام ولا أجد له طعما ثم جلست وأخذت أثني في أحدى البطاطين لأصنع منها وسادة ثم فرشت الثانية علي الأرض الشديدة البرودة وجلست لفترة ولم استيقظ من ذهولي بعد، وشعرت بأنني أصبحت لا حيلة لي فقد انقطع الكلام بيني وبين الناس وفردت جسمي لكي أنام ولكن الإضاءة الصادرة من المصباح كانت تضايقني وحينما سحبت البطانية الثالثة على وجهي لم استطع الصمود كثيرا من الرائحة التي كانت تصدر منها ولكن تعب اليوم الطويل أجبرني على أن أغفو بين الحين والحين. الأحد 8 ديسمبر ، الرابع من شوال: استطعت أن أسمع آذان الفالباب وطلبتأ وأنا أحاول جاهدا ألا المس أرضية الحمام حتى لا ينقض وضوئي وحاولت أن أحدد مكان القبلة ولكن كيف يتسنى ذلك وأنا لا أعرف أي مكان هذا الذي ألقيت فيه كجوال البصل، فوجهت وجهي لركن من السجن وأنا أردد ( أينما تولوا وجوهكم فثم وجه الله )، وعندما أنهيت صلاتي أخذت أتحرك داخل الغرفة الضيقة حتى لا أستسلم للأغفاءآت التي كانت تتخللها كوابيس مزعجة وأي كابوس أكبر مما أنا فيه الآن؟ . وعندما بزغ الصباح طرقت الباب وطلبت من الحارس أن يستدعي أحد حتى أبرح هذا المكان فاخبرني بأنهم لا يحضرون قبل التاسعة صباحا. وبعد فترة فتحت الكوة مرة أخري لأرى من خلالها وجه سجان آخر يدعى أديب وقد تسأل كيف عرفت أسمائهم والحقيقة أنني كنت أضع أذني عند سماع أي حركة أو صوت بالخارج وأبذل أقصى جهدي لتمييز الأصوات وكنت أسمعهم يتبادلون تسليم العهدة ومنها تأكدت أنني الوحيد المسجون في هذا المكان لأن العهدة الموجودة لديهم تخصني أنا فقط.. وكان أديب هذا أكثر غلظة ممن قبله وخاصة وأنني كلما مر الوقت ازددت إلحاحا في الطلب أن يكلمني أحد وكان في كل مرة يؤكد لي بأنها مجرد دقائق وأخرج، وكيف به أن يعرف ذلك وهو مجرد سجان ينفذ أوامر مكتوبة على الورق ولا يجرؤ أن يحادث أحد من الكبار الجالسين فوق. وناولني وجبة الإفطار من الكوة وهي عبارة عن رغيف وحوالي ثلاث ملاعق من اللبن الزبادي، ولم استطع أن أمد يدي علي الطعام فأنا يصدقون،سكري وأتناول جرعتين من الأنسولين يوميا، ونظرا لأنني لم أحصل على الأنسولين طوال الأمس فقد بدأت أتردد على الحمام بمعدل مرة كل نصف ساعة وخاصة في هذا الجو البارد فتركت الطعام وأخذت اقضي وقتي في تذكر بعض آيات القرآن التي كنت أحفظها من قبل وأطلب من الله وألح عليه في أن يلطف بحالي وينقذني مما أنا فيه وأردد: يامن أخرجت يوسف من عيابة الجب وأنقذت يونس من بطن الحوت أنقذني مما أنا فيه.، ولكن يبدو أن الاختبار كان عسيرا فقد انتهي العمل ظهرا ولم يسأل عني أحد وقد تيقنت بأنهم جميعا كذبة ويحلفون في كل مرة ولا يصدقون ، وأخذت امني النفس بأنه ربما في الفترة المسائية يشعرون بوجودي. و مع بداية الليل بدأت الأمطار تسقط بغزارة مصحوبة بالبرق والرعد حتى خيل إلي أن مدينة اللاذقية سوف تنخلع من مكانها واشتدت برأسي ماذاوأحسست أن أرضية السجن كأنها قطعة من الثلج، وطرقت