الأربعاء، شوال 18، 1425

أشباح الإصلاح السياسي والخوف من الإرادة الشعبية‏ - نبيل عبد الفتاح

دخل اصطلاح الإصلاح‏,‏ وصفاته ومجالاته المتعددة ـ السياسية والدينية والأخلاقية والاجتماعية والثقافية والإعلامية والتعليمية ـ إلي دائرة الموضات الفكرية‏,‏ وأصبح المفردة الأكثر شيوعا في لغة الصحافة والخطابات السياسية الحكومية‏,‏ والمعارضة‏.‏ ثمة موجات من تدافع اللغو والاضطراب المفهومي‏, ‏ والنزعة البيانية في توظيفات الإصلاح‏,‏ الذي بات‏,‏ وكأنه في ذاته يحمل حلولا سحرية لكل مشاكلنا وهمومنا المعقدة التي أنتجتها سياسات الفساد السياسي والاقتصادي والإفقار وتحقير المعرفة في بلادنا طيلة العقود الماضية‏.‏
يبدو الإصلاح‏,‏ وكأنه دخل دوائر تشويه المعاني والدلالات التي تجيدها صفوة سياسية حاكمة ومعارضة‏,‏ تتسم عناصرها الغالبة والنافذة‏,‏ بضعف التكوين ونقص الخبرات والمهارات السياسية‏,‏ وعدم الكفاءة‏.‏
يبدو لي أن بعضهم من فرط كراهيته للخطابات الإصلاحية‏,‏ قرر تحويلها إلي مادة للاستهلاك المبتذل‏,‏ وتحويل الإصلاح إلي كليتش‏,‏ في ظل وطأة الاستخدام المستمر للاصطلاح في الآلة الإعلامية الرسمية‏,‏ والمعارضة‏,‏ والمستقلة‏,‏ وذلك حتى يفقد مفهوم الإصلاح الديني والسياسي والتعليمي‏..‏ الخ‏,‏ أي دلالة وهيبة وحضور نفسي‏,‏ واستدعاءات لصور الإصلاح ومجالاته ومساءلاته في ذاكرة المصريين‏,‏ عندما يطرح عليهم الإصلاح والمفهوم وسياساته وآلياته‏,‏ في الخطابات الوطنية الجادة والمسئولة وذات المشروعية التاريخية الموصولة في مطالباتها بالإصلاح القومي الشامل‏..‏ ثمة مشاعر قرف جماعي‏,‏ وعزوف عن التعامل مع اصطلاح الإصلاح‏,‏ من كثرة استخدام السلطة السياسية ـ وبعض المعارضين ـ وبعض كبار الموظفين‏,‏ ومثقفي السلطة ممن يريدون إصلاحا يؤدي إلي تبديل وجوه السلطة بوجوههم‏,‏ وكأن الإصلاح مجرد تغيير وجوه بأخرى شائهة مثلها‏!!‏ يبدو أننا إزاء تحول لدي السلطة السياسية‏,‏ من الخوف من الإصلاح ـ لأنه ببساطة يطرح المساءلة السياسية والقانونية عما حدث خلال العقود الماضية ـ بل وكراهية الإصلاح ومعانيه ودلالاته‏,‏ إلي السعي للحض علي كراهيته في أوساط الجمهور‏,‏ وذلك من خلال كثرة اللغو باسم الإصلاح السياسي‏,‏ والتعليمي‏,‏ والديني‏..‏ الخ‏!‏
