الأربعاء، ذو القعدة 10، 1425

بشار الاسد والاكراد - أمير اوغلو

هل سيلعب بشار الأسد مع الأكراد نفس اللعبة التي لعبها أبوه مع الإخوان ؟
وهل تحتمل سورية والوضع السياسي في سورية مثل هذه اللعبة ؟
وهل سيستمر النظام في تعنته وتكبره وتجاهله للمشكلة ؟
أم أنه يحاول اللعب بالنار لإلهاء الناس عن مشاكل الحياة اليومية والتي أصبحت لا تطاق ؟

هذه الأسئلة تراودني منذ أحداث القامشلي المؤسفة والتي هي باعتقادي مؤشر بسيط ومبدئي على ما يمكن أن يحدث في حال استمرار اللعبة السياسية السورية بهذا الشكل والسير في هذا الطريق المؤدي في النهاية إلى الهاوية التي قد يقع فيها الطرفان معا وقد تسقط فيها الدولة كلها والتي وقعنا فيها مرة سابقة .

من عاصر أحداث سورية في الثمانينيات ويعاصر الآن الأحداث الحالية لابد له من ملاحظة بعض التشابه برغم الكثير من الإختلافات . ما أعتقد أنه يفيد جميع الأطراف اليوم هو دراسة الحالة الماضية والخلوص إلى عبرها ودروسها والاستفادة من هذه الدروس .

لقد عاش المسلمون في نهاية السبعينيات ضغوطا هائلة وظلما فادحا وكان الخط العام للسياسة هو تجاهل الجميع والتركيز على الولاء الطائفي والسياسي البعثي ورفع شعار العنف الثوري في مواجهة الرجعية وأذناب الإستعمار والمقصود هنا الإسلاميون كما كان النظام يسميهم .

كانت الفترة فترة عنتريات قومية , مارسها الحزب بجدارة ومارستها الدولة ضمن مخطط إقصائي واضح المعالم وضمن سياسة تفردية قمعية , رفعت خلالها شعارات لم يتحقق منها شيء إلى يومنا هذا رغم تفرد الحزب بالحكم وتفرد شخص واحد بالقيادة لا مخالف له ولا راد لأمره .

كانت سياسة خلفت عجزا إقتصاديا وفسادا إداريا وتخلفا في كل المجالات الوطنية منها والدولية وأوصلت سورية إلى ماهي عليه الآن ووضعتها في آخر المقامات بين دول العالم الحالي على جميع الأصعدة .

ركز الحكم حينذاك على سياسة التفرد والقمع والإقصاء وعدم الإعتراف بالآخر ووصل الأمر إلى الإنفجار بعد حادثة مدرسة المدفعية التي سبقتها إعتقالات ومداهمات وملاحقات وتعذيب في السجون إلى حد القتل , والزمن كفيل بنشر كل ما لم ينشر من الوثائق والأسباب والمسببات وليس المجال هنا مجال تحديد المسؤوليات ولا محاكمة المسؤولين.

ما نراه الآن من إهمال متعمد وعنف تجاه الإخوة الأكراد في سورية يذكرنا بما حصل في الثمانينيات . فأن يبقى مائتي ألف مواطن دون هوية مرفوض تحت أية حجة , وأن يعتقل الناس لأنهم خرجوا في مظاهرة تعبيرا عن حزنهم لقتل أهلهم مرفوض تحت أية حجة , والعودة إلى أسلوب أخذ الرهائن من الأطفال والنساء لإجبار المطلوبين على تسليم أنفسهم مرفوض أيضا , واعتقال الناس دون محاكمات مرفوض أيضا . وكل ما تمارسه الدولة من إنكار لوجود الأكراد وحقوقهم مرفوض رفضا باتا . كل هذا الضغط سيولد انفجارا وسيدفع بالأكراد إلى تبني أفكار ومقولات وطروحات لم نكن نسمع بها من قبل في بلدنا سورية , فليس كل الناس على درجة واحدة من الوعي وأحداث العراق وما يجري فيها الآن قد يشجع البعض على سلوك طريق ما كانوا ليرضوا به لو أمعنوا التفكير قليلا في النتائج ولكن الضغوط المتواصلة تسبب تمزقا في الناحية الأضعف وليس الأقوى وهذه الناحية موجودة وجاهزة ولا تحتاج إلا إلى مزيد من الضغظ , وهذا ما تفعله الدولة الآن للأسف .