الباب وفتح السجان أديب الكوة وهو يتثاءب فطلبت منه كوب من الشاي وأنا أذكره بأنني ضيف عليهم فلم يعترض وأقفل الكوة ولم أشرب شيئا، ثم حل المساء وأنا في انتظار أن يسأل عني أحد ولكن لا جدوى، وكل مرة أطرق فيها الباب وأنا أتحمل وجه السجان المتجهم وأسأله إذا كان هناك أحد يمكن أن أكلمه فلا يجيب و يطلب مني أن أنام أو أجلس مع الوعد بأنني سأخرج الليلة وربما بعد خمس دقائق وألا أقلقه بالطرق على الباب لأن الكوة حين يفتحها تتسبب في دخول الهواء البارد عنده. ومضت فترة المساء بدون أن يستجد جديد وأنا أحاول أن أحافظ على تماسكي وقد تجمدت أصابع فدماي من البرودة والسؤال مازال يلح في رأسي ماذا جنيت حتى أتعرض لتلك البهدلة مع أناس لم يراعوا سني المتقدمة ولا يعرفون شيئا عما أعانية من أمراض ولو كلفوا خاطرهم ودخلوا حجرتي في الفندق في طرطوس لوجدوا حقيبة مملوءة بتشكيلة لأبأس بها من الأدوية. وهذا يذكرني بأنني طلبت مرارا من السجان أن يستدعي طبيب لفحصي فكان يؤكد لي بأن الطبيب سوف يحضر فورا ولكنني كنت على يقين بأنه يكذب. ورغم أنني قبل همتي نتيجةت كثيرا من النمل الذي كان يحوم حول البطانية التي كنت أنام عليها، إلا أنه استلمني طوال الليل ليزيد من معاناتي ويثبط من همتي نتيجة إلقائي في هذا الجب وربما يكونون قد نسوني ولكن إلى متى؟. وقمت في هذه الليلة عشرات المرات إلي الحمام وكان هذا دليلا على أن السكر بدأ في الارتفاع نتيجة عدم تناول الدواء. الاثنين 9 ديسمبر الخامس من شوال: وفي صباح اليوم التالي الاثنين حضر سجان آخر شعرت به حين بدأ يستلم متعلقاتي من أديب وكان هذا الشاب أقلهم عنفا وخاصة أنه في المرة الأولى التي فتح فيها الكوة ليناولني الأقطار أخذت أشرح له الظروف التي ألقت بي في هذا المكان وكان على ما يبدو يصدقني. وطلبت منه أن يستدعي دكتورا نظرا لظروفي الصحية فوعدني بأن يصعد ويحاول أن يبذل جهده. في نفس الوقت الذي كنت أتطلع إلي أن يتخذوا بشأني أي قرار يخرجني من هذا المكان الكئيب، ولكن كما بالأمس أخذ الوقت يمر ولم يجد جديد ولأن السجان الجديد كان أكثر تفاهما فقد استطعت أن أعرف الوقت وكان يترك الكوة مفتوحة لأطول وقت ممكن. وعند الحادية عشر حضر طبيب شاب وسألني عما أشكو فشرحت له وضعي الصحي وحينما حاولت أن أفهمه بأن وجودي في هذا المكان خطأ أجابني بأنه طبيب ولا شأن له بالأمر وعرفته بأنني أتناول الأنسولين مرتين يوميا فأخبرني بأن هذا الدواء غير متاح هنا، ثم بدأ يقيس الضغط وبعدها أنصرف فورا بدون أن يقول أي شيء، وبعد نصف ساعة فتح السجان الكوة وناولني قرص من دواء مضاد للسكري وأخبرني بأن الطبيب أعطاه ثمانية أقراص وطلب منه أن يناولني حبة كل صباح. وزاد هذا الكلامالغروب بدأتلاكتئاب لأنه كان يعني أن وجودي هنا سوف يطول، وفكرت في أن امتنع عن الطعام وخاصة وأنني قد فقدت شهيتي تماما، ولكن كنت أعود لنفسي وأحاول أن أتماسك وأكثر من الصلاة وخاصة