الاثنين، ذو القعدة 29، 1425

يثرب الجديدة - محمد جمال باروت

تبدو مساءلة الخطاب النقدي العربي الراهن عن صياغة ممكنة لمفهوم (( علمنة )) إِسلامية , يتخطى الفهم (( العلمانوي )) السائد لها في أوساط المنتمين إِلي إِيديولوجيات
(( حديثة )) والفهم (( التكفيري )) لها في أوساط المنتمين إِلي أيديولوجيات (( جهادية ))
(( إِسلاموية )) وكأنه ضرب من مجازفة نظرية في وعي ثقافي عربي راهن , اعتاد وما يزال علي المواجهة القطبية ما بين (( العلمنة )) والإِسلام , مما يوهم لوهلة أولي وكأن هذه المجازفة تتوهم أو ترغب حل مشكلة نذر الحرب الأهلية الكامنة أو المتفجرة التي تجتاح الجماعة العربية الراهنة بطباق لفظي ينهي هذه المشكلة بالتلفيق ما بين العلمنة والإِسلام .
وإِذا كان الأمر لا يخلو من مجازفة تميز عادة أسئلة العقل النقدي , فإِنه أبعد ما يكون عن التلفيق اللفظي - الإِيديولوجي وأوهامه . إِنه علي وجه التدقيق نوع من اقتراح معالم أولي لعلمنة جديدة , تتخطي الفهم (( العلمانوي )) الساذج والمبسط , الطقسى والشكلي الذي يحيلها إِلي عقيدة ونظام لاهوتي مقلوب , والفهم (( التكفيرى )) السائد المستقي من الملخصات المدرسية المبسطة , الذي يماهي ما بين (( العلمنة )) و(( المادية )) بالمعني الفلسفي أو (( الإِلحاد )) بالمعني الشائع , فيختزل العلمانية إِلي (( علمانوية )) في الوقت الذي لا تقبل فيه العلمانية حدود إِختزالها إِلي (( العلمانوية )) أو المذهب العلماني . فهي لا تعني بالضرورة (( المادية )) أو (( العلموية )) , وبكلام آخر لا تعني بالضرورة
(( اللادينية )) , بل تعني علي وجه الدقة (( الزمانية )) أو (( العالمانية )) أو (( الدنيوية )) . فكل (( علمانوي )) هو (( علماني )) بالضرورة , إِلا أنه ليس كل (( علماني )) بـ
(( علمانوي )) , ذلك أن (( العلمانوية )) مجرد حيز من حيزات العلمانية لا العلمانية
نفسها , أو أنها حيِّز عقائدي فيها .
وإِن مثل هذا الفهم لـ (( العلمانية )) وتمييزها عن (( العلمانوية )) يتقبل حتماً - علي مستوي نظري وعملي - إِمكانية إِقرار حتى رجال الدين فضلاً عن المؤمنين بـ (( العلمنة )) , وعملهم من أجلها من دون أن يكونوا (( علمانويين )) . وتاريخ الثورة الفرنسية نفسه الذي حولت المختصرات المدرسية تاريخه العلماني إِلي تاريخ علمانوي , حافل حقيقة بهذه النماذج العلمانية , بآباء وقساوسة وأساقفة (( علمانيين )) , كما أن تاريخنا النهضوي المهدور نفسه يشمل نماذج من هذا النوع لا يشك أحد بصحة إِسلامها , من طراز مواطني الحلبي عبد الرحمن الكواكبي والشيخ عبد الحميد بن باديس وآية الله العظمى حسين التائيني وغيرهم الذين أشّروا إِلي معالم مشروع حداثة لم ينجز , ويبدو الآن من منظور لحظتنا الراهنة وكأنه مبدد أو مهدور , إِن لم تكن لنا الشجاعة لإِعادة اكتشافه والحوار معه من جديد . ففي هذا المشروع الذي ما يزال ملحاً , والحاجة إِليه راهنة , لا تكون الحداثة شيئاً (( أجنبياً )) عن الهوية , غير قابلة للتوطن فيها , بل قضية من قضايا الهوية , فلا تكن طمساً للذاتية الحضارية والروحية الفاعلة في اللاوعي المعرفي للكتلة المليونية , بقدر ما تكون إِحدى ممكنات هذه الذاتية بالانفتاح عليها واستيعاب كونيتها , وتبيئتها في العصب الروحي للجماعة العربية , التي يشكل الإِسلام أساس أناها الثقافي - الحضاري - النفسي . فالحداثة - والعلمنة تظاهرة من تظاهراتها - من حيث هي أمر كوني كوكبي تغطي شباكه المعمورة لا شكل له إِن لم يتميز في حقل اجتماعي - ثقافي - حضاري محدد , ويقبل تبيئة وتمييزه وفق نظام رموزه , فشكل الكوني هو تميزه , وتميزه هو في تبيئته , وهو ما يعني بالضرورة إِنكار أي نموذج تمامي للعلمانية , وتحويل العلمانية من مشروع مطبق إِلي مشروع يطبق ويتكون باستمرار داخل ديناميات التفاعل ما بين الذاتية والكونية .
