الجمعة، رمضان 22، 1425

الاعلام الالكتروني قنبلة نووية - د. سيد ريحان

كل سلبيات المجتمع العربى منبعها فى الأساس ثقافة الديكتاتورية المطلقة التى تربينا عليها...وكذلك الحال بالنسبة للمفاهيم الدينية المغلوطة التى نعانى بسببها..فهى أيضا نتاج لهذه الثقافة البالية..وليس العكس كما يتوهم البعض بأن الدين هو السبب فى هذه الثقافة....فالديكتاتورية على سبيل المثال تربت معنا فى بيوتنا قبل أن تفرضها عليناالحكومات ونفرضها على فهمنا للأديان...السلوك الديموقراطى فى مفهوم التربية عندنا مرادف لقلة الأدب...الطفل فى مجتمعاتنا عليه أن يسمع وينفذ أوامر أبوه أو مدرسه دون أية محاولة لمناقشة هذا الأمر...ولو حاول أن يبدى مجرد تعبيرات بالوجه تنم عن رغبته فى الاستفسار (وليس الاعتراض)...يجد الرد فورا " انت يا ولد شكلك كده كلامى مش عاجبك..يبقى لازم شكلك ده يتشلفط (أى يعاد تشكيله )!!"...وطبعا تجنبا لأى شلفطة...يعتذر الولد فورا ويضع ذيله فى أسنانه ويذهب ليسابق الريح (التى خرجت منه بسبب الرعب).
طالب الدكتوراه فى جامعاتنا لو فتح فمه أثناء مناقشة رسالته العلمية بأى اعتراض فالنتيجة الطبيعية عدم حصوله على هذه الدرجة العلمية إلا بعد أن يتعلم الأدب، والذى هو فى عرف المناقشين غلق فمه ببلاستر عرض 20سم!! ...... فى الخارج لا يحصل عليها إلا بعد أن يتعلم كيف يتحاور ويتناقش ويقنع المناقشين بأفكاره.....ولذلك فنسبة الحصول على الدكتوراه عندنا لدى الخرس فى أعلى معدلاتها.
فى القرية المصرية من العيب أن تشرب جاموسة أى فلاح من الترعة قبل جاموسة أبوه العمدة...وأيضا لو شيخ البلد خلف ولد فهو سيدنا وتاج رأسنا وعيب جدا إنه يسقط فى أي انتخابات حرة...دى كانت البلاد التانية تأكل وشنا ونبقى من غير وش...مجرد قفا.
كيف نطالب إذا بتحقيق الديمقراطية قسرا على شعوب لا تعيها...ولا تعرف معناها؟...الغباء الأمريكى لا يعى ولا يدرك هذه الحقيقة...ويتصور أن مجرد كنس الزبالة المسماة بالحكومات لدينا كاف لتغيير هذه البلاد...ولكن ستكنس أمريكا لنا الزبالة الحاكمة...وتنظف الأرضيات تماما.....ولكن لأننا لم نتعود ونتربى على النظافة....سيلقى كل منّا بالقمامة على الأرض مرة أخرى..فى صورة تنصيب عمدة جديد وشراء جاموسة جديدة له..لتشرب من الترعة قبل جاموستنا وذلك إن لم يكن بسبب تعودنا على ذلك، فرغبة فى تحدى هؤلاء الأمريكان الطغاة الذين قتلوا آبائنا وأبنائنا مع العمدة القديم أثناء الكنس....ولن نغفر لهم ذلك أبدا حتى ولو جعلوا لنا الأرض ألمع من الكريستال!
يأتينا الحل فى حواديت الفانتازيا بأن تأتى قنبلة نووية..أو زلزال مدمر قوته 120 ريختر...وتُنسَف هذه المجتمعات تماما بما عليها من جيل كامل من المستحيل أن تتغير عاداته وتقاليده ومفاهيمه التى تربى عليها...ويبدأ فى النمو بعد ذلك جيل جديد تماما صفحته بيضاء وجاهزة لكتابة مفاهيم جديدة مختلفة عن تلك التى أبيدت بالقنبلة النووية....بس الخوف هنا أن تصطاد القنبلة الجميع وتترك العمدة بجاموسته ليتولى هو بعد ذلك تربية الجيل الجديد!!
طبعا من المستحيل أن يحدث هذا التصور فى الحقيقة..ورغم ذلك نرى الغباء الأمريكى المستحكم يتكرر مرة أخرى ويتصور إمكانية حدوثه ويحاول فعلا تنفيذه على أراض العراق وأفغانستان...ويرمى بمئات القنابل يوميا محاولا استئصال مفاهيم وثقافات هذه الدول بنسفها تماما ليقوم بعد ذلك بزراعة وغرس مفاهيم جديدة.. يراها من وجهة نظره هى الأصلح....أمّا استحالة التنفيذ فنابعة من أن الثقافة المراد نسفها تفرض على هذه البلاد أن يكون العمدة وجاموسته آخر من يموتون وبالتالى على أمريكا أن تنسف وتبيد أهل هذه البلاد جميعا ولا تترك منهم أحد قبل أن تستطيع تنفيذ سياستها فى التغيير...وإلا سيبقى العمدة ونسله وفكره فى الأجيال الجديدة...لأن ثقافة بالروح بالدم نفديك يا جناب العمدة ستُبقى العمدة دائما محصنا ضد النسف.
الشغف الشديد من قبل الأجيال الجديدة بعالم الإنترنت والإعلام الإلكترونى فى مجتمعاتنا العربية يمثل فرصة ذهبية لن تعوض لإعادة تشكيل مفاهيم وأفكار هذه الأجيال وتربيتها على أسس جديدة تماما...وخاصة مع انحسار دور الإعلام التقليدى الذى أصبح موجها فقط للعمدة وجيله...فلا العمدة يفتح جهازا للكمبيوتر ولا الجيل الجديد يقرأ الإعلام الورقى....وإن ظل التليفزيون والفضائيات عاملا مشتركا بين الجيلين حتى الآن...إلا أنه مع تطور سرعات الإنترنت ستدخل الصحافة الإلكترونية عالم المرئيات والبرامج المصورة وستهزم الفضائيات بالضربة القاضية بما لها من مميزات أرشيفية فائقة وقدرات على التواصل اللحظى ..وهو الأمر الذى سيعجز العمدة عن التعامل معه...ولحظتها ستدفن توجيهاته وأوامره وثقافته مع مخلفات جاموسته فى نفس الموضع.
هذا الدور الهائل للإعلام الإلكترونى يمثل فى رأيى نفس دور القنبلة النووية فى التصور الفانتازى تماما...ويقودنى هذا الرأى لطرح تساؤل هام....من الذى سيكون له السبق فى إدراك هذه الحقيقة قبل الآخر من أصحاب التيارات الفكرية المتصارعة الآن؟؟...إن صاحب الأيديولوجية الأسرع فى استخدام هذه القنبلة سيكون هو الأسرع فى السيطرة على توجهات وثقافة الجيل الجديد...والحمد لله أن شعبان عبد الرحيم لا يعرف طريق الإنترنت حتى الآن وإلا وجدنا الجيل الجديد يلبس مفارش السرير والأنتريهات..وبدلا من أزمة الثقافة فقط ندخل معها فى أزمة كسوة مخدات!.