حين عرفني رامز( السجان الجديد) اتجاه القبلة، وحين طلبت منه مصحفا أعتذر لي بأن هذه الكتب غير موجودة هنا. وكما الأمس عند الغروب بدأت الأمطار تهطل بغزارة و حاولت أن أسيطر علي جسمي الذي كان ينتفض بشدة من البرد وأضع كل ما أستطيع من الأغطية فوقي. وكان رامز يفتح الكوة بين الحين والحين وهو يحاول أن يهدئ من روعي، ولم يعدني كغيره بأنني سوف أخرج بعد خمس دقائق كما لم يحلف برأس المرحوم حافظ الأسد كما فعل غيره من قبل. وكما حدث في الليلة الماضية لم يسأل عني أحد، وفكرت في أن أمتنع عن الطعام وخاصة أنني فقدت شهيتي وبدأت روحي المعنوية تهبط وخاصة بعد الإحساس بأنهم نسوني ولا أدري إلى متى. وأخذت أتحرك خلال المكان الضيق حتى الحادية عشر مساء ثم بدأت في النوم في ظل الظروف الصعبة المحيطة بي. الثلاثاء 10 ديسمبر السادس من شوال : وعند الفجر فوجئت بالسجان أديب يفتح باب السجن ويطلب مني أن أستعد قائلا: جهز نفسك، وبسرعة قذفت القليل من الماء على وجهي وخرجت من الباب لأجد شابين يستلمان متعلقاتي من السجان، وبعدها أخرج السجان قيد حديدي من الدولاب وطبعا كان هذا كفيلا بأن أصاب بالذعر الذي ظهر على وجهي فأخذ يطمأنني بأنهم سوف يصحبونني إلى السفارة، وطبعا لم أصدق كلامه فكيف يدخلوني إلى السفارة مقيد اليدين، ثم طلب مني أن أضع يداي خلف ظهري ثم أقفل عليهما القيود ولأول مرة أعرف – ولا أقول أشعر – بأن حوافهما الداخليتان يكادان يكونا في حدة السكين ولذا فقد كانت أي حركة من يداي تصيباني بالألم الشديد، واقتاداني إلي كراج ملاصق للبدروم الموجود به السجن، وطلبا مني أن أركب في سيارة بيك آب ، ولكن كيف يمكن أن أصعد وأنا في تلك الحالة فقاما بحملي ووضعاني بينهما وانطلقت السيارة ولمحت ساعة الجالس يميني فوجدتها السادسة والنصف. وسارت في الطريق المؤدي إلي طرطوس، وبعد ساعة توقفت عندما أشار إليها أحد الرجال وكنت أظن أنه لا يعرفهما ثم بعد قليل توقفت سيارة لاندكرويسر يستقلها رجلان آخران وأنزلاني من السيارة الأولي ومعي أحد الشابين في حين ركب الرجل الأول في السيارة البيك آب. وبدأت أشعر بآلام شديدة في كتفاي وشكوت للشاب الذي يحرسني فطلب مني إلا أحرك يدالشوارع فيالسيارتان لتتخاطا طريق طآثارها فيت علامات الطريق توحي باتجاهنا إلي دمشق، وفعلا عند التاسعة والنصف دخلت دمشق وكنت أحلم بأن يقودوني إلي موقف الحافلات المغادرة إلى الرياض واستبعدت طبعا أن يذهبوا بي إلى السفارة، وشقت السيارتان الطريق عبر الشوارع في جو ممطر، وخلال ذلك كنت أسال الشاب الذي يرافقني عن المكان الذي يقودوني إليه فلم يعرني انتباه وهو ينظر إلي بصمت. وبعد نصف ساعة توقفت السيارة أمام مبنى يشبه القلاع العسكرية وأسقطوني من السيارة ولازالت القيود في يدي وقد ظهرت آثارها في معصمي والألم يزداد عند الكتفين،وقادوني عبر الشارع والمارة يتطلعون نحوي وأنا في منتهى الذل والمهانة ، فلم يسبق أن وضعت في