الثلاثاء، ذو القعدة 30، 1425

الحرية وازدهار الحضارة الاسلامية - د. عمرو اسماعيل

كلما ناقش البعض ممن ينتمون الي التيار الليبرالي التحجر الفكري لبعض جماعات الاسلام السياسي وهجومهم علي رموز التنوير في عالمنا بدءا بمحمد عبده وقاسم أمين ومرورا بعلي عبد الرازق وطه حسين وانتهاءا بنجيب محفوظ وغيره من دعاة حرية الفكر في العصر الحالي ..دعاة الديمقراطية وفصل الدين عن الدولة التي أصبحت حقيقة واقعة .. ففصل الدين عن الدولة في المجتمعات العربية اصبح حقيقة تاريخية لا يمكن الرجوع عنها وكل ما ينقصها هو التحول الكامل الي الديمقراطية ..ذلك التحول الذي تقاومه الحكومات الديكتاتورية والاهم تقاومه جماعات و أحزاب الاسلام السياسي لأن هذا التحول سيسحب البساط نهائيا من تحت اقدامها ويحولها الي فولكلور ممكن أن تذكر في كتب التاريخ كجماعات سببت صداعا في الربع الاخير من القرن العشرين و أوائل القرن الحالي وقامت بعمليات ارهابية وسفكت دماء بريئة كثيرة ولكنها لن تستطيع تحقيق أكثر من ذلك مهما فعلت و دمرت وقتلت .. فمصيرها الذي لا مفر منه هو متاحف التاريخ كظاهرة عديمة الحيلة وسيئة السمعة
.. كلما ناقشنا هذه الجماعات و أوضحنا لهم الحقيقة التي لا يستطيعون أن يعوها وهي انهم مرحلة تعداها الزمن في مصر منذ مائتي عام وفي باقي الدول العربية في خلال القرن الماضي .. نجدهم يذكروننا بازدهار الحضارة الاسلامية في فترة زمنية معينة و أن الغرب قد أخذ عنا هذه الحضارة .. وهي حقيقة لا ينكرها أي من انصار الديمقراطية والليبرالية ..بالعكس فهي حقيقة تؤكد قولنا لا قولهم وهي حقيقة تؤكد أن الحضارة الانسانية هي حضارة متراكمة تستفيد مما سبقها وتفيد من يأتي بعدها وهي حضارة لن يقوم لها قائمة الا علي قواعد من الحرية.
.. فالمسلمون في فترة ازدهارهم استفادوا من الحضارة اليونانية وترجموا اهم انجازاتها الفكرية والغرب استفاد من الحضارة اليونانية والاسلامية خاصة عبر ابن رشد .. ثم انطلق حين سمح بحرية العقل وتخلص من كهنوتية الكنيسة بينما تبادلنا نحن معه المقاعد عندما وقعنا في فخ كهنوتية فقه النقل وثقافة العنعنة في اللحظة التي تم فيها ضرب كل رموز تلك الفترة من اصحاب العقل خاصة من المعتزلة ... لحظة انتصار اصحاب ثقافة النقل علي يد المتوكل العباسي وانتصاره لهم ..
الحقيقة أن الحضارة الاسلامية ازدهرت في فترة حرية العقل بدون حدود وشططه أحيانا وكل رموز هذه الفترة هم مثل طه حسين تماما بحثوا بعقولهم وقد اتهموا مثله بالزندقة والكفر احيانا ومعظمهم أن لم يكن كلهم من مدرسة المعتزلة والفلاسفة الذين كتب لهم ابو حامد الغزالي كتاب تهافت الفلاسفة .. حتي الفقهاء والأئمة من اصحاب مدرسة الراي مثل أبو حنيفة النعمان لم يسلم من اتهامات التكفير التي يمارسها البعض الآن علي يد أهم رموز مدرسة النقل ابن حنبل وسلسلته الممتدة حتي اليوم ابن تيمية وابن عبد الوهاب وابن باز وتلاميذهم .. ثم كل اتباع هذه المدرسة الذين انتشروا وسيطروا علي الشارع الاسلامي للأسف بقوة البترودولار .. حتي وصلوا الي مصر معقل التنوير في العصر الحديث ..
ويبدوا أن رائد مدرسة التكفير في العالم العربي وأهم رموزها هو ابن تيمية الذي كفر كل من أتي قبله من اصحاب مدرسة العقل من المعتزلة و الفلاسفة ..
والغريب في الموضوع أنه اننا وامتدادا لحالة فصام الشخصية لا نجد من العلماء خارج الفقه من نفخر بهم الا اصحاب هذه مدرسة العقل وحريته التامة .. نتغاضي عن حقيقة تكفيرنا لهم واتهامهم بالزندقة من قبل ونذكرهم كمثال لفترة ازدهار الحضارة الاسلامية .. هذه الحضارة التي لم تزدهر الا بهم ولم تدخل حالة البيات الشتوي الا بعد القضاء عليهم مثلما يحاولون القضاء وأهالة التراب علي رموز التنوير في العصر الحديث ولتوضيح هذه النقطة فلنري معا راي ابن تيمية في هؤلاء :
ابن تيمية يسمي ارسطو واتباعه المشائين ، فابن تيمية يرى ان مذهب اكثر الاسلاميين الذين تكلموا عن الفلسفة في كتبهم مثل الفارابي وابن سينا وابن باجه وابن رشد وغيرهم هو مذهب ارسطو، وينبه الى ان بعضهم مثل ابن سينا والسهروردي، له مذهبان، احدهما مذهب ارسطو والآخر ما يرجحه هو من اقوال.
وابن تيمية يكفر مريدي ارسطو ومترجميه من «الاسلاميين» في رأيه لمقالات كثيرة يقولون بها، منها: قدم العالم. ومنها: قولهم في النبوة، حيث ينقل عنهم انهم يرون ان للنبوة ثلاث خصائص، وهي: ان تكون للنبي قوة حدسية وقوة تخييلية وقوة نفسية، مما يبطل كونها من عند الله. ومنها: انكارهم لمعاد الابدان، فينقل ابن تيمية عن فلاسفة الاسلام انهم اختلفوا في معاد الابدان والنفوس على اقوال: انكار المعاد مطلقا او اثبات معاد النفوس العالمة دون الجاهلة او اثبات معاد النفوس جميعا دون الابدان ..
وذكر ابن تيمية ان هذه الاقوال جميعا منقولة عن الفارابي، وان منهم من يقول بالتناسخ، وقد عرض ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه لنقد ارسطو، واتهمه بانه من اجهل الناس برب العالمين، وبانه ساحر ووزير لملك ساحر هو الاسكندر المقدوني، ويبدو ان سبب هذه الاتهامات وغيرها ما نقله فلاسفة الاسلام عن ارسطو.و قد انتقد بل وكفر ابن تيمية كثير من الفلاسفة الاسلاميين اتباع ارسطو مثل: ابن سينا وابن رشد ونصير الدين الطوسي وغيرهم.والملاحظ على نقد ابن تيمية للفلاسفة المشائين اعتماده على ردود الغزالي والشهرستاني عليهم و علي كتابات المتكلمين كالرازي والارموي وغيرهما ومن ردود بعضهم على بعض ولذا فردوده تكاد تخلو من الاصالة وتقتصر على «الترجيح» بين المختلفين، ولعل السبب في هذا هو ان دراسة ابن تيمية للفلسفة لم تكن دراسة مقصودة لذاتها، بل كانت دراسة هدفها الحجاج مع المخالفين..
وقد هاجم ابن تيمية أيضا فلاسفة الصوفية بشدة قاسية، حيث كفر ابن عربي وابن سبعين والقونوي والتلمساني وغيرهم.وكذلك نقد ابن تيمية المنطق، لكن ما يهمنا هنا هو بيان سبب نقده له، فابن تيمية نقد المنطق لانه وجد ان من اصول فساد قول المتكلمين والفلاسفة في الالهيات هو ما ذكروه في المنطق.
اي أن ابن تيمية كفر الجميع .. علماء المسلمين الذين نفتخر بهم مثل ابن سينا والفارابي والرازي والكندي وكفر الصوفية ورموزها بل وهاجم المذهب الحنفي .. هذا طبعا غير تكفيره للشيعة وتسميتهم بالرافضة .. وهذا ما يعطي ابن تيمية الحق أن يكون زعيم مدرسة التكفير عن جدارة .. زعيم المدرسة السلفية ذات الصوت العالي الان التي كفر كل مدارس الفكر الاسلامي الأخري وتعتبر نفسها هي الفرقة الوحيدة الناجية .. هذه المدرسة التي افرخت كل مظاهر التطرف والتعصب الديني الذي وصل به الأمر أن يستحل دم كل مخالف في المذهب والدين وهي المدرسة المسئولة عن كل العنف الذي ابتلي به عالمنا مهما حاولت أن تنكر ذلك الآن بعد أن وصل العنف الي عقر دارها ..
لقد كفر اصحاب هذه المدرسة رموز مرحلة ازدهار الحضارة الاسلامية .. الم تزدهر الحضارة الاسلامية في عصر الحرية علي يد هؤلاء العلماء والفلاسفة وأهل الكلام .. الم تندحر الحضارة الاسلامية عندما تحولت الي ثقافة النقل وخفتت اصوات ابن سينا والفارابي وابن رشد والمعتزلة بصفة عامة حتي تمت أعادة اكتشافهم في العصر الحديث .. هل هناك اختلاف بين مافعله ابن تيمية في السابق وما يفعله البعض الآن من اتهامات التكفير التي تطول رموز التنوير الاسلامي في العصر الحديث مثلما طالت رموز التنوير في العصر القديم .. حتي الاشاعرة الذين اخذوا موقفا وسطا بين أهل الكلام وبين أهل النقل والذين كانوا يمثلون الأغلبية في العالم الاسلامي وحتي الصوفية المعتدلة من انصار ابو حامد الغزالي لم يسلموا من التكفير في العصر القديم والحديث علي يد اتباع ابن تيمية ..
وحتي الامام الأعظم ابو حنيفة النعمان رائد مدرسة الرأي في الفقه الاسلامي لم يسلم من اتهامات التكفير علي يد أتباع نفس المدرسة ..
أن الحقيقة المرة التي لا يريد أن يعيها أتباع مدرسة التكفير أن الحضارة الاسلامية لم تزدهر الا في عصور الحرية الفكرية .. عصور فقهاء عظام من أمثال ابو حنيفة النعمان وجعفر الصادق و مفكرين وعلماء وفلاسفة عظام أمثال ابن سينا والفارابي والكندي وابن رشد ولكنهم هوجموا وكفر الكثير منهم علي يد اصحاب مدرسة النقل وخاصة ابن تيمية وصحبه ... حتي من أخذوا خطا وسطا بين أهل الكلام والفلسفة وبين أهل النقل مثل الأشعري و أبو حامد الغزالي لم يسلموا من اتهامات التكفير ..
أن الحقيقة المرة والتي تمثل محنة للعقل العربي هي أن ازدهار الحضارة لا يمكن أن يحدث ألا في وجود الحرية الفكرية مهما صاحبها من شطط ... والحقيقة التي لا يستطيع ان يعيها أتباع مدرسة التكفير الحديثة من حسني النية والذين ينطلق أغلبهم من باب الغيرة علي الاسلام و التي نفخ فيها حلف البترودولار والسلفية للسيطرة السياسية علي المنطقة .. أن انتصار هذه المدرسة سيكون فيه ردة العالم العربي الاسلامي الي ما هو أسفل من قاع الحضارة التي نحتلها الآن بجدارة تامة .. مثلما حدث تماما علي يد نفس المدرسة في العصور الوسطي عندما تم القضاء علي ثقافة العقل التي كان يحمل لواءها علماء وفلاسفة عظام كابن سينا و ابن رشد ..
ولكن ما يعطي بعض الامل أن الشعوب قد ذاقت طعم الحرية وهي لن تعطي هؤلاء الفرصة مرة أخري للتحكم في مقدراتها .. ومدرسة التكفير والنقل تلفظ انفاسها الأخيرة خاصة بعد أن فقدت الدعم السياسي والمالي من نفس الاسرة التي كانت تدعمها سابقا لأغراض سياسية عندما انقلب السحر علي الساحر ..
وحتي نعي أن الحرية الفكرية هي اساس كل تقدم وحضارة فسيظل العقل العربي في محنة ... لنا الله