الجمعة، ذو القعدة 19، 1425

التطرف والتعصب محاولة للفهم - د. عمرو اسماعيل

مما لا يخفي علي اي متابع لمجتماعاتنا أن الغلو اصبح سمة عامة لنا .. غلوا في كل شيء .. في التحرر وتقليد الغرب .. يقابله غلوا يصل الي حد التطرف والتعصب في فهم الدين و في الفكر السياسي والثقافي ومحاولة فرض كل طرف مفهومة علي المجتمع والآخرين بحدة في اللغة واتهامات التكفير التي قد تتعدي حدود الفكر الي العنف الجسدي والسياسي .. تطرف يؤدي أحيانا الي تكفير المجتمع والحكومات والافراد .. نجد التطرف والتعصب واضحا في لغة الحوار وفي التحزب الديني والطائفي في مجتمعاتنا مثلما حدث في قضية وفاء قسطنطين في مصر مؤخرا ومثلما يحدث في العراق يوميا الآن... ولنا في خطابات بن لادن دليلا علي هذا التطرف وخاصه خطابه الاخير الذي اعترف فيه بأبو مصعب الزرقاوي أميرا للقاعدة في العراق رغم كل ما يمارسه من عنف وقتل لمحاولة فرض مفهوم للدولة والمجتمع يتعارض مع رغبات الاغلبية ومع العصر الذي نعيشه .. وخطابه الاسبق و أيد فيه أعمال العنف في الجزيرة العربية واعتبرها جهادا ..ولنا في أحداث العنف في مصر دليلا آخر علي هذا التطرف والتعصب الذي يصل الي حد التصفية الجسدية للمخالفين فكريا واستعمال درجات مختلفة من العنف مع المجتمع أفرادا وجماعات .. ابتداءا من قتل السادات الي محاولة اغتيال نجيب محفوظ واغتيال فرج فودة وحرق محلات شرائظ الفيديو وبعض أعمال العنف الموجهة نحو الأقباط والمؤسسات السياحية .. والاهم الاسلوب الخطابي الذي يستعمله أتباع هذه المنظومة المليء بالصراخ وتكفير كل فكرة او شخص لا يتفق مع فكرهم أو اتهام اي انصار اي فكر سياسي لمخالفيه بالخيانة والعمالة للشرق والغرب حتي وصل الامر الي اتهام رؤساء وزعماء ومفكرين لاشك في وطنيتهم حتي لو كان لهم أخطاء كطه حسين قديما وعبد الناصر والسادات حديثا بالعمالة لأمريكا .. ومن ضمن منظومة التطرف المبالغة الشديدة في الحكم علي بعض الانحرافات التي قد تحدث في اي مجتمع وتصويرها أنها سمة عامة لهذا المجتمع ..
وكبداية لمحاولة الفهم دعنا نتساءل ماهو التعريف اللغوي للتطرف : هو الغلو والإسراف، أو الشطط بعيدا عن التوسط والاعتدال كما يمكن تعريفه اجتماعيا علي أنه الخروج على المفاهيم والأعراف والتقاليد والسلوكيات العامة و أمنيا علي أنه الخروج على القانون والدستور السائد..
والتطرف الديني الذي هو أقسي أنواع التطرف وأخطرها هو في الاساس انحراف فكري حيث تحرّف المبادئ الدينية، بل وتعطى قيمة عكسية، مثل: أن القتل مباح والسرقة مباحة (سرقة محلات الذهب مثلا) والاعتداء مباح أذا كان موجها لمن هم مخالفين لفكر الجماعات الدينية المتطرفة مثلما حدث في كثير من أعمال العنف التي قامت بها جماعة الجهاد وغيرها ..
