الثلاثاء، ذو الحجة 07، 1425

لمحة من تاريخ الاندلس .. يوسف الثالث في ديوان ابن فركون - انطونيو بالاثيوس روميرو

انطونيو بالاثيوس روميرو
باحث اسباني في الشؤون العربية
جامعه قادس - اسبانيا

الأزمة والتشوّش الذين تحملت المملكة النصرية بهما ودفعاها إلى سقوطها على أيدي القشتاليين سنة ٨٩٧هـ/١٤٩٢م وأن نقل أواخر ملوك بني نصر أغلب الوثائق الموجودة التي نحتاج إليها لكي نقوم ببناء صياغة العصر الأخيرللأسبانيا الإسلامية، فكل هذا سبب أن تكاد الأبحاث تندعم في القرن الأندلسي التاسع هـ الخامس عشر م وتحاليله، ويندر ندرة خاصة الأبحاث التي تشير ألى السلطان أبي الحجّاج يوسف الملقب بالناصر لدين الله، ربما لقلة وزنه السياسي. عوز الوثائق هذا يجعل محاولتنا اسواء بالتقرّب إلى شاعرٍ من شعرائه، الذي كان أيضًا كاتب سره، وإسمه ابو الحسين بن فركون. وبالرغم من ذلك، يمكننا أن نستخرج من عهد هذا الملك إلى الضوء بعض الاشياء إلى حد ما، بواسطة البحوث.
استعملت البحوث إلى الأن مصادر قشتالية، كالتأريخ الذي يتبع عهد خوان الثاني (Juan II) لمؤلف مجهول، المنشور بـ Juan de Mata Carriazo واكاديميا التأريخ الملكية الأسبانية Real Academia de la Historia (مدريد ١٩٨٢) ويكمله تأريخ غالينـْديثْ (Galíndez) المنشور بـRivadeneyra (مدريد ١٩٥٣). يؤرخ كلاهما بدقة دقيقة أنشطة وصييْن على العرش، وهما فرْناندو الأول ملك أراغون ، وهو كان عمّ خوان الثاني، وكاتالينا دي لانْكاسْتِر، وكانت أم خوان الثاني، في الثغر الغربية الغرناطية ويشتملان كذلك على أخبار العرش وأخبار أخرى للبلاط. ونشر أيضاJuan de Mata Carriazo تأريخًا مسيحيًا آخر على بني نصر لا يزيد شيئـًا جديدا إلى الفترة التي نبحث فيها إلا الارتباك . وعندنا كذلك التأريخ الكنسي الغرناطي (Historia Eclesiástica de Granada) لـ Bermúdez Pedraza، سنة ١٦٣٩م، وبحث في ملوك غرناطة (Tratado de los reyes de Granada) لـ Hernando del Pulgar .
من ضمن الدواوين والمجموعات العربية التي اختبرتـُـها تبرز اهميته ديوان ابن فركون (نشره محمد بن شريفة، الرباط ١٩٨٧) ومظهر النور الباصر في امداح مولانا الملك الناصر (نشره أيضا محمد بن شريفة، الدار البيضاء، ١٩٩١) وديوان الملك نفسه، يوسف بن الاحمر (ونشره عبد الله كنون اولا في تطوان سنة ١٩٥٨ وثانيا في القاهرة سنة ١٩٦٥). أولهم هو ديوان الشاعر المقصود في مقالتنا، أبو الحسين بن فركون، وتجد فيه مؤلفاته المحفوظة وطبيعتها مدحية وتأريخية غالبـًا ويكرّسها لأفعال مولاه ويصور فيها البيئة التأريخية السياسية التي يعيش بها بصيغة تأريخ شعري. مظهر النور، وجمعه ابن فركون، هو مجموعة اشعار مدحية على شرف يوسف الثالث نظـّمها وزراء البلاط وكـُتـّابه وشعراءه. واخيرًا من هذه الناحية يجدان مؤلفتان لأبي يحيى بن عاصم، شخص من اشخاص الحاشية الملكية، المسمايتان روض العريض وجنة الرضى (ونشر هذه الاخيرة صلاح جرار في عمان سنة ١٩٨٩).
وفي ناحية أخرى قد ا ُلفتْ معاجم الاعلام في أحيان مقدمة أو متأخرة (توفي ابن الخطيب في ٧٧٦هـ/١٣٧٥م، وابن القاضي في ١٠٢٥هـ/١٦١٦م والمقري في ١٤٠١هـ/١٦٣١م) وقيمتها غير مطلقة لأنها مكرسة إلى التأريخ المغربي (روضة النسرين، الضوء اللامع)، ولأجل هذه الاسباب فالبحث لن يوضح وضوحـًا تامـًا الهوية الكامنة خلف كل الأسماء.