هل تترك السوق اللغوية لعمليات التشويه والحض علي كراهية الإصلاح‏,‏ بالقطع لا‏,‏ ولا ينبغي استسهال إشاعة اليأس الجماعي‏,‏ لأن هذا ما تريده القوي المعادية للديمقراطية والإصلاح في الحكم والمعارضة الرسمية واللا رسمية في مصر‏.‏
إن طوفان اللغو باسم الإصلاح السياسي والديني و‏..,..‏ الخ‏!‏ وراءه قوي عديدة‏,‏ ترتبط بأواصر من المصالح تنامت وتشابكت خلال العقود الماضية‏,‏ من خلال إعطاء بعض الأحزاب المعارضة بعض المقاعد البرلمانية أو التعيين في مجلس الشورى‏,‏ ومن هنا يمكن ملاحظة بعض التواطؤات بين مواقف حكومية وحزبية معارضة‏.‏ أن بعض الخطابات الحزبية المعارضة الزاعقة في مطالبها الإصلاحية لا تعدو كونها دخانا في الهواء ـ إذا شئنا استعارة تعبير المرحوم جلال الحمامصي ـ وفي أوقات المغانم الانتخابية وغيرها‏,‏ هناك لغة المصالح والمقاعد التي تدار في خلسة المختلس إذ جاز التعبير‏,‏ وهي ألعاب تعيد إنتاج النظام السياسي اللا ديمقراطي‏,‏ والتخلف السياسي والمؤسسي في مصر‏.‏
لكل خطاب حول الإصلاح مصالحه السياسية‏,‏ التي يحاول جعل اصطلاح الإصلاح قناعا تتدثر وراءه مصالحه‏.‏
الصفوة السياسية الحاكمة لديها زعم ـ يفتقر إلي الدقة وإلي الشرعية التاريخية ـ تتمثل في أن الإصلاح بدأته منذ فجر التاريخ‏,‏ كما كتب المستشار السياسي للرئيس في صحيفة هيوستن كرونيكل أن مصر تخوض عملية إصلاح مستمرة منذ فجر التاريخ‏,‏ وأنها خلال العشرين عاما الماضية أجرت عمليات إصلاح سياسية واسعة النطاق تضمن حماية الحقوق الأساسية لجميع المواطنين‏.‏
ولا شك أن هذه الوجهة من النظر تعبر عن حماسة سلطوية أقرب إلي بروباجندا النظم السلطوية‏,‏ أكثر من كونها لغة سياسية رصينة يمكن التوقف أمامها بجدية‏,‏ لأن كل المؤشرات الموضوعية والدراسات العلمية في مجالات الحريات العامة الأساسية‏,‏ وحقوق الإنسان‏,‏ والمؤسسات السياسية‏,‏ ودولة القانون‏,‏ وغيرها لا تساند وجهة النظر الدعائية السابقة‏,‏ بل وتدحضها دحضا شاملا وباتا‏.‏
والسؤال ما وراء هذا الخطاب؟
يرمي هذا الخطاب إلي محاولة تثبيت ادعاء أن أية محاولة لإصلاحات شكلية من قبيل إنشاء المجالس الحكومية‏,‏ كحقوق الإنسان‏,‏ وآخر للشباب مزمع إنشاؤه مع إجراءات الولاية الخامسة للرئيس‏,‏ هي تعبير عن خيار سياسي داخلي‏,‏ وليس امتثالا للمطالب والضغوط الأوروبية والأمريكية‏.