من هنا تصبغ الدولة العربية المتسلطة الراهنة تناقضها مع الأمة , بالتناقض ما بين العلمانية والإِسلام - عميقاً - أو بالتناقض ما بين العلمانيين والإِسلاميين , فتجر في إِطار قطبية الصراع ما بينها وبين الأمة القوي الحديثة إِلي ماكينتها بدعوى تفادي خطر (( الأصولية )) , مما يحول مثقفي هذه القوي إِلي (( كلاب حراسة )) كما يقول الفرنسيون للدولة المتسلطة , في الوقت الذي يتيح فيه مشروع العلمنة الإِسلامية لها , أن تتجاوز هامشيتها ونخبويتها وأن تبئ وعيها في الهوية الحضارية - الثقافية للأمة . وهو مشروع يرتبط عضوياً بقضية الديمقراطية من حيث أن الديمقراطية تعني سيادة الأمة وأن الأمة هي العاهل الحقيقي , الذي هو أدري بحل شؤونه من الطغاة , فما عادت الأمة تتعرف علي نفسها في الدولة المستبدة , أو أنها لم تعد تري الدولة دولتها بل كائناً مغرَّباً عنها , يتغذى إِيديولوجياً من إِدعاء الدفاع عن الحداثة في وجه الخطر (( الأصولي )) الذي هو نفسه - إِضافة إِلي أسباب أخري - نتاج من نتاجات الدولة المستبدة المتسلطة الغريبة عن الأمة .
وإِذ يدعو هذا الكتاب بصراحة إِلي حوار علماني - إِسلامي تتجاوز فيه النخبة الحديثة - التي ينتمي إِليها الباحث - وضعيتها كـ ((كلاب حراسة )) تسوِّق أدلوجات الدولة المستبدة وتتذرع بـ (( حداثتها )) وإِن كانت نسبية , وتتجاوز فيه النخبة (( الإِسلامية )) النظرية والحركية الراهنة , أو جيل جديد منها الخطاب (( الثيوقراطي )) الذي صيغ علي مقاس نفي الدولة المستبدة , فإِنه - رغم بعض الظلال هنا وهناك التي لم يتخلص منها الباحث كما لم يتخلص منها الآخرون بما فيهم الإِسلاميون - يحاول أن يقرأ التجربة الحركية والنظرية للحركات الإِسلامية الراهنة بروح مفتوحة , فيميز ما بين الخطاب الإِصلاحي والخطاب الإِخواني والخطاب الجهادي , وما بين أشكال الإِسلام الشعبي والإِسلام السياسي والإِسلام الرسمي , ويتوقف بشكل مفصل عند النظرية الشيعية السياسية للإِمامة في عصر الغيبة بين نظرية (( ولاية الفقيه )) ونظرية (( ولاية الأمة علي نفسها )) , كما يضع الحدود الفاصلة ما بين نظرية (( تطبيق الشريعة الإِخوانية )) ونظرية (( الحاكمية )) الجهادية , ويقترح في المحصلة حواراً علمانياً - إِسلامياً يتخطى الفهمين
(( العلمنوي )) و (( التكفيري )) للعلمانية باتجاه علمنة جديدة , يحاول البحث أن يصوغ معالمها المنهجية الأولية بانتظار حوار جماعي يبلورها ويضفي عليها الوحدة والتماسك . فالحوار العلماني - الإِسلامي هو المخرج الذي ربما كان الوحيد , من قطبية التناقض الراهن ما بين الدولة المستبدة والتيارات العنيفة الجهادية , وهو مخرج لا يحقق فعله الاجتماعي إِلاّ بتحويل علاقة الدولة بالمجتمع من علاقة تقوم علي العنف إِلي علاقة تقوم علي القانون , ويعني ذلك حرية تداول السلطة , وإِرساء مجتمع مدني , يقوم علي التعددية وحرية صندوق الاقتراع وضمانات حقوق المواطنة , إِذ أن النتائج المترتبة علي القطبية الراهنة مهلكة للجميع .