١. عهد يوسف الثالث في مؤلفة ابن فركون
١.١. الأسفار
قد سافر يوسف الثالث كثيرا بممالكه. ويصف ابن فركون رحلاته المتعددة من غرناطة إلى مكان نزهة قريب بمُـبالغة، وهذا يبرهن على حاجة تحليل أبياته بالبعد التأريخي والتعرف على البيئة السياسية العسكرية التي نـُظمتْ فيها (تجد هذه الابيات في ديوان ابن فركون، ص ١٠-١١ من المخطوط؛ بحرها الوافر، دالية):

بِوادٍ حـَلَّ مَوْلاَنــَا فــَعــَمـّتْ رَكائبُهُ الغَوائـِرَ والنـــــِّجادا
تَرى كـُلاًّ لـَدَيــْهِ مـِنْ يـَدَيــهِ يُراوَحُ بالمَـكارِمِ أوْ يُــــغادَا
لقـَدْ شَرّفـْتَ مَغْناهُ فـــقـُـلـْــنا بحقّ أنْ يَسُودَ ولـَنْ يــُـسادَا
ستـُـثـْني بالّذي أولـَيـْتَ فـيهِ بَنُو الآمالِ مَثْنًى أوْ فـُرَادى
وقـَدْ أوحَشْتَها حَمْرَاءَ مـُلـْكٍ فأبـْدَتـْهُ خـُـلــُوصًا واعتقادَا
كأنَّ الرُّوحَ قَدْ عادَتْ لِجِسْمٍ غَاداةَ احْتلـّها المَوْلـَى وَعادَا

وكان في مالقة في شعبان ٨١١هـ/ من دسمبر ١٤٠٨ إلى يناير ١٤٠٩ ومن بعد في مكلين ، في جمادى الأخر عام ٨١٢ الموافق بشهري أكتوبر ونوفمبر ١٤٠٨، زيارة يشرحها ابن فركون هكذا (الديوان، و٣٥ مخطوط؛ طويل، هائية):

إذا ما عدُوُّ الدّينِ جاسَ خِلالـَهُ وَرامَ استراقَ السّمْعِ كَفَّ مَرِيدُهُ...
تَمُرُّ بِهِ هـُوجُ الرِّياحِ فـتـَـنـْثـَني قَدْ سَدَّ مَسْراها الرّفيعَ صــُعودُهُ
تَرومُ سُمـُوًّا فَوْقـَهُ وهْيَ دونــَهُ فتقصُرُ عمــــّا تشتهي وَتــُريدُهُ
دعَوْتَ لَهُ أهْلَ الجِهاد فأهْطَعُوا كَما زارتِ البَيْتَ العَتيقَ وُفـودُهُ
ودارَتْ حوالـــَيْهِ الجنودُ كـَأنَّها وِشاحٌ عَلَى خَصْرٍ يَروقُ فَريدُهُ

في ٨١٣/١٤١٠-١٤١١ و٨١٤/١٤١١-١٤١٢ اقترب من جبل طارق بينما استحل بنو مرين المدينة وحاصرها الجنود النصرية ومن هناك اتجه إلى مالقة مرة أخرى؛ في رجب ٨١٦/اكتوبر ١٤١٣ كان في الحمـّة (قرية غرناطية)؛ قضى عيد الأضحى عام ٨١٨/ ١٠ فبراير ١٤١٦ في مالقة وفي ٨١٩/١٤١٦-١٤١٧ استراح في قصر نـُبـْلـُه وكان مريضا في ذلك الحين .