ويتناقض هذا الخطاب مع نفسه في أنه أنتج أعقاب المبادرات الخارجية الأوروامريكية‏,‏ بل ويطرح أمام الإدارات السياسية المعنية في واشنطن ولندن وباريس وبرلين وروما‏..‏ الخ‏,‏ ثم يطرح في إطار أننا سنقوم بإصلاحات أخري‏,‏ لكن عبر سياسة الخطوة خطوة‏.‏ أن المنطق الذي يتأسس عليه هذا الخطاب‏,‏ أن الشعب المصري ـ بتاريخه المجيد في بناء الدولة ـ الأمة‏,‏ ودولة القانون‏,‏ وفي إقامة البرلمانات‏..‏ الخ ـ غير مؤهل حاليا لتطويرات ديمقراطية كاملة وناجزة‏,‏ ومن ثم إصلاح الخطوة ـ خطوة‏,‏ هو الملائم له‏,‏ ونحن نعرفه أكثر من الخواجة الأمريكي ـ البريطاني‏.‏
هذا المعني خطير من وجهين‏:‏ الأول إعطاء شرعية لمطالب وضغوط الإمبريالية العولمية بضرورة الإصلاح‏,‏ وقبول الضغوط والمطالب‏,‏ ولكن التفاوض يدور حول نسب الإصلاح وحدوده وزمنه‏!‏ هذا يعني أن مرجعية هذا الموقف ليس الأمة المصرية‏,‏ ومؤسساتها حتى ولو كان بعضها لا يعبر عن غالب أرائها‏,‏ وإنما الإدارات الأمريكية ـ الأوروبية التي أطلقت مبادراتها الإصلاحية‏.‏
الوجه الثاني‏,‏ أن الأمة المصرية غائبة في هذا الخطاب‏,‏ ولا تستدعي لتقول رأيها وماذا تريد؟
الخطاب السلطوي حول إصلاح الخطوة ـ خطوة‏,‏ ومن يشايعه ويروج له ـ من مثقفي السلطة وإذنابها‏,‏ وبعض كبار الموظفين السياسيين والبيروقراطيين ـ يأخذ بسياسة التلميحات بين الحين والآخر‏,‏ كإلغاء قانون الطوارئ‏,‏ أو إصدار قانون انتخابات جديد‏,‏ أو الحوار مع أحزاب المعارضة‏,‏ أو إصدار قانون يخصص بعض المقاعد للمرأة في مجلسي الشعب والشورى‏..‏ الخ‏..‏ بث التلميحات‏,‏ في المقالات والتصريحات والخطب واللقاءات يرمي إلي تحقيق عدد من الأهداف‏:‏
‏1‏ ـ إشارات للإعلام الغربي‏,‏ وللإدارات السياسية الغربية بأن ثمة استجابات لمبادرات الإصلاح علي الطريق لتخفيف الانتقادات في وسائل الإعلام الأورو ـ أمريكية‏.‏
‏2‏ ـ كسر حدة الغليان والغضب الداخلي من استمرارية الجمود السياسي وشيخوخة النظام وصفوته الحاكمة‏,‏ في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية طاحنة‏,‏ تعبر عن تاريخ من الخلل في السياسات الاقتصادية والاجتماعية‏.‏
‏3‏ ـ إعطاء الانطباع بأن السلطة السياسية المصرية لا تخضع لضغوط خارجية‏!!‏ ولا لضغوط داخلية‏!‏ وهو أمر مثير لأن المطالب الشعبية بضرورة إجراء إصلاح سياسي‏,‏ هي حق شرعي للأمة بوصفها مصدر السلطات جميعها‏,‏ ومن ثم لا يعد ضغطا بأي حال‏,‏ بل أن إعمال هذه المطالب هو تعبير عن مصدر الشرعية السياسية الحقيقية في البلاد‏.‏
‏4‏ ـ سياسة التلميحات تكشف عن أن منطق إصلاح الخطوة ـ خطوة الجزئي‏,‏ لن يكون شاملا‏,‏ وإنما يبدو كمحاولة لاستيعاب الضغوط الدولية‏,‏ وبعض المطالب الداخلية‏,‏ لإعادة إنتاج النظام وصفوته الحاكمة لمصالحها ولذاتها دون تغيير حقيقي أو فتح للملفات شامل‏,‏ مع استمرار أركان الحكم في مواقعهم‏,‏ أو استبدال بعضهم بوجوه شاحبة تعمل لديهم‏,‏ أو في أروقة السلطة‏.‏
