الجمعة، ذو القعدة 26، 1425

فلسفة الحضارة وفلسفة التخلف - د. عمرو اسماعيل

يحمل الكثيرون منا في العالم العربي درجة دكتوراة الفلسفة في العلوم الانسانية او العلمية او الهندسية ولكن كم منا يعرف لماذا سميت اعلي درجة علمية بهذا الاسم؟ .. انه اعتراف عالمي بقيمة الفلسفة والتفكير
الحر الذي لا يعرف قيود و لا ثوابت و لا خطوط حمراء او خضراء .. اعتراف بقيمة افلاطون و ارسطو و ابن رشد .. اعتراف بقبمة جون لوك وجان جاك روسو وبرتراند راسل. التقدم له فلسفة والتخلف له فلسفة .. ولهذا لا يمكن التقدم دون تبني فلسفة التقدم .. لا يمكن بناء حضارة دون تبني فلسفة الحضارة .. وفلسفة الحضارة التي تؤدي الي التقدم هي حرية العقل في التفكير الي اقصي مدي وفي كل شيء وحرية التعبير عن هذا الفكر دون قيود الا قيد القانون .. حرية التفكير في الدين و الحياة والعلم .. في وجود الله و ما هيته .. دراسة التاريخ بطريقة نقدية لا تعرف تقديس الاشخاص .. فلسفة لا تعرف السلف علي انهم السلف الصالح المنزه عن الخطأ رغم انهم مجرد بشر يخطئون و يصيبون .. لا توجد في فلسفة التقدم حقيقة لا تحتمل البحث والدراسة والتمحيص و لا يوجد شخص فوق النقد و لا توجد حدود لما يمكن ان يصل اليه العقل .. لا توجد حقيقة مطلقة ولكن توجد حقيقة نسبية .. وحرية التعبير عن اي فكر مسموح بها الي اقصي مدي و لا يوجد شيء يحدها الا العقل نفسه .. الغير مسموح به هو التحريض علي العنف .. أو ممارسته فلسفة تحترم حقوق الانسان من حرية الرأي الي الاعتقاد ..و حرية التعبير .. فلسفة تحترم المساواة بصرف النظر عن الجنس او الدين أو اللون ... فلسفة تكون فيها المرأة كائن متساوي مع الرجل في الحقوق والواجبات وليست مجرد وعاء لنزوات الرجل .. أو آلة للأنجاب . هذه هي هي فلسفة التقدم ..والتي لا يمكن صنع الحضارة ألا بتبنيها ,, أما فلسفة التخلف .. فهي العشق الذي لا نطيق عنه بعادا .. فلسفتنا في العالم العربي .. فلسفة المصادرة .. مصادرة الفكر و مصادرة الكتب و مصادرة حرية البحث .. فلسفة التكفير و مصادرة العقل .. فلسفة تقديس الاشخاص و التعصب القميء للدين او المذهب او القبيلة .. فلسفة اعتبار السلف الصالح و كأنهم كائنات خارقة لا تخطيء رغم أن التاريخ يقول لنا أنهم اختلفوا بينهم الي حد الاقتتال.. فلسفة اعتبار المرأة مخلوق من الدرجة الثانية .. رغم ان جسدها هو محور تفكير رجال هذه الفلسفة .. يعتبرون شعرها عورة في العلن رغم انهم في السر يدفعون الملايين للحصول علي نظرة من امرأة متمردة لم تظهر شعرها فقط بل اظهرت كل مفاتنها .. فلسفة من يعادون اي امرأة تفكر ويحاولون مصادرة حقها في العمل والوصول الي المناصب القيادية وكأنما المرأة خلقت لمهمات ليس من بينها استعمال عقلها ...