هذا الموقف المشين. وسألت الرجل الذي كان يركب السيارة البيك آب والذي ركب معنا أثناء الطريق لماذا أنا هنا فحلف أغلظ الأيمان بأن الأمر لن يستغرق سوى ساعتين ثم يفرج عني. وساقوني إلى بوابة لم أدرك في البدء ما بداخلها وسلموني أغراضي بعد أن فكوا قيودي وظننت أنهم سوف يخلوا سبيلي ولكني سمعت صوت أجش من رجل يأمأحدهم وقدإلى الداخل، ودفعوني عبر الممر الذي كان يحتوي على مجموعة من الغرف يمينا ويسارا حنى بلغت أحدى الغرف فدفعني الرجل الذي كان يقبض على ذراعي بقوة داخل الغرفة التي كانت تحتوي علي مكتب صاج وكرسي يجلس عليه أحدهم وقد وقف أمامه مجموعة من الرجال وجوههم إلى الحائط، وأمرني الجالس على المكتب أن أدير وجهي إلي الحائط، وشعرت بأنه كان يستلم متعلقات الرجال الواقفين ثم سمعت أصوات أقدامهم وهو يغادرون الغرفة وأنا لا أجرؤ على النظر خلفي، ثم طلب مني أن ألتفت إليه وأسلمه متعلقاتي التي استلمتها منذ أقل من عشر دقائق، كل ذلك وأنا في حالة ذهول تام وكلما حاولت أن أتكلم صرخ في وجهي طالبا أن أسكت، بعدها أخذ مجموعة الأظرف التي كانت تحتوي على أغراضنا وذهب من الغرفة ولم ينسى أن يأمرني بوضع وجهي في الحائط. وبقيت على هذه الحال لحوالي مدة ساعة ثم دخل أحد الحراس وكان ضخم الجثة وطلب مني أن أشلح ولم أفهمه – رغم أنني سمعت هذه الكلمة من الضابطين في اللاذقية – فصرخ في وجهي أشلح، فخلعت سترتي في الحال فقام بتفتيشي بعناية ثم قادني من ذراعي إلى حجرة بالجهة المقابلة وفتح بابها وقال لي (فوت) ودخلت حجرة ذات أرض بازلتية وهلي عبارة عن أربعة جدران ولا يوجد بها أي فتحات سوى فتحة صغيرة لا تتجاوز 20 سم في 20 سم وتطل على الممر الضيق الذي لا يتجاوز عرضه المتر والنصف وكان يتخلله فتحات تشبة بالوعات المجاري ولكنها مفتوحة إلى أسفل ولا تسألني ماذا في أسفل هذه الفتحات ! ولن أحكي عنها شيئا. ونظرا لأنني لم أتناول طعام منذ ظهر اليوم السابق فقد بدأت أشعر بالإعياء وبأنني علي وشك الإغماء وساعد على ازدياد حالتي سوءا أن الحجرة كانت عديمة التهوية وكنت لا أستطيع أن أحصل على الأكسجين إلا عند فتح الباب، ولذا فلقد أخذت أدق الباب بقوة حتى فتح الباب وقبل أن يصرخ الحارس في وجهي كنت أصرخ أنا طالبا أن يناولني ملعقة من السكر بسرعة، والحقيقة أن منظري في ذلك الوقت أصابه بالفزع حتى أنه جرى بسرعة وأحضر لي ملعقة السكر فأخذت أبتلعها بسرعة وبدأ يجرني جرا إلي الحجرة المقابلة والتي كان يتخللها شباك بأعلاها محاط بقضبان ولكنه علي أي حال ينفذ منه الهواء لداخلها. وبعد ربع ساعة بدأت أفيق من الانهيار الذي كنت أعاني منه وبصوت خافت طلبتثلاثة ضباطيب فخرج ثم عاد وأحضر معه ممرض فأبلغته احتياجي لطبيب لأنني أتناول جرعات أنسولين فخرج ثم عاد ومعه سرنجة من النوع الكبير تحتوي على ما لا يقل عن خمسة سنتيمترات من الأنسولين وهم بأن يعطيني تلك الكمية لولا أنني صرخت فيه بالا يفعل فهذه