الاثنين، ذو القعدة 29، 1425

دوافع الاصلاح - طارق جابر

ربما نتفق على أن تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد هو المحرك الأول لمشاعر السخط الشعبية تجاه النظام الحاكم، وإن لم تكن كذلك بالنسبة للنخب والقوى السياسية والفكرية المعارضة، وهذا يعني أن التعاطف والدعم الشعبي لمطالب المعارضة، أي كانت درجته وصورته، وكذلك السخط الشعبي ضد نظام الحكم – أي كانت درجته وصورته - ليس مرتبط بالدرجة الأولى بتحقق مطالب الديموقراطية وتداول السلطة وعدم التوريث وتعديل الدستور وخلافه من الاجراءات التي تحاصر بها القوى السياسية النظام الحاكم في هذه اللحظة.

ما الذي يترتب علي هذه الحقيقة؟ يترتب عليها عدة نتائج غاية في الأهمية، ربما يكون إدراكها عنصرا أساسيا بالنسبة للقوى السياسية المصرية حتى ترسخ أقدامها وتدعم تقدمها ونموها في المجتمع المصري.

أول النتائج المترتبة على تلك الحقيقة هي أن أي قدر من التعاطف أو الدعم الذي تتمتع به مطالب المعارضة الاصلاحية ليس أصيلا ولا راسخا في تربة المجتمع المصري، وإنما هو رهن الظرف الاقتصادي المستحكم والآخذ برقاب الناس في الوقت الراهن، وكذا طاقات السخط الشعبي ضد النظام، وهو الأمر الذي يعني أن كل تحسن - ولو تدريجي – في أحوال الناس الاقتصادية سوف يعني بالضرورة خصما وتبديدا لجزء من التعاطف والحشد الشعبي خلف مطالب المعارضة، الأمر الذي قد يجعل من كل مطالب الاصلاح في بيئة إقتصادية مزدهرة تتحول إلي مجرد ترف ونزق من وجهة نظر الشارع تستدعي التندر لا التعاطف، ناهيك الدعم والتأييد.

والنتيجة الثانية المتعلقة بتلك الحقيقة هي أن هناك درجة كبيرة من القصور في وعي الجماهير فيما يتعلق بالعلاقة بين تردي أوضاع البلاد وبين العيوب والتشوهات القابعة في البيئة السياسية المصرية وهياكلها الأساسية من دستور وقانون وعرف وفكر سائد، بمعنى أن المواطن المصري البسيط قد يربط في ظل الأزمة الاقتصادية بين تردي الأوضاع وبين مبدأ أو سياسية إحتكار السلطة في البلاد، ولكنه على إستعداد لنقض هذه العلاقة وإنكارها إذا تبدل الظرف الاقتصادي وإنتعشت أحواله المعيشية بشكل ما، وهذا يعني ببساطة أن بيئة الاصلاح السياسي والتشريعي في البلاد - علي المستوى الشعبي علي الأقل - تزدهر في ظل ظرف زمني محدد وعارض، وتستند إليه أكثر مما تستند إلى وعي راسخ وتطور سياسي وفكري وثقافي شامل - ليس مجرد تطور في الفكر السياسي وحسب - في المجتمع.

إن تطور النخب الفكرية في المجتمع هو جزء من تطور المجتمع ذاته، ربما تمتلك النخب الفكرية من المعارف والقدرات ما ييسر لها أن تسبق مجتمعاتها إلي آفاق الغد، ولكن نجاح هذه النخب في ريادة وقيادة وتحريك المجتمع إلي تلك الآفاق يبقي رهن حد أدني من تطور موازي في المجتمع وفكره، وكذلك رهن بقاء الفجوة بين هذه النخب وبين سائر المجتمع ضمن حدود دنيا تيسر للجميع لغة تفاهم واحدة وقدرا من التوافق العام وكذا أرضية واحدة راسخة يقف عليها الجميع.

بالنسبة لكاتب المقال تثير هذه الفروض من الأسئلة أكثر مما تطرح من أجوبة، غير أن طرح هذه الفروض وإثارة ما تستدعيه من أسئلة مسألة جد مهمة، ليس فقط بالنسبة للنخب السياسية التي يجب أن يستقر في وعيها واستراتيجياتها كافة عناصر الواقع وحقائقه ومعطياته دون لبس أو خلط، ودون نقص أو زيادة، ولكن أيضا بالنسبة للمجتمع ذاته حتي يقف علي حقيقة موقعه علي سلم التطور الاجتماعي والسياسي والفكري والثقافي، والذي يمثل الأساس والقاعدة لتطور ورقي أحواله المعيشية علي المستوى البسيط والمباشر.

وربما يكون من أهم النتائج التي يجب وضعها في الاعتبار هي صياغة مطالب الاصلاح السياسي والتشريعي في إطار وحدود درجة التطور والنضج لدي المجتمع، مع وليس فقط في إطار الأزمة التي يعيشها هذا المجتمع.
بعبارة أخري يجب ألا تقف مطالب الاصلاح عن حدود أي ظرف راهن أو عارض حتى لو إنبثقت تلك المطالب من رحم هذا الظرف وتغذت من أعراضه، وإنما ينبغي أن يصل إلى أعماق الوعي العام العلاقة المباشرة والمستترة بين ما هو عارض وما هو راسخ من خلل في البنى السياسية والتشريعية والدستورية للبلاد، بل والبنى الفكرية والثقافية السائدة في المجتمع.
نحن بطبيعة الحال لا ننكر ضرورة تحقيق الاستفادة من طبيعة وخصوصية الظرف الراهن وتأزماته، ولكن ما ينبغي أن يكون واضحا وجليا هو أن دعاوي الاصلاح تستند إلي حاجة أصيلة – وليست ظرفية أو مؤقته – بلغتها الجماعة علي صعيد الفكر والوعي والتطلعات ويصعب إنكارها أو تجاهلها أو تجاوزها دون أن يصطدم كل ذلك بالناس أنفسهم.

إن مطالب الاصلاح – وإن كانت قد إنبثقت من ظرف سياسي وإقتصادي متداعي وخانق – تهدف بالأساس إلي الارتقاء بالدولة والجماعة من مرحلة إلي مرحلة، ومن صعيد إلي صعيد آخر جديد، وهي ترمي إلى تحقيق ذلك عبر إصلاحات جذرية وهيكلية تصب في المجمل علي صلب وجوهر فلسفة الحكم ومضمونه وإطاره، وليس كل ذلك من باب الترف أو التزيد، وإنما كل ذلك حيوي وحاسم نحو الغاية المتمثلة في بلوغ نظام سياسي راسخ وعصري يعتمد الوضوح والشفافية ويقدم الضمانات التي تكفل للمجتمع النمو والتقدم والازدهار في بيئة مستقرة داخليا وليس بفعل قبضة أمن أو عسكر، ونظام يمتلك بكل ذلك شرعية حقيقية للادارة والتمثيل والعمل.