ليس هذا تبريرا لما قد يحصل من طرف بعض القوى الكردية أو مانسمعه منها الآن فبعض الحلول المطروحة من قبل بعض الجماعات الكردية مرفوض أيضا ولكن المقصود هنا التنبيه والتحذير للطرفين حتى لا نصل إلى ما لا تحمد عقباه في المستقبل .
لقد أثبتت الأيام فشل العنف في حل المشكلات وأثبتت فشل الإستعانة بالأجنبي لحل مشكلات الوطن ولا داعي لتكرار المآسي التي عانى منها شعبنا ثلاثين سنة أو أربعين ولا داعي لاستيراد مأساة إخواننا في العراق , والمؤمل من الرئيس بالذات لأنه هو السلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية في بلد وحد السلطات وجعلها في يد فرد واحد ورفعه فوق كل قانون , المؤمل من هذا الرئيس الذي يملك كل السلطات أن يتخذ هو القرارات المناسبة التي تؤدي إلى الإنفراج وأن يتابع تنفيذها لأننا للأسف لاحظنا مرارا أن بعض القرارات التي صدرت في فترة حكم الرئيس لم تنفذ ! خاصة فيما يتعلق بقضايا تحقيق الإنفراج بين فئات الشعب وتخفيف القيود المخابراتية والتنفيس عن الناس ورفع بعض ما يعاني منه الشعب من قمع وإرهاب , مما دفع بالبعض إلى الإعتقاد والتصريح أن هذه القرارات كانت حبوبا مسكنة لا أقل ولا أكثر .

إن الوضع المحيط بسورية وضع سيء وقد كتب كل من نعرف ناصحا الرئيس والمسؤولين في الدولة والحزب أن يسلكوا طريق المصالحة مع الشعب ولم نر إلى الآن توجها حقيقيا إلى هذا الحل , وربما يحاول المسؤولون تجربة آخر ما في جعبتهم من حلول وألعاب بهلوانية للخروج من هذا المأزق , ولكن الزمن ليس في صالحهم , والعدو يتربص بهم والاستسلام للعدو والقبول بكل طروحاته لن يفيد إلى أمد بعيد , صحيح أنه سيطيل عمر النظام لأشهر أو لسنوات ولكنه ليس الحل , هذا بغض النظر عن التاريخ القادم الذي سيكتب بالتفصيل عن كل من أساء إلى البلد في سبيل مصالح شخصية أو عائلية أو طائفية أو حزبية .

هذه كلمات في سبيل مستقبل أفضل لسورية , هذا البلد الذي يستحق أكثر من حزب واحد ذي رؤية متجمدة , ويستحق أن يحكمه أناس يسعون به إلى التقدم والحضارة فهو مهد الحضارات , ويستحق أن يخرج من عبادة الفرد التي خرجت منها قبائل أفريقية الوسطى , ويستحق أن يعود كما كان نبراسا للحرية والتقدم والحضارة والإنتاج بدل أن يصبح مثالا للقمع والتخلف والفساد كما ينشر الآن في جميع نشرات الإحصاء في العالم .

إن أمام سورية حلان لا ثالث لهما : إما البقاء على هذا الوضع وانتظار الإنفجار الذي سيودي بها إلى التقسيم والتشرذم والحروب والدمار , وإما أن يعي المسؤولون السوريون وأولهم الرئيس الذي عاش في الغرب وتزوج من الغرب ورأى كيف يعيش الناس في الغرب أن حكم الفرد الواحد والحزب الواحد لم يعد له مكان في القرن الواحد والعشرين على سطح هذه الكرة الأرضية , فيفسحوا المجال لطاقات هذا الشعب أن تتفجر في سبيل البناء لا أن تنفجر في سبيل الدمار الشامل.

أمير أوغلو / الدانمارك / 22 كانون الأول – ديسمبر 2004
Amirs05@hotmail.com