الكمية كفيلة بقتل فيل وأعدت عليه طلبي بحضور طبيب فأجابني بأن الدكتور في المشفى ثم أنصرف ليعود بعد فترة ولازالت بيده الحقنة وقال أن الدكتور أمره بان يعطيني تلك الجرعة وحينما وجدتها تحتوي على حوالي اثنين من عشرة سنتيمتر سلمت له ذراعي ثم تركني الحارس بتلك الحجرة لمدة ساعة ربما شفقة من الحالة التي وجدني عليها، ثم قادني إلي الغرفة ذات الهواء الفاسد وبعد فترة فتح الباب والقي ببطانيتين متهرئتين وأغلق الباب من دوني بعد أن سألني عن حالتي الآن. وبعد ساعة وربما يكون قبل المغرب استدعوني إلي الغرفة المقابلة وكان بها ثلاثة ضباط بملابس مدنية طبعا، وأعادوا علي معظم الأسئلة التي ذكروها من قبل وطلبوا مني أن أخلع السترة والقميص ثم بدأوا في تفحص جسمي بدقة وهم يطلبون مني أن أرفع ذراعاي أو أمدهما وأنا أردد :يا جماعة هناك شيء خطأ ، لماذا أنا في هذا المكان ؟ ألا يوجد مسئول أحدثه؟. وأستغرق ذلك الفحص عدة دقائق ثم انصرفوا بدون أن يعطوني أي إجابة، وقادني الحارس مرة أخري إلي ظلمة السجن وبعد حوالي ساعتين أخرجني مرة أخرى لأجد محققا يجلس علي الكرسي أمام المكتب وحينما اقتربت منه طلب مني بحدة أن ارجع للخلف والصق ظهري إلى الحائط وكان ينظر إلي بشراسة وطلب مني أن (أشلح) فأخذت أخلع السترة والقميص مرة أخرى، وعندما سألني متي دخلت سوريا أجبته بأنه يوم الثلاثاء 3 ديسمبر قال لي كلمني بالعربي فقلت: كانون الأول وأعاد تكرار الأسئلة لماذا حضرت إلي سوريا ولماذا جئت وحدك وهل تعرف أحد هنا ولماذا تريد الذهاب إلى تركيا فأجبته بأني مصري ولو أردت دخول تركيا لحصلت على تأشيرة دخول وسترحب أي سفارة تركية في أي مكان بإعطائها لي فما الداعي لان أتسلل إليها والأبواب مفتوحة؟ ولكن وجودي في ذلك المكان كان استكمالا للنزهة عبر سوريا كما لم أتعدى الحدود السورية بمقدار شبر، وأن الأمر لابد فيه التباس وأني أريد الخروج من هنا فقال بأنه هو أيضا يرغب في أن أخرج ولكن ساعدنا بالتعاون معنا. وأستغرق التحقيق أكثر من نصف ساعة ثم طلب من الحارس أن يعيدني وقد شعرت أن لهجته أصبحت أقل حدة ولكن لم يجد في الأمر جديد. وأخذت أجوب المكان وأنا أشعر بأني أكاد أختنق من قلة الأوكسجين في الحجرة حتى أنني كنت أضع أالنوم،ثقب الباب الذي يلج فيه المفتاح ( ربما يعتقد البعض أن في هذا مبالغة ولكنه حدث فعلا ) وازدادت برودة الجو وازدادت الأرضية رطوبة وأنا أجلس حينا و أتحرك أحيانا، وفردت البطانيتان وجعلت من ذراعي وسادة والغريب أنني نمت، ربما من تعب يوم طويل، ولأن أصابع قدماي تتأثران بالبرودة الشديدة نتيجة مضاعفات السكري، فقد حرصت على تغطيتهما، وقد أصبحت أو أمسيت لا أعرف الصباح من المساء كما لم أعد أسمع الآذان فتوقفت عن الصلاة في وقت كنت أحوج إليها فلا وضوء ولا آذان ولا تحديد لاتجاه القبلة، وان كنت لم أتوقف عن استذكار ما أحفظه من الآيات. ولأن البطانية لم تكن تكفي لتغطية وجهي وقدمي