‏5‏ ـ تلميحات التغيير في الوجوه‏,‏ تدفع إلي بث تناقضات داخل الجماعتين الثقافية والسياسية بين الطامحين إلي تقلد بعض مواقع وزارية أو إعلامية أو بيروقراطية‏,‏ وبين العناصر المستقلة بما يحد من عنفوان النقد الاجتماعي والسياسي للنظام وسياساته وصفوته الحاكمة‏.‏
السؤال الذي نطرحه هنا لماذا يطرح بين الحين‏,‏ والآخر إمكانية إلغاء قانون الطوارئ؟
ببساطة لأنه لا يمكن تأسيس نظام ديمقراطي نيابي‏,‏ وهناك نظام طوارئ‏,‏ يفتقر المواطنون ـ أين هم؟ ـ أية ضمانات قانونية إزاءه‏,‏ بل انه لا دولة قانون في ظل نظام طوارئ شكل ابرز سمات النظام السياسي التسلطي وأداءه خلال خمسة عقود ويزيد‏.‏ من هنا وجب إلغاؤه ـ وتحويل نصوصه إلي تعديلات تحت مسمي مكافحة الإرهاب والمخدرات ـ يمثل ضربة رمزية حكومية لإضعاف خطابات المعارضة‏,‏ والخطابات النقدية السياسية والاجتماعية للعناصر الوطنية المستقلة داخل الجماعة الثقافية المصرية‏.‏
إن إمعان النظر في الخطاب السياسية الرسمي ـ ومواليه وأذنابه‏,‏ يكشف عن انه لا يمتلك فلسفة سياسية وقانونية ودينية شاملة للإصلاح القومي‏,‏ بحيث يضع مصر الأمة‏,‏ والمجتمع والدولة علي طريق التجديد والنهوض داخليا وإقليميا‏,‏ وقصاري ما يرمي إليه هو السعي لتطويق مطالب الإصلاح ومبادراته الخارجية‏,‏ والداخلية‏,‏ واستثمار الوقت في المناورة مع الإدارة الجمهورية ـ في واشنطن‏,‏ في انتظار الانتخابات الرئاسية القادمة في نهاية العام الحالي‏,‏ خاصة في ظل الأوضاع العراقية‏,‏ التي قد تصرف الإدارة الأمريكية عن مبادرتها حول الشرق الأوسط الكبير‏,‏ وحول مكانها في سلم أولوياتها في المنطقة‏.‏
إن إلغاء قانون الطوارئ لا قيمة له دون إصلاح في الفلسفة القانونية كلها‏,‏ ودون إعادة هيكلة للنظام القانوني كله في ضوء منظومة حقوق الإنسان بأجيالها المتعددة‏,‏ إن الإصلاح القانوني هو جزء لا يتجزأ من بنية كلية ومتكاملة من إصلاحات في الأنساق السياسية والمؤسسية والدينية والتعليمية والإعلامية‏..‏ الخ‏.‏
أن خطورة هذا الاتجاه الرسمي‏,‏ هو أن وراءه مريدين‏,‏ منهم بعض القوي المعارضة الرسمية التي تطرح خطابا زاعقا حول الإصلاح بهدف الحصول علي مزايا سياسية في إطار صفقة ما‏,‏ تتم خارج رقابة الرأي العام بل وأعضاء هذه الأحزاب المعارضة التي تفتقر إلي شرعية شعبية‏,‏ وإلي جذور كالحزب الحاكم تماما‏.‏
ثمة أيضا اتجاه بين مثقفي السلطة يطرحون خطابات إصلاحية هدفها إحلال بعضهم محل بعض شيوخ الحزب الحاكم والحكومة‏,‏ تحت دعوى نحن أكثر كفاءة ومعرفة منهم‏,‏ وهم عناصر غالبيتهم من الفرز الثالث أو الرابع في الجماعة الثقافية والأكاديمية ـ لا مآثر ذات وزن لغالبيتهم في الثقافة والسياسة والبحث ـ‏,‏ ونحن قادرون علي التعامل مع الإعلام والإدارات الغربية‏,‏ وعلي التصدي للاتجاه النقدي المستقل‏.‏
نحن هنا إزاء عرض قوة عمل أيديولوجية عاطلة في سوق السجال والهجاء السياسي المصري والعربي.