الأربعاء، شوال 18، 1425

الاستبداد بوصفه مقابلاً للانتماء - خليل العناني

لا تكمن مشكلة الاستبداد في كونه يقف حجر عثرة في وجه التطور الطبيعي للشعوب والمجتمعات ودفعها نحو الديمقراطية والحياة السياسية السليمة، وإنما أيضا لأنه قد يصل في إحدى درجاته كي يصبح دافعا لوقف الشعور بالانتماء، أو علي الأقل إضعافه. ذلك أن إحساس المرء بأنه مجرد رقم وسط جموع شعب كبير لا يعرف إلي أين يسير وما هي إمكانات وفرص نهوضه، يدفعه مضطراً نحو الإحساس بعدم الأمان الذي يعد عاملاً مهماً في تجذير الشعور بالهوية والانتماء.
وضعف الانتماء الذي نقصده لا علاقة له بحب الوطن من عدمه، باعتبار أن ذلك غريزة وفطرة في الإنسان لا دخل له فيها، بقدر ما هو امتعاض من واقع سياسي ومجتمعي بعينه يغلق آفاق التفكير أمام أجيال جديدة ويبتر أحلامها بغد أفضل يمكن أن تتنفس فيه رائحة الحرية وتنعم بصفات المواطنة من توافر للرعاية الصحية والتعليم وفرص العمل وأمل في الترقي المجتمعي. أي أنه تعبير عن رغبة في عدم الانتماء لهذا الواقع ومحاولة للهروب منه بأي ثمن حتي لو كان حياة الفرد، وتكفي الإشارة هنا إلي الحالات المأسوية التي يتعرض لها جمع من الشباب العربي في محاولاتهم المتكررة للهجرة إلي أوروبا عبر مياه المتوسط، وكثيراً ما ينتهي أغلبها بقصص درامية تتقاذفها الصحف والبرامج التليفزيونية دون مناقشة واقعية لأصل القضية.
ضعف الانتماء لا يقتصر علي الهروب خارج حدود الوطن فحسب، الذي هو بالأساس تتويج لتراكم معنوي يزداد كلما اتسعت الهوة بين توقعات المرء وواقعه، وإنما تدلل عليه مظاهر عديدة ليس أقلها انصراف المواطن عن الاهتمام بالشأن العام، ورفضه الانخراط في أية مناسبات سياسية واجتماعية، ناهيك عن اللامبالاة وإدارة الظهر لأي حديث عن الإصلاح، باعتباره مجرد نفخ في ريح هوجاء، لا يؤثر ولا يتأثر. ويبدأ غرس البذور الأولي لضعف الانتماء في الحال العربية عند دخول الطفل لمراحل التعليم الأساسية وتلقينه مبادئ الفكر الاستبدادي عبر منظومة قيمية تشجع على الاستماع أكثر من النقاش، وتزرع الخوف بديلاً عن الثقة بالنفس، وتعضد السلبية بدلاً من المشاركة، وتكتمل الصورة بخروج الشاب إلى سوق العمل ليصطدم بواقع مرير أبرز سماته التطاحن على أنصاف الفرص.
وتتصاعد مؤشرات عدم الانتماء مع تدافع معدلات الإحباط المجتمعي، وهنا تأخذ الظاهرة أحد منحيين: أولهما الشعور بالاغتراب الداخلي الناجم عن الانفصال بين أحلام الصبا وواقعية الشبيبة، وبالتالي الدخول في حال (نكوص) تجعل الفرد شديد الحساسية تجاه السلطة ويخشي مجابهتها أو الوثوق في لغتها الممجوجة لتجميل الواقع. وثانيهما: محاولة الهروب من ذلك الواقع بأي شكل، ليس أملاً في استهداف الأفضل فحسب، وإنما علي الأقل بغية التغيير وتعويض حالة الجفاف التي يعاني منها الفرد في مجتمعه.
وقد عرفت أوروبا هذه الحال إبان القرنين السادس عشر والسابع عشر، وتحديداً عندما نشأت حركة (مارتن لوثر) و(جون كالفن) والتي سميت فيما بعد بالبروتستانتية والتي جاءت انعكاساً لحال الاستبداد الملكي التي عمت أرجاء أوروبا مما حدا بقطاع كبير من مفكري أوروبا إلي البحث عن وسيلة للخلاص من الاضطهاد المجتمعي الذي استشري حينئذ، وكان اكتشاف أميركا (العالم الجديد) بمثابة بارقة أمل لهذه الحركة وأتباعها الذين وجدوا فيها تعويضاً عن مجتمعاتهم، وازدادت رغبتهم في بناء مجتمع جديد يستوعب أفكارهم ويحقق ذاتهم الفكرية والسياسية والمجتمعية. لذا لم توصم البروتستانتية بعدم الانتماء لأوروبا، بل علي العكس رأها البعض بمثابة ميلاد لتوجه فكري جديد قوامه رفض الاستبداد والقهر واستبداله بعالم أكثر حيوية وقادر على امتصاص مشاعر الانتماء الحقيقية وتوظيفها لخدمة المجتمع الجديد.
وأزعم أن حركة الهجرة العربية إلي الغرب، والتي زادت وتيرتها أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، كانت بالأساس بهدف الهروب من الواقع العربي المحَمل بالتشوهات الاجتماعية وانعدام التكافؤ، والذي تحولت فيه الدولة بفعل العقلية الاشتراكية إلى شأن خاص لفئة معينة فرضت وصايتها على المجتمع باعتبارها صاحبة الفضل في تحريره من الاحتلال الأجنبي. ولم توصف المجتمعات العربية بأنها طاردة لمواطنيها إلا بعد سنوات قليلة من الاستقلال، حين تأكد للبعض أن الوطن انتقل من وصاية المحتل إلى وصاية الأهل ممثلة في الحكم الأبوي الذي تعامل مع الفرد باعتباره قاصراً عن إدراك مصالحه، وتلكأ بتقديم أولويات بناء الدولة على حساب بناء الفرد وتنميته الذاتية. وهي حجج لم تقنع البعض ودفعته للبحث عن آفاق أرحب من أفقه الداخلي. دليل ذلك أن معظم من هاجروا لم يعودوا لبلادهم وفضلوا البقاء في أوطانهم الجديدة، ربما لم تنقطع صلتهم بوطنهم الأصلي، ولم تختف غريزة العودة إليه، ولكنها كانت تفتر وتقل كلما ازدادت الأوضاع سوءاً وارتفعت معدلات الطرد النفسي وما أكثرها الآن.
وتتضح متانة العلاقة بين الاستبداد وضعف الانتماء في المجتمعات ذات الكثافة السكانية المرتفعة، بحيث تزداد معها درجات الصراع المجتمعي، حيث تتشابك علاقات الأفراد ببعضهم البعض وتتقاطع بحيث يطغي المادي منها على ما هو معنوي، وتسمو المصلحة الشخصية على القضايا العامة، وتسود مشاعر الأنانية والفردية، التي قد تصل في بعض الأحيان إلى حد التناطح الأُسري. وهنا ينكشف دور الدولة في تأصيل الصراع، فهي لا تتدخل لتخفيفه أو تقليل حدته، بل تصب المزيد من الزيت عليه من خلال سياساتها الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع أكثر باتجاه انشغال الناس بأمورهم الحياتية وصرف أنظارهم عن محاسبة السلطة وذويها، وذلك بما يشبه حال (الاستلاب العقلي) لتوطيد احتكار السلطة وضمان السيطرة
مفكر وكاتب مصري