في نفس الوقت فقد احتملت ضوء المصباح ودخلت في النوم ، ولم يخرجني منه سوي شعوري بأن هناك أشياء تمشي على وجهي وتقترب من فمي فأخذت أهشها بيدي ظنا بأنه الذباب ولكن حينما أفقت من النوم اكتشفت أنها صراصير، فقمت وخلعت حذائي وقتلت الوقت في قتلهم وان كنت لا أدري من المقتول فينا ولماذا اختارت الحشرات هذا المكان المزعج للسكن فيه رغم أن عندهم الحرية للخروج منه؟. وفي الصباح – الذي لم أعرف أنه صباح إلا عند دخولي دورة المياه، قذفوا في سجني رجل أدركت من شكله أنه عراقي. وأخذ كل منا من الطرف الآخر الحذر فجلسنا لفترة لا يكلم أحدنا الآخر وأتضح أن لهجتينا مختلفتان وبصعوبة بالغة عرفت أنه راعي غنم عراقي اجتاز الحدود بدون أن يدري والحقيقة أنني خفت منه فقد كان ضخم الجثة وذهبت بي الأفكار إلى أنه ربما يكون مندسا علي ليقتلني وخاصة وأنه بدأ بخلع العقال الذي يلبسه ثم خلع الشماغ وبدأ يلفه حتى صنع منه كرة وطلب مني أن أعيره بطانية فدفعتها إليه ففرشها ووضع الكرة التي صنعها علي البطانية ثم نام بصدره عليها وهو يتأوه من الألم وحتى يزيل عني الفزع أخبرني بأنه يعاني من فتاق وأن هذا الوضع يريحه قليلا، وطبعا بعد دخوله بدأ الأوكسجين يقل في الحجرة حتى أنه هو الذي بدأ يشكو ولم يكن أمامي غير أن أحرضه علي أن يدق الباب ويكلم الحارس، فقد كان حينما يفتح الباب عندما أطرقه يجز على أسنانه غيظا ويشخط في وخاصة في الفترة التي يكون فيها المحققون موجودين وحتى لا أرى ولا أسمع ما يحصل بالممر. وبعد فترة وقفت أمام مجموعة أخرى من الشباب المحققين، ويبدو أن منظري كان يدعو إلى الرثاء حتى أنهم سمحوا لي بالجلوس على الأرض أولا، ثم جلب أحدهم كرسيا وأجلسني عليه وان كان هذا لم يعجب الحارس مطلقا، فلماذا في رأيه هذا الدلع؟. وأخذت أكرر مثل ما كنت أسمع في الأفلام أنا برئ أنا لم أفعل شيئا أنا جئت للسياحة أنا لم أرتكب أي خطأ يستدعي إلقائي في هذا المكان. وقد شعرت أن أحدهم كان يصدقني بشدة، فقلت له هل ترضى بأن يوضع والدك في مكاني بدون أن يرتكب شيئا فقال لي هامسا: أصبر إنها مسألة وقت، وكان لكلماته فعل ضوء الشمعة في نفس لفها السواد من كل جانب. ,وكالعادة رجعت للغرفة ذات الهواء الفاسد، وأحضر الحارس الطعام الذي كان يتكون من حبة بطاطس مسلوقة وحبة طماطم لم تمر على الماء حتى أن الراعي العراقي عافت نفسه منها ولكنني أقبلت على أكلها عملا بالنصيحة التي قرأتها على جدران السجن بأن تحاول أن تفوت عليهم فرصة قتل نفسك ودع ذلك لهم وما أكثر الكلمات والرسوم على الجدران وأغلبها يبعث على التشاؤم وفي نفس الوقت كانت وسيلة لقضاء الوقت الذي لا ينقضي في هذا المكان المظلم المضئ بالمصباح. وبعد فترة لم أعرف مداها فتح السجان – وهذه المرة من نفسه – وأخرجني حيث وجدت في انتظاري ضابطين والمحقق الأصلع الذي سألني بالأمس – وبالمناسبة فقد بدأت أستطيع التمييز بين المحقق والضابط فكل له أسلوبه وخاصة أن المحقق يجلس لكن الضابط لا يجلس مطلقا ثم أن عيني كانت تتابع يداه خوفا من أن تمتد وان كان هذا لم يحدث ولكن كيف لي أن أعرف وأنا من النوع المتشائم – وبالإضافة إلى الأسئلة السابقة سألني الضابطان عما ذا أعرفه عن أسامة بن لادن وسألتهما بدوري من أي ناحية ؟ فقال أحدهما نحن الذين نسأل فأجبت أسمع عنه وخاصة بعد أحداث ما يسمونه 11 سبتمبر. ومار أيك بطالبان وبعد أن سألتهم لماذا تسألونني هذه الأسئلة أجبتهم بأنهم جماعة متشددة تتعاون مع بن لادن فأخبروني بأن بن لادن هو زعيم طالبان ، وكانت هذه المعلومة غائبة عني ولو كنت في موقف غير الذي كنت فيه لشكرتهم على ذلك ، وقلت في نفسي ( أجيب لهم من الآخر ) فقلت يا جماعة أنا إنسان مسلم لا منتمي ولا أهتم بالسياسة وأنا مثلي مثل السيد ريجان لا أعرف بولندا من هولندا وليس لي أي انتماءات لا حزبية ولا تنظيمية ولا جماعات سياسية ولا تربطني بالسياسة غير بطاقة الانتخابات التي استعملها قليلا وأهملها كثيرا، فقال عد أدراجك قلت إلى أين قالوا إلي المحبس. وعدت أدراجي أكلم رفيقي ونحن نستخدم لغة الإشارة أكثر من الكلمات فكنت أفهمه بصعوبة وهو كذلك لأنه أمي ولم يمتلك مذياعا ولا تليفزيونا حتى يفهم اللكنة المصرية. والواقع أن وجوده ضايقني كثيرا فبالإضافة إلى عدم الاطمئنان إليه فقد شاركني في كمية الأوكسجين الموجودة بالغرفة. وبعد مرور وقت لا أعرفه استدعوني لمقابلة أحد الضباط وسألني وهو يضع ذراعه على كتفي أن كان علي أحكام في مصر فأجبته بالنفي، فربت على كتفي وقال عموما سوف تخرج من هنا، ولم أمتلك نفسي من المفاجأة فوجدت نفسي أنزل عليه تقبيلا ثم ألتفت إلي الحارس وفعلت معه نفس الشئ وأنا أكاد قلبي يتوقف، وسحبني الحارس وهو يبتسم – وهذه أول مرة أري أحدهم وهو يبتسم – ووضعني في الحبس. ولما وجدني زميلي مبتسما سألني ماذا جرى فأجبته باقتضاب يبدو أنني سأخرج من هنا. ولم تمض ساعة تقريبا حتى فتح الباب ونادوا على زميلي ولم أعد أراه ثانية فيبدو أنه خرج وأسعدني ذلك لعدة أسباب فقد أعطاني الأمل بأن الخروج من هنا ليس مستحيلا وفي نفس الوقت نزع الرهبة مني نتيجة تصرفاته الغريبة علاوة علي استئثاري بالهواء الموجود بالغرفة. ومضي ما يقرب من ساعتين ليفتح الباب مرة أخرى ويخرجني الحارس لأجد الضابط الذي قابلني في المرة السابقة في انتظاري وخرجت معة إلي خارج الممر المرعب ووجدت الرجل الجالس على المكتب بالخارج فصرخ في الحارس أن يدخلني بالغرفة المجاورة له لأحصل على حزامي ودخلت معه وأنا أطلب منه أن يناولني أي حزام حتى أغادر المكان بسرعة فأعطاني أحد ألأحزمة وفشلت في أن أثبته على وسطي ولكني وضعته وأغلقت عليه الجاكيت وخرجت، فسألني هل حصلت على حزامك فأجبته بالإيجاب فأخرج ظرفا به متعلقاتي وأخذ يناولني إياها وأنا أدسها في جيبي بسرعة وحاولت أن أثبت الساعة حول معصمي فلم أفلح من شدة الارتباك ولم أنسى أن أنظر إلي الساعة فكانت التاسعة والربع مساء الأربعاء. واقتادني الضابط إلي مبنى مجاور وخلفي حارس يكاد يلتصق بظهري ثم صعد بي إلى الدور الأول من المبنى وضربات قلبي تتلاحق وان كنت لا أعرف هل من الفرح أو من الخوف فأنا لا أدري ماذا بعد. وطلب مني الضابط أن انتظر خيبتسم.