فلسفة التخلف هي فلسفة التلقين وليس النقاش أو الحوار , ليس مسموحا لنا في ظلها بالنقاش لا في المنزل أوالمسجد أوالمدرسة . الاب والمدرس و أمام المسجد والمدير في العمل وحاكم الدولة هو فقط الذي يتكلم و يعظ وعلينا فقط السمع و الطاعة سواء اقتنعنا ام لم نقتنع .. المهم هو عدم النقاش.. الطاعة فقط هي المطلوبة.. وهي علامة حسن الخلق . ولذا اصبح الرياء والنفاق هو اهم مؤهلات من يصل الي المناصب العليا ,, وأصبح اهم مثل شعبي تعمل به شعوبنا هو اتمسكن لحد ما تتمكن .. وما أكثر الحجج التي يستخدمها مريدي فلسفة التخلف .. المحافظة علي استقرار المجتمع ...حماية الهوية وثوابت الأمة الوطنية والقومية والدينية.. كل شيء في حياتنا هو ثوابت .. حتي قررنا أن نثبت مكاننا وتركنا العالم كله يتحرك من حولنا ... ونظرية المؤامرة هي العمود الفقري لفلسفة التخلف كحاجة نفسية لتبرير العجز والضعف والهوان .. تخلفنا سببه المؤامرة الصهيونية والامريكية ومن قبلها البريطانية والفرنسية ثم ستصبح الصينية واليابانية وكأنما العالم كله يتآمر علينا .. وكأنما نحن مجرد قطع شطرنج يتلاعب بنا الآخرون .. دون أن نتمرد ونحاول أن نكون في موقع الفاعل وليس المفعول به .. رغم أن الحقيقة المرة تقول أنه لا حاجة لأحد في التآمر علينا فهم فعلا مسيطرين علينا تماما .. فهم يستخرجون النفط من ارضنا .. ويصنعون لنا ما نحتاجة من آلات ومركبات وملبس .. وينتجون لنا غذائنا .. ويصدرون لنا اسلحتنا التي لا نستعملها الا في التقاتل فيما بيننا أو نتركها لتصدأ في مخازنها.. فلسفة الحضارة تبنتها كل الأمم التي صنعت حضارة .. من الحضارة الفرعونية الي الأغريقية الي الحضارة الاسلامية في أوج ازدهارها .. ثم تبنتها أوروبا فوصلنا الي كل التقدم العلمي والتكنولوجي الذي نعيش فيه.. الاسلام يحمل كل مقومات فلسفة الحضارة من الامر علي أعمال العقل .. الي حرية الاختيار والارادة التي هي حكمة استخلاف الله للأنسان في الارض .. الي الامر بالمساواة .. الي حرية الاعتقاد .. لقد أعطي الله الانسان الحرية ليتسني له محاسبته .. وعندما كان المسلمون في عهود الازدهار يقدرون قيمة حرية العقل استطاعوا أن يحملوا شعلة الحضارة استلموها من الحضارة الاغريقية ونقلوها الي الأمم الأخري ... ولكن في لحظة فاصلة من الزمن بالنسبة لنا سقطت الشعلة من ايدينا وعم الظلام علي عقولنا ودخلنا في البيات الشتوي الحضاري مئات السنين .. استسلهنا النقل من علماء السلف وتلخيص وشرح ما أنتجوه فتوقفت عقولنا عند زمنهم .. اعتبرنا كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .. فاستمرأنا جحيم التخلف واستسلمنا لمن يصادرون حقنا في التفكير باتهامات التكفير ... حتي عندما ظهر بريق من الامل في عصر التنوير في نهاية القرن التاسع عشر و النصف الأول من القرن العشرين نتيجة صدمة الاحتكاك بأوروبا و ادراكنا كم ضاعت منا قرون بلا فائدة .. تكفل أنصار فلسفة الشعارات دون العمل والتفكير وحرية العقل والابداع بالقضاء علي كل أنجازات هذه الفترة لنعود مرة اخري الي الوضع الذي نهيم به عشقا .. لننظر الي مصر في النصف الاول من القرن العشرين ونري لماذا كانت محط الجميع في المنطقة العربية ولماذا كان المصريون يعتبرون أنفسهم أكثر تقدما من أخوانهم من الشعوب المحيطة .. لأنهم أول شعب في المنطقة استعاد حريته في التفكير .. حريته في البحث .. حريته في التمرد .. أول شعب في المنطقة أعطي المرأة بعضا من حقوقها ونزع حجاب العقل عنها .. فاصبحت زميلة في الدراسة وزميلة في العمل .. تركت مكانها في الحرملك لتشارك الرجل في بناء المجتمع .. في المنزل والحقل والمدرسة والمصنع .. تحولت من مجرد وعاء للرجل الي كائن له عقل وفكر يفوق في مجالات كثيرة عقل الرجل نفسه.. حتي نجح البعض في وأد هذه التجربة لنعود مرة أخري جميعا شعوبا تستهلك ولا تنتج العلم والحضارة .. نعود جميعا الي حظيرة نظرية المؤامرة .. و ثقافة المصادرة .. مصادرة الفكر ومصادرة حق العقل في البحث حتي لو شط .. لأن الحقيقة تقول أنه لا يوجد أنجاز بدون أخطاء .. ولايوجد تقدم بدون محاولات .. والطفل لا يتعلم المشي ثم الجري بدون تعثر .. التجربة والخطأ هي الاساس في اي أنجاز .. أذا لم نسمح بحرية الخطأ أحيانا طالما النية سليمة .. فلن يكون النجاح حليفنا .. المجتمعات التي تنتج علماء الذرة والفلك والطب هي نفسها التي تنتج فلاسفة الوجودية والعدم .. والمجتمعات التي تنتج ماري كوري .. هي نفسها المجتمعات التي تنتج مادونا .. برتراند راسل فيلسوف الالحاد هو نفسه من أفاد بريطانيا في مجالات فلسفة التعليم .. وطه حسين في فترة الازدهار الحقيقي لمصر .. مؤلف كتاب في الشعر الجاهلي الذي هوجم بسببه ..كان أيضا أفضل وزير للمعارف أنجبته مصر بل والعالم العربي .. لقد زرعنا فلسفة مصادرة حرية العقل .. فلم نحصد غير التخلف و الانهيار الحضاري والاقتصادي والهزيمة العسكرية .. هذا هو حصاد فلسفة التخلف هذا هو رايي ومن حق الجميع أن يعتبروه تخريفا .. ولكني رغم ذلك أومن ان التفكير والتخريف هما وجهان لعملة واحدة وهي عملة التقدم والحضارة .. وأنه لكي نصنع تقدما لابد أن يكون من حقنا أن نفكر حتي لو اعتبر البعض تفكيرنا تخريفا .....