والتطرف أذا وصل الي هذا الحد هو انحراف سلوكي تدميري فيه أقصى قدر من محو الآخر دون وجود خطة واقعية بديلة لتغيير ناجح لما يريد صاحب اي فكر تغييره ولفهم سيكولوجية التطرف والعنف فلنحاول التعرف علي من هو الانسان السوي :
لا يوجد تعريف ووصف محدد في كتب علم النفس والطب النفسي للإنسان السوي. وإنما وردت صفات النفوس غير السوية فمن لا يتصف بها بشكل جلي فهو أقرب إلى كونه أنسانا سويا. ويمكن اجتماعيا تعريف الشخصية السوية بأنها الشخصية التي يتفق المجتمع عليها أنها الصورة المرضي عنها سلوكًا وفكرًا ومشاعرًا
أما الشخصية غير السوية فهي : نمط من السلوك والخبرات الشخصية لدى الفرد تختلف وتشذ عن ما يتوقع من مثله في مجتمعه. ويتمثل ذلك في:
1- غرابة طريقة تفكيره في ذاته والناس والأحداث من حوله أي في طريقة تقييم الأحداث والمواقف.2- عدم اتزان مشاعره وانفعالاته (المشاعر ليست متناسقة مع الحدث إما زيادة أو نقصانًا)3- اضطراب القدرة في ضبط الذات وفهم حاجاته وواجباته مقابل حاجات الآخرين.4- اضطراب تعامله مع مَنْ حوله نظرًا لانطلاقه في ذلك من سمات شخصيته (مثال: الشك الشديد، التشاؤم الشديد، الحساسية المفرطة،...)
ولعل أهم انماط السلوك والشخصيه التي نجدها بين كل أتباع جماعات التطرف ومن يميلون غالبا الي التعصب و التطرف في أفكارهم و أرائهم وعدم تقبلهم للراي المخالف عامة هي :الشخصية الهستيرية.الشخصية النرجسية.الشخصية السيكوباتية.الشخصية الوسواسية.الشخصية العدوانية.الشخصية السادية.
والجدير بالذكر أن هذه الشخصيات المضطربة توجد كل واحدة منها لدى 1-2% من البشر أما سماتها دون حد الاضطراب فهي موجودة عند الكثيرين بدرجات مختلفة كما قد توجد سمات أكثر من شخصية لدى فرد واحد.
- والسؤال المهم هنا هل الغلو والتطرف مرده اضطراب نفسي محدد أم هو منهج فكري نتيجة التعامل مع متغيرات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية؟
إن المجتمعات الإنسانية تختلف في فهمها للقيم الاخلاقية والدينية والاجتماعية ، وبعض الأحيان يحصل اختلاف في مدى اكتساب قيم ما بعينها، أو إهمال قيم أخرى، أو التشدد في تعليم أبنائها قيماً تميل الي التعصب.. فعند هيمنة هذه القيم في مجتمع ما، تعكس حينئذٍ طبيعة القيم الاجتماعية، والمعتقدات السائدة، والثقافة التي تمنح الأفراد مكونات شخصياتهم مستقبلاً، فالمجتمع الأمريكي مثلا كان (خاصة قبل حركة الحريات المدنية في الستينات) يغرس في نفوس الأطفال منذ سن الثالثة من العمر اتجاهات محددة عن الناس من الأجناس المختلفة، ويغرس البعض منهم التعصب في الصغار عمداً، وهذه الاتجاهات تثبت بسهولة نتيجة الخبرات اليومية، وخاصة عندما يتحدث الآباء عن (السود - الزنوج) داخل أسرهم بطريقة توحي بالتعصب ، فيكون التعلم بالملاحظة، ومن المحتمل أن يتم تعلم التعصب عملياً من توجيهات المعلمين والآباء وجماعات الأقران وقد أرجعت الدراسات النظرية أسباب التعصب إلى عوامل منها الجنس ( Race) أو النواحي التاريخية أو المكانة الاجتماعية والطبقة، أو المستوى الاقتصادي.
أما اتجاهات التعصب الديني فهي أيضا تأخذ منحى مشابه لاتجاهات التعصب العنصري أو العرقي أو السياسي، فقد وجد أن:
1- التعصب الديني والعنصري يحدث في فترات مبكرة من الحياة فيما بين الخامسة والرابعة عشرة.2- تأثير الوالدين والمدرسة ثم المجتمع بصفة عامة ، هذا التأثير يعتبر العامل الأساس في تشكيل الاتجاهات لدى الطفل بالمحاكاة (التقليد) والاستماع المستمر لآرائهم.3- طرق التنشئة؛ فلا يقتصر تأثير الوالدين على استماع الأطفال لآرائهم المتعصبة فقط، لكنهم يساعدون أيضا على خلق نمط الشخصية المستهدفة للتعصب
وفي النتيجة يكون سلوك التعصب أو التطرف قد انتقل من الأسرة (المحيط العائلي) إلى الأبناء بواسطة آليات نفسية محددة هي (التعلم بالنموذج)، حيث الأم والأب يدعوان إلى التعصب في المواقف المتعددة مثل الدينية، السياسية، العشائرية، القبلية، الأدبية والفنية. فمشاهدة سلوك التعصب لدى الأبوين والتركيز عليه داخل الأسرة، لا يثير لدى الطفل سلوكاً غير مرغوب فيه فقط، بل يغرس التعصب في ذاته. فسلوك التعصب عند الطفل لابد وأن يثير مشاعر معينة، يتآلف معها، حتى تصبح هذه المشاعر سلوكاً مقبولاً، ويعدو التعصب أو التطرف هو السلوك السوي .. ثم يقوم المجتمع وخاصة المدرسة بعد ذلك أما بتأكيد مفهوم التعصب أو تقليل غلوائه .
.. ومن أهم صفات الأشخاص الذين يتميزون بالتعصب للرأي أو المعتقد أو الاتجاه السياسي أو الأدبي أو العشائري - القبلي، هي استجابتهم العنيفة تجاه المواقف الحياتية التي لا تتفق مع طروحاتهم أو آرائهم خاصة في المجتمعات العربية والاسلامية ، رغم قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)(الحجرات: 13).
وقوله أيضا: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(النحل: 125).
أن الاديان جميعها وخاصة الدين الإسلامي، هو دين العقلانية والبحث والاقتناع بالحقيقة، وهو دين يدعو إلى المعرفة والحقيقة منذ فجره الأول، ودعا أيضا إلى الحوار والانفتاح، وهو دين للعالم جميعاً لا يختص بفئة منعزلة متعصبة، ويؤكد ذلك قول الرسول العظيم (ص): (من تعصب أو تُعصب له فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه) .
وقوله أيضا (ص): (ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية).
فالدين الإسلامي يدعو الإنسان المسلم إلى الاعتدال، وهو صوت داخلي يوجه سلوك الفرد، كذلك الرسالات السماوية كلها لها هدف واحد: هو إصلاح النفس البشرية التي بصلاحها يتحقق تهذيب السلوك الإنساني، ولكن يبقى التدين الوسواسي والتعصب للعقيدة ظاهرة تستحق الدراسة وقد يكون رد فعل لميول عنيفة نحو التمرد على سلطان الدين، وبصفة عامة على السلطان أياً كان نوعه.
مما سبق يتبيَّن أن الغلو والتطرف ليس نتاج شخصية محددة، فالشخصية بذاتها لا تكوّن تطرفًا؛ فالتطرف منهج فكري أكثر منه حاجة نفسية، والتطرف فكر بذاته يغذيه المجتمع من الاسرة الي المدرسة الي المنظومة الثقافية الغالبه في المجتمع .... ينتقيه أفراد وينجذبون إليه لأسباب اجتماعية بشكل أساسي. وربما يعيش التطرف فرد في فترة من حياته حين يحيا ظروفًا اجتماعية تملي عليه سلوكًا معينًا لا يمانع فيه بل قد يتقرب به إلى وطنه أو مجموعته أو قبيلته أو دينه مع العلم أن الظروف الاجتماعية تكون مؤثرة إذا صاحبها الشعور بالظلم والتهميش.
ولكن المجتمع و نظام التعليم والدولة نفسها يتحملون مسئولية كبيرة في أفراز فكر التطرف و التعصب ولذا تقع المسئولية الاكبر علي الدولة ونظام التعليم الذي تتبناه في التحول الي ثقافة الاعتدال والتسامح وتقبل الآخر المختلف والتعايش معه في ظل سيادة القانون ....
ولكن هذا لا يمنع أن بعض الشخصيات مما سبق ذكرها تميل تلقائيا نحو التطرف والتعصب وهذه الشحصيات بالذات هي من تسعي ألي الانتماء الي اكثر جماعات التطرف عنفا في جميع المجتمعات (جماعات العنف السياسي الاسلامية مثل القاعدة والجهاد وجماعة الزرقاوي ) وجماعات النازيون الجدد وكلوكلس كلان في الغرب وجماعات التطرف الديني والصهيوني في اسرائيل ..
وقانا الله جميعا ووقي مجتمعاتنا وأعاننا علي مواجهة التطرف والتعصب الديني والسياسي ....
المراجع :* د. طارق بن علي الحبيب .. سمات الشخصية المتطرفة http://www.islamonline.net/Arabic/doc/2004/02/article02_06.shtml* د. سعــد البصــري ... التداعيات النفسية و الاجتماعية لظاهرة التعصب (التطرف) .. مجلة النبأ ,, العدد 56 * علم النفس الاجتماعي: ج1، محمود السيد أبو النيل