كتب حني يستأذن من (الباشا) وبعد دقائق دخلت إلي مكتب الباشا لأجد حجرة واسعة مجهزة من كل شئ وفي أخرها مكتب ضخم وقد تبينت أنه يجلس في وسطه رجل ضئيل الجسم فوقف وهو يبتسم وهو يقول أهلا يا فلان ، أجلس أرجوك أسترح، فجلست ثم سألني هل ترغب في شرب أي شئ وكدت أن أقول له كفاية الذي شربته، ولكني شكرته، ولم يلح كثيرا فيبدو أنها كانت مجرد كلمة مجاملة ثم صمت لدقيقتين وعاد وقال يا فلان يبدو أن حظك سيئ، فللأسف نحن نبحث عن شخص يشبهك بالضبط وأتضح أنه ليس أنت، فقلت حصل خير، فلم يكن في همي سوى الخروج من ذلك المكان الرهيب، وأستكمل حديثه بأنني من الآن حر في أن أتحرك وأكمل رحلتي بسوريا بدون أي مضايقات – وأي رحلة هذه – فوعدته بأن أفعل. ثم قام ثانية وسلم علي وهو يبتسم . وصحبني الضابط إلى الخارج ثم ذهب بي إلى مبنى آخر فدخلت مكتبه لأكتب اقرار بأنني قد استلمت كل متعلقاتي من هذا المكان الذي لن أذكر رقمه وطلب من أحد الشباب أن يصحبني إلى الخارج فأخذت أسرع الخطى، وتخطيت الباب الرئيسي وقبل أن يشير إلى الطريق كنت أكاد أجري حتى وصلت إلى الشارع الرئيسي وشاورت لأحدى سيارات الأجرة فقذفت بنفسي داخلها وطلبت من السائق أن يسرع، وبعد فترة تمالكت فيها نفسي أخبرته بأن يذهب بي إلى مواقف السيارات العامة المتجهة إلي الرياض، ودخلت أحداها وحجزت لرحلة الغد الخميس صباحا ثم ركبت سيارة أجرة إلي موقف البولمان وسألت هناك عن الرحلات المتجهة إلى طرطوس، ثم اتجهت إلي استراحة بالموقف، وفجأة شعر ت وأنني لم أتناول الطعام منذ فترة،وطلبت طعاما أخذت ألتهمه التهاما، ثم غادرت دمشق في الثانية عشر والنصف مساء ووصلت إلى طرطوس حوالي الرابعة صباحا وحجزت من المحطة تذكرة العودة إلى دمشق في الخامسة صباحا وذهبت مباشرة إلي الفندق وأخذت أدق الباب بشدة ففتح لي أحدهم متذمرا، ووجدت غرفتي لازالت مغلقة كما تركتها في الصباح الباكر من يوم السبت، فأخذت حقائبي وحاسبت موظف الفندق علي الخمسة أيام الماضية وعدت إلي المحطة ووصلت إلى دمشق في التاسعة صباح يوم الخميس واتجهت من فوري إلي محطة الأتوبيسات المتجهة إلي الرياض، ولم أنسي أن أتصل بأولادي وأحكي لهم ملخص ما حدث حتى يعرفوا بالضبط أين أنا الآن، فأنا لا أعرف إلى وقتها ماذا يمكن أن يحدث، ولن أطمئن إلا إذا غادرت الحدود السورية. وظللت في قلق حتى دخلت الحدود الأردنية ونظرت خلفي وأنا لم أصدق إنني قد نجوت من القوم الظالمين.

1 Comments:

At الأربعاء, ذو القعدة 24, 1425 9:36:00 ص, Anonymous غير معرف said...

أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

 

إرسال تعليق

<< Home