الأربعاء، شوال 18، 1425

الإعلام .. والفتنة .. والجاسوسية - أحمد عبد الحكم دياب

أخذتني سكة السفر إلي بعيد.. وحط بي الرحال في محطات كنت أنوي التحدث عنها ووصف ما وراء أغوارها، لكن مصر العربية بفيضها الأخاذ لم تتركني أذهب إلي بعيد، وأبت إلا أن أتحدث عن بعض وقائع ما يجري فيها.. وبالتحديد عن التعاطي الإعلامي مع أمرين علي درجة عالية جدا من الخطورة والأهمية، وهما قضية الفتنة، وقضية الجاسوسية.الفتنة نائمة لعن الله من يحاول أن يوقظها، لكنني أستشعر في بعض وسائل الإعلام تعمد إبراز تفاصيل لأقاويل لم ترق إلي مستوي الحقيقة، والتركيز علي جزئيات لا ترقي إلي مستوي المصلحة العامة وأمن الوطن. والموضوعية تحتم علينا أن نبين ­ بغض النظر عن بعض الممارسات أو التصرفات ­ أن الانجراف وراء الإثارة أو السبق الإعلامي يجب ألا يكون علي حساب مستقبل الوطن ومصير الأمة، كما أن إثارة أي نوع من النعرات الطائفية والعقائدية يندرج تحت محاولات زعزعة الاستقرار الاجتماعي، وفصل عري التوحد لدي أبناء هذا البلد، وقد سبق وحاول أحد المراكز التي يحوطها كثير من علامات الاستفهام أن يصف أقباط مصر بأنهم أقلية.. فانبرت أقلام مسلميها تؤكد أنهم ليسوا أقلية، بل هم جزء أصيل من نسيج هذا الشعب وأن معارضة النظام أو محاولة إبراز مسالبه وعيوبه لها خطوط حمراء يجب أن تتوقف عندها.. وهذه الخطوط الحمراء ليست أشخاصا أو أجهزة أو سلطة و""صولجان""، ولكنها تتعلق بالوطن وأمنه القومي.من هذا المنطلق فإن معالجة هذه الأمور إعلاميا يجب أن تكون بحذر وروية وانتباه، ووضع الوطن بمستقبله أمام أعيننا.. ونحن لسنا في حاجة للتذكير بأن هذا الأمر الخطير يستخدمه البعض من العملاء وفاقدي الانتماء والهوية في طلب التدخل الخارجي لحماية هذا أو إنقاذ ذاك، فهل نعطي لهم الفرصة في تحقيق أغراضهم؟! وأعداء الخارج من الصهيونية وأتباعها في أشد الحاجة إلي ركائز تمكنهم من إضعاف هذه الأمة إلي أقصي درجة ممكنة!! وقد يبادر البعض بالقول بأننا نعيش فعلا أقصي حالات الضعف، ونحن نرد بأننا مازلنا نملك جزءا من الإرادة التي تحول دون القضاء علينا، وأمثلتها واضحة في الانتفاضة الفلسطينية والمقاومة العراقية التي غيرت معدلات وموازين القوي في المنطقة.إن المواطن العربي المصري لم ولن يكون أبدا عنصريا أو متشددا، أو متطرفا سواء في فكره أو تصرفه، بل كان ­ وسيظل ­ سلس الطبع، سمح السجايا، ملتزما في وسطيته، لا يخرب ولا ينفصل عن نفسه، ولا يخون تاريخه.. وما يحدث من إثارة الفتنة هو نوع من خيانة التاريخ، وأنا لست من القائلين بوحدة عنصري الأمة، وهي العبارة الشائعة لمن يسمون أنفسهم بدعاة الوحدة الوطنية، فالوطن ليس به سوي عنصر واحد عربي في أصله، مصري في جذوره وجغرافيته حتى لو اختلفت ملته أو دينه.. وإن كنا ندعو حملة الشعارات الإسلامية إلي الهدوء والحكمة، فإننا أيضا ندعو العرب المصريين من القبط للحذر، وعدم الانسياق وراء نداءات مضللة، ونعرات هشة وممجوجة، وأكاذيب ما أنزل الله بها من سلطان.. إنها صيحة تحذير لمن يعملون في مجالات تشكيل الرأي العام دون الدخول في تفاصيل، وأخص بهذه الصيحة الإعلام الحزبي والمستقل.. احذروا الانجراف في هذا المنزلق الخطير، وانتبهوا من فضلكم أيها السادة.القضية الأخرى التي جعلت سكة السفر تتوقف في هذه البقعة المباركة التي قال عنها المولي عز وجل ""ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين"" هو ما أثير حول الإفراج عن الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام في مقابل الإفراج عن ستة من شباب مصر كانوا محتجزين في السجون الصهيونية بتهمة دخولهم للكيان الصهيوني للقيام بعمليات إرهابية ­ علي حد تعبير الصهاينة ­ ومساعدة الانتفاضة، ولقد كنت أستمع إلي ردود فعل الشارع المصري عبر هيئة الإذاعة البريطانية، ووجدت أن هذه الإذاعة قد نزلت إلي الشارع في مدننا وقرانا وراحت تستكشف ردود فعل الناس حول هذه القضية، ولاحظت نبرة عالية من الوعي والإدراك والفهم لدي المواطن العادي والبسيط، وكان الجميع يركزون علي أن الثمن كان باهظا، وأن هذا الصهيوني الخائن كان من الواجب إعدامه وليس الإفراج عنه لأنه ليس جاسوسا فحسب وإنما خائن لكونه عربيا، إنه غير يهودي بل صهيوني العقيدة والهوى، ثم إن أولادنا الستة سجنوا ودون أدلة أو جرم مشهود، في تمثيلية للابتزاز الصهيوني المعروف، وإذا قبلنا بهذه الصفقة، فأين نجد ثمن دماء الشهداء الثلاثة الذين قتلهم الجيش الصهيوني في عملية بشعة، بدانة دبابة.. وذكر المتحدثون بهيئة الإذاعة البريطانية أيضا الكثير من الممارسات الوحشية واليومية لهؤلاء القتلة وشواذ الآفاق، وسألوا عما حدث؟ ولماذا؟ وكيف؟وللأسف فإن الإعلام الرسمي ظل حبيس قاعات البث وراح يتخبط في تبريرات تافهة تزيد من الاستفسارات ولا تجيب عنها، مثل القول بأن قرار الإفراج عن عزام صدر منذ أكتوبر، ولم تقل لماذا؟ ولحساب من؟! وعلي أي أساس؟ إنهم يقولون إن القضاء عندهم له قدسيته، فهل قضاؤنا أقل قدسية؟.. إن الناس في هذا الوطن الصابر يريدون معرفة الحقيقة من أبواق نظيفة، تضع الوطن ­ أيضا ­ نصب أعينها، فلماذا لا نتحدث صراحة.؟!إننا علي يقين من أن الصحف الصهيونية ستنشر في الأيام والأسابيع القادمة تفاصيل وسيناريوهات ما جري.. فهل نستطيع أن نسبقهم ­ ولو مرة واحدة ­ ونحكي نحن سيناريو ما حدث؟ ونحترم عقل وفكر المتلقي الذي أصبح يتابع أخبار وطنه من وسائل إعلام الآخرين!!