الجمعة، ذو القعدة 26، 1425

الناشلون كمان وكمان - د. ميشيل حنا

ما أجمل ما كتب الأستاذ صلاح عيسى فى العدد 241 من القاهرة، عما يفعله كثير من الناشرين/ الناشلين، وعمايلهم السودا فى المؤلفين، هذا الموضوع المسكوت عنه منذ زمن، نظرا لتشعب المصالح بين كثير
من الصحفيين والناشلين، لأن الصحفى الذي يهاجم ناشرا اليوم، فإنه قد يحتاج أن ينشر لديه كتابا غدا، كما أنه سيحرم من الكتب الجديدة المجانية التى تقدم إليه من أجل التنويه عنها فى جريدته، وبالتالى يحجم عن كشف ما يحدث، فتظل الحقائق فى خانة المستتر. انعكست الأوضاع، وبدلا من أن يؤدي المجهود الذى ينفقه المؤلف على مدى عدة أشهر فى وضع رواية أو كتاب إلى تحصيل حقوق ماليه عن مجهوده، أصبح مطالبا بدفع ألفين أو ثلاثة آلاف من الجنيهات (ليكفّن) بها عمله، بينما يتحول مجهوده إلى أرباح تذهب إلى جيوب الناشل الذى لم يبذل أي جهد أو ينفق أى مال أو وقت. يدفع المؤلف ثمن الطباعة بالكامل (وربما أكثر قليلا)، كى تصبح النسخ المطبوعة ملكا لشخص آخر دون أن تكون له أية حقوق فيها، سوى عدد معين من النسخ يحصل عليها بسعر الجمهور! وهو ما يجعل نار النشر على نفقة المؤلف خيارا أفضل كثيرا، بالرغم من كل ما يصاحبه من أخطاء فى الطباعة والتصميم والتوزيع لانعدام الخبرة فى هذه الأشياء لدى المؤلف. لكن على الأقل فى هذه الحالة تظل الكتب المطبوعة ملكا للذى دفع ثمن طباعتها. لكن الكثير من المؤلفين يقبلون بهذا الإجحاف من الناشلين فى سبيل النشر، مدفوعين بغريزة قوية موجودة عندهم دون سواهم، اسمها غريزة حب الكتب، وهى غريزة تضاهى فى قوتها الغريزة الجنسية. قالت لي شاعرة صديقة طبعت ديوانا لها لدى إحدى دور النشر الشهيرة، التى تقاضت ثمن الطباعة مقدما مقابل طبع ألف نسخة، أنها اكتشفت أن هذا الناشر لا يطبع سوى 300 نسخة فقط منها مائتى نسخة يأخذها المؤلف! وأن هناك أكثر من قضية مرفوعة عليه فى هذا الشأن. ذهبت الشاعرة لتواجه الناشر وقالت له أعطنى الثمانمائة نسخة المتبقية سأشتريها كلها. قال الناشر أنه لا توجد نسخ أخرى من الكتاب، وأن عليها أن تشرب من البحر، وأنه لن يضيره إذا تحولت القضايا الثلاث المرفوعة ضده إلى أربع! لى صديق آخر دفع ثمن طباعة رواية لأحد الناشلين، ومضت أشهر تلو الأخرى دون أن يصدر الرواية، وبعد مئات المشاوير والمكالمات الهاتفية، أعاد له جزءا من المبلغ وخصم الباقى على أساس أنه طبع الغلاف لكن مشكلة فى فصل الألوان أدت إلى تلف الغلاف المطبوع، وهكذا خصم منه ثمن الغلاف التالف لأن ذلك الغلاف كان من تصميم المؤلف! وعندما طالبه بإعطائه ذلك الغلاف المحروق الذي دفع ثمنه قال له أنهم تخلصوا منه! والحكايات كثيرة جدا أكثر من أن تحكى، وأكثر إثارة للحزن والأسى من المآسى الإغريقية، ولا يبدو أن لهذه الأزمة انفراجة قريبة.