١.٢. علاقات يوسف الثالث بقشتالة
وثق يوسف الثالث ببني الأمين ليحكموا أمور البلاط والسياسة الدولية . حصل عبد الله الأمين سفير يوسف في قشتالة في واد الحجرة Guadalajara، أمام الملكة كاتالينا ووصي العرش فرناندو، على تطويل الهدنة التي عقدها محمد الغني بالله في ٨٠٩/١٤٠٧ الى ذي القعدة ٨١١/ ١ ابريل ١٤٠٩ . وفي شوال ٨١١/مارس ١٤٠٩ سفير قشتالة لدى غرناطة Gutierre Díaz، مع الوكيل النصري ظاهر ، حضرا في فايادوليد Valladolid، العاصمة القاشتالية، وتفاوضوا حول هدنة جديدة واتفقوا على تحديد انتهائها في ربيع الاول ٨١٢/ اغسطس ١٤٠٩ ومن بعد ذلك حتى ٢٦ ذي القعدة ٨١٢ الموافق بـ ١ ابريل ١٤١٠، لكن هذه الهدنة لم توقف المصادمات: استعاد المسلمين قرية Priego (إقليم قرطبة) في ربيع الثاني ٨١١/ سبتمبر ١٤٠٨ ونهبوا الصخرةZahara في جبال إقليم قادس، أربعة أيام بعد ما انتهت الهدنة وقد استولى الإنفنت فرناندو على الصخرة Zahara في ٨٠٩/١٤٠٧ قبل عقد هدنة محمد الغني بالله بقليل ولذلك اعتقد المسلمين بحقهم في استعادتها وفي هذه الحادثة نصح للسلطان بعض الشعراء: أصبح ابن السراج داعي الجهاد وابو جعفر احمد بن فركون يـُذكره بضعف قشتالة وكانت هذه النقطة غير صحيحة أبدا، وكان ابنه ابو الحسين أكثر احتراسـًا منه ويوصيه بقبول هدنة جديدة بعد أن يتكرر طلبها (تجد هذه الابيات في مظهر النور، ص ٦٢ وفي ديوان ابن فركون ص ٢٤ من المخطوط؛ بحرها الكامل، فائية):

تأتي وفودُ الرّوم تخْطُب سَلـْمَهُ فيكـُفُّ كفَّ القــادِرِ المُتَعَفــِّفِ
وَوَلـِيـُّهُمْ يَخْشَى فـَيُرْدف رُسْلـَهُ إرْسالَ جَيْشٍ بالمَلاَئِكِ مُردَفِ
أَعِدِ الجوابَ بـِها عَلـَى ظَمإٍ لَها تَنْقَعْ جَوَى المُتَشَوّقِ المتشوّفِ
واجْنَحْ إليْها مُنـْعِمـًا مُتـَفــضّلا ً لا زِلـْتَ أَكْرَمَ واهِبٍ مُتَعَطـِّفِ

أخذ فرناندو دي أراغون يحارب يوسف في صيف ٨١٣/١٤١٠ وركز حملته في أنتقيرة Antequera، موقع استيراتجي في جبال رُندة (إقليم مالقة) الذي يفتح الطريق إلى رندة. استسلمت انتقيرة يوم ١٦ سبتمبر ١٤١٠/١٦ جمدى الاول ٨١٣ وسقطت حاميتها العسكرية بعد ثمانية أيام وهي ملتجئة في الحصن وسقوطها أدّى إلى سقوط كل الحصون الصغيرة التي وقعت في الوجه الجنوبي لجبال أنتقيرة. وأصبح إسم فرناندو للتأريخ منذ هذا النصر Fernando el de Antequera فرناندو من انتيقيرة وعاد إلى اشبيلية منتصرًا قابلا الهدنة المعروضة عليه من بني نصر التي رفضها للسفيرين الغرناطيين سعيد الأمين وأخيه علي من قبل ورسم لها بين يدي يوسف الثالث وشقيقه ابي الحسن علي .
وعلى رغم هزيمة أنتقيرة قد حاول المسلمون أن يستعيدوا بعض المواقع بدون نجاح واستمرت الحركات العسكرية الغرناطية، كما تتلو هذه القصيدة التي نظمها ابن فركون عام ٨١٢/١٤١٠ مهنئـًا الأمير ابا الحسن علي الذي قام بغزوة على قرية شقورة في جيان (ديوان ص ٦٧ و٨١ من المخطوط؛ بحرها الكامل، لامية):

