السبت، ذو القعدة 13، 1425

الاصدقاء في المقابر - سامح مقار

ذهبت والأصدقاء الى منزل عم مسعود الذى توفى صباح اليوم .. اقشعرت أبداننا حينما سمعنا صراخ أقاربه من النساء .. "كان بدرى عليك يا خويا" .."أروح لمين بعدك يا حبيبى" .. "آه يا جملى" ..
"يا اللى كنت مستتنى يا خويا" .. وصوت إمرأة عجوز تقول "ما تتشلوليش يا عين أمك .. عيالك عاوزينك يا ختى" .. جلسنا على الكراسى الموضوعة أمام الباب إنتظاراً للذهاب الى المدافن .. فوجئنا بمجموعة من النسوة قادمات على مقربة منا ثم أخذوا من تراب الأرض وأخذن يهلن التراب على رؤوسهن وهن يولولن ويصرخن فى حركات هيستيرية وأصوات لم نستطع إحتمالها .. قال الذكترة "أنا عاوز أمشى مش مستحمل" .. قلت "لأ لازم نؤدى الواجب .. وبعدين ده انت دلوقتى كأنك فى العصرالفرعونى تمام ، وكل اللى هتشوفه كان الفراعنة بيعملوه بالظبط" .. أجاب عصام بيه الأستاذ "يعنى القرف اللى بتعمله الستات ده فرعونى؟" .. قلت: طبعاً وده ذكره هيرودوت المؤرخ اليونانى فى كتابه تاريخ مصر قائلاً "كان إذا توفى أحد المصريين لطخت النسوة رؤوسهن ووجوههن بالطين وتركن الجثة فى المنزل ثم خرجن متجولات فى شوارع البلدة وطرقاتها وهن يلطمن الخدود ويضربن الصدور وقد شققن الجيوب حتى استبانت نحورهن" .. والى الآن يحدث هذا بحذافيره فى بعض القرى .. فإذا حدثت الوفاة خرجت النساء من المنزل عقبها مباشرة وقد صبغن وجوههن بالنيلة ولبثن يتجولن فى طرقاتها فترة من الزمن حتى يدورن حولها سبع مرات وهن يولولن ويصرخن بأصوات مؤلمة وقد مسكن فى أيديهن بمناديل سوداء أو زرقاء .. قال الذكترة "بس بس ما تكملش دى حاجة صعبة" .. بدأنا نسمع أصوات التعديد صادرة من دخل المنزل .. جاء قريب للمتوفى ينبه الحاضرين "فى اتوبيس على الناصية عشان إللى هيروح التُرَّب" .. تركنا الكراسى أمام المنزل واتجهنا نحو الأتوبيس وحمدنا الله أن كل الذين فيه من الرجال .. جلسنا على الكنبة الموجودة بآخر الأتوبيس .. قال عصام "والتعديد ده برضه عادة مصرية قديمة؟" .. قلت "أكيد فنساء العصر الفرعونى كن يشققن جيوبهن ويلطمن خدودهن ويندبن موتاهم ويستأجرن المعددات لذلك الغرض .. وكانت فى مصرالقديمة طبقة من المعددات والندابات المحترفات يستأجرن عند حدوث الوفاة وكن يأتين ومعهن الطبول .. ويستمر قرع الطبول الى سبعين يوم ، أى طول المدة التى تظل فيها جثة الميت بين أيدى المحنطين .. وكان الرجال يطلقن لحاهن ولا يقربن من أى شئ يعبر عن الترف مثلما يفعل الناس الآن تماما" .. قاطعنا الرجل الصعيدى الذى يجلس أمامنا "جرا أيه يا بهاوات جايين تأدوا واجب ولا تحكوا زى النساوين؟" .. حاولنا أن نرد عليه لكن منظر وجهه وضخامة جثته يجعلك تفكرة الف مرة قبل أن ترد .. جلسنا صامتين حتى وصلنا الترب وكان الوقت قد تأخر .. ذهبنا مع الجمع الى الحوش .. كانوا قد نسوا المفتاح ووقفوا يبحثون عن وسيلة لفتح الباب .. تركنا الجمع وانزوينا الى جانب بعيد وجلسنا على مجموعة أحجار ضخمة موجودة بالمنطقة .. قال الذكترة "الراجل عامل التربة بتاعته ولا الفيلا" .. قلت "ما هى دى عادة فرعونية .. حيث كان يعتقد المصرى القديم أن الأرواح ترفرف حول المقابر على شكل طائر يسمى بالمصرية "با" وينزل الى غرفة دفن الميت بالمقبرة متحد مع الجسم الراقد هناك .. وتأتى أيضا هذه الروح فى يوم زيارة الأقارب وكانت الروح تحب أن تكون مقبرتها فى ابهى صورة حتى ترد اليها .. ومن هنا تقدر تفسر التعبير الذى مازال معنا عندما نرى مكان جميل فنقول "المكان ده يرد الروح" .. فهنا فكرة ارتداد الروح موروثة منذ القدم" .. قال عصام "إذن الناس غلطانة لما بيقولوا أبونا جاى يصلى فى التالت لصرف الروح" .. قلت "ده أكيد .. والصح أنه جاى يعزى الناس ويصرف روح الحزن .. اما حكاية صرف الروح فهى قديمة قدم الفراعنة فكانوا يعتقدون ان الروح تحوم حول المنزل ثلاثة أيام .. ولما كانوا يخشون من الروح أن تعود فيرتعبون منها كانوا يكسرون قلة معتقدين بأنها كفيلة بألا تعود الروح ثانيا .. ومن هنا جه التعبير "نخليه يطلع ونكسر وراه قلة" .. قال الذكترة "طب وزيارة الترب؟" .. قلت: حتى زيارة المقابر نسميها الطلعة وهى نفس ترجمة الكلمة الهيروغليفية "برت" يعنى مش العادة بس واسمها كمان .. وفى مقابر فى الدولتين القديمة والوسطى تمثل النسوة يسرن فى جماعات الى المقابر ويحملن سلالاً مليئة بالخبز والفواكه وغيرها .. فما هى الا نفس العادة الباقية للآن .. قال "معقولة ؟" .. قلت: ده حتى التعبير "صدقة على روح فلان" هو ترجمة حرفية للعبارة الهيروغليفية "حتب - ن - كا - ن" اللى كان بيستعملها قدماء المصريين .. قال عصام "سيبكوا من الفراعنة بتوعكوا ويلا بينا أحسن يكون الراجل ادفن والأتوبيس يفوتنا" .. قلت "متخافش ده الظاهر لسه هيجيبوا المفتاح ودى عاوزة وقت" .. ظللنا نتحدث ونسينا أنفسنا تماما وبدأ الظلام يحيط بنا .. فوجئنا بالغفير قادما يشعل سيجارة .. أقترب منا وتخطانا ولم ينطق بكلمة .. صحت اناديه "أيوا يا معلم" .. فرجع وفى يده السيجارة ونظر الينا ولم ينطق وكان يضع لفافة بيضاء حول وجهه .. قلت "هو الأتوبيس طلع؟" .. لم يرد ووجدنا السيجارة تتوهج بشدة ويصدر منها فحيح غريب أرعبنا .. مسكت اللفافة التى على وجهه ونزعتها قائلاً "ما ترد يا بارد" .. فوجئت به عم مسعود وبدأ يضحك ضحكات هستيرية .. أغشى علينا جميعاً ..

1 Comments:

At الثلاثاء, ذو القعدة 16, 1425 2:06:00 م, Blogger وائل عباس said...

شكرا على الكتاب والاهداء يا استاذ سامح

 

إرسال تعليق

<< Home