لَمّا الْتقَى الجَمْعانِ في أرْضِ العِدَى ورمَيْتَ جمْعُهُمْ ببـَأ ْس ٍ مـُعْجِل ِ
نادَى بأبطــــالِ الجهــادِ ألا اقــْدِموا وأجالَ فيهمْ نـَظـْرَةَ المـُـتـَأــَمـِّل ِ
فــَتـــَسارَعوا إلـــَى داعي الهــــُدى والرّومُ عنْ سُبُلِ النّجاةِ بمَعْزِل ِ
ضاقـَتْ عَـلـَيْهِمْ أرْضُهُمْ فـَتـَوقـــّفوا والماءُ يجْمَعُ نـَفْسَهُ في الجدْوَل ِ
وتَجَمّعَتْ فـِرَقُ العـِدا ثمّ انـْثـَنـــــَتْ ما بيْنَ مــُنــْهَزم ٍ وبيْنَ مُجــَدّل ِ
شالـَتْ نـَعامَـتـُهُمْ سَريعًا بـــَعْدَمــــَا وقَفوا وُقوفَ الخاضِعِ المتذلـِّـل ِ
وتسـَـلـَّـلـُوا طـَوْعَ الفـِرارِ وجَـمْعُهُم قَدْ ريعَ بــيْنَ مــُذلـَّـلٍ ومُضَلـّـل ِ

وزودت الهدنات المسلمين بالسلامة حتى ٨٣١/١٤٢٨، ولكنها لم تغير مكانهم الضعيف ضد الاعداء القشتاليين. الهدنة الأولى بعد معركة أنتقيرة اشتملت على المدة بين ١٢ رجب ٨١٢/ ١٠ نوفمبر ١٤١٠ وبين ٢٧ ذي الحجة ٨١٤/١٠ ابريل ١٤١٢ ومنذ ٨١٥-٨١٦/١٤١٣ قام سعيد الأمين بمفاوضاتها وانضم لها في هذا الحين مملكة أراغون وبنو مرين ملوك فاس واتقفوا على إيجاب إشراف الخروق وابلاغها ، ومثالا على ذلك، في أواخر ١٤١٣/٨١٦، قبض سفينة جنوا في تونس من قبل Rodrigo de Luna وكانت تنقل بضائع يوسف الثالث؛ أو كما في ١٤١٥/٨١٨ وإذ ذاك ارتفع شكوة إلى بلاط أراغون لأجل اعتقال سفن نصرية من قبل Orihuela قرية ساحلية في اراغون وقبض آخر في مضيق جبل طارق من قبل اهل برشلونة وشكايا اخرى انحلت غالبيتها مرضاة لغرناطة .
باعدت ولاية عهد اراغون بين فرناندو وبين أمور الاندلس لكن سعيد الامين لا زال يفاوض حول معاهدات جديدة كل سنة مع وصية العرش كاتالينا دي لانكستر وملك اراغون الجديد فرناندو نفسه، وصي عرش قشتالة حتى ٨١٨/١٤١٥، وفاوضوها في بلاط برشلونة كل شهر سبتمبر.وقد خـُرقت بعض الهدنات من جهة قشتالة، كما يقول لنا شعر ابن فركون الذي يشير إلى احتلال صخرة Zahara بالنصرانيين عام ٨٠٩/١٤٠٧ والغزوة ضدها بالمسلمين عام ٨١٢/١٤١٠ (ديوان ص ٤٧ من المخطوط؛ بحره الطويل، هائية):

وإنّ "إفـَـنـْـتَ" الرّوم يجْهَدُ كُـلــّـمـا أراهُ المَقامُ اليوسـُـفـِـيّ جـِـهــــادَهُ
وكان وُ لِيُّ الشرْكِ وَافَى مُطاو ِعــًا هَوًى ساقـَـهُ نـَحْوَ الهَوان ِ وَقـادَهُ
فَفازَ بـِـها طـَـوْعًا, وحَلّ بأ ُفـْـقـــــها وألـْـقـَـى لـَـدَيـْـها ذُخـْـرَهُ وَعَتادَهُ
وسارَ إلى أوْطانِهِ وَهـــْـوَ ظــــافــِرٌ لَها لاَ إلى الأُخرى يُرَجّي مَعادَهُ
وكانَ إليها الآن يأتـِي بزعـْـــمـِــــه يـُـريـدُ ويـــأ ْبى اللهُ إلاّ مــُــرادُهُ
غَدا جاهِدًا قَدْ شفّهُ لاَعِجُ الــــصّدى يـُـؤَمـّـلُ فــيـــــها وِردَه وَمـَـرادَهُ
يَقودُ لـَها جَيْشَ الضـّــلالـَـةِ قــاصِدً افَحَلأ َهُ المـِـقــْـدارُ عـَـنـْـها وَذَادَهُ
إلَى أنْ أتَى مَوْلَى الخَلائِفِ يوسُفٌ فـَـجـَـدّ وأبـْـدَى عَـزْمـَـهُ وأعــادَهُ

بعد موت فرناندو الأول في ٨١٩/١٤١٦، كاتالينا دي لانكستر استمرت في توقيع تلك الهدنات في مقار الحكومة القشتالية واستقبل ملك اراغون الوداع الأخير من ابن فركون، رثاء (ديوان ص ٢٢٢ من المخطوط؛ بحرها الطويل، ثائية):

أ ُصيبَ إفَـنـْتُ الرُّوم ِ فَارْتاعَ قوْمُهُ وأضْحَتْ بِطاحُ الرُّشْدِ وهْيَ أواعِثُ
تــَــجَرَّعَ صـابَ الــموْتِ لاَدَرَّ دَرُّهُ فأيْدِي المَنَايَا كَيْفَ شَاءَتْ عـــوابـِتُ
أصابَتْهُ مِن صَرْفِ الزٌَمَان ِ مُصيبَة بهَا المـَـوْتُ عـاثٍ فـي حِمَاهُ وعَائثُ
ســـِــهَامٌ مِن الأيـّـَـام ِ فـيــهِ ـنَوافـِــذٌ {وفي} عُقَدِ السّرْبِ المَرُوع ِ نَوافِثُ

١.٣. علاقات يوسف الثالث ببني مرين
حدث غارة من أهم غارات بني مرين ضد الاندلس عام ٨١٣/١٤١٠، في السنة التي وقعت فيها فتنة بجبل طارق أسفرت عن انتقال هذا الموقع الاستيراتجي إلى فريق بني مرين ومنذ ذلك الحين وإلى ٨١٧/١٤١٥ اشتدت الحرب حول السيطرة على المضيق فآذى كلا من المتحاربين الاخر ووهنا. ندب أبو سعيد عثمان الثالث ، ملك فاس حينئذ، اخاه عبد الله، المسمى كذلك سيدي عبو، بحفظ جبل طارق خلال الحصار، ربما لكي يتخلى عنه. سطا سيدي عبو على الاندلس متحفزا وانتصر على صخرة جبل طارق وعلى مربيليا Marbella وقرى أخرى في جبال رندة وأرسل ابو الحجاج يوسف سعيد الامين لدفاع حقوق النصرية وأجبر سيدي عبو على اللجوء الى الصخرة وقضى هناك ثلاث سنوات وهو منعزل بدون نصرة فاسية منذ ٨١٥/١٤١٢ . وبدا نجاح حملة المغاربة الاروبية أبعد في ظل هذه الظروف، وقال ابن فركون (ديوان ص ٧١من المخطوط؛ بحرها الخفيف، سينية):

صار إرْثـًا منَ الغـَنِيّ لِعَلـْيا ئِكَ ما شادَهُ عَلِيٌّ وَفارِسْ

وأشار إلى الزمان الذي عاد به محمد الخامس الغني بالله من منفاه المغربي والحلفاء الذين نصروه على مغتصب عرشه الذين احتلوا جبل طارق والملك الغرناطي وجبت عليه استعادته بالقوة ووجد نفسه يوسف الثالث حينئذ في نفس الموقع والحصن تحت يد عدوه.
وعثمان الثالث، لما هزم اخوه واعتقله يوسف الثالث اخيرا، اقترح موته على بني نصر لكي يتجنب المزعجات المستقبلة في أرضه ولكن رفض يوسف وفضّـل استغلال أوضاع بني مرين لمحاولة الانقلاب ضد مملكة فاس. وما زال يوسف يرسل الاموال والرجال إلى شمال إفريقيا كلما ظهرت اشارة المقاومة ولأجل الفتنة بين ابي سعيد والسعيد (انظر في ما يلي) تمرد عليهما زعيم البربر يعقوب بن عبد الله الخقاني وصار يأمر بالمعروف وينهي المنكر وأعده يوسف وحاصر فاس سنة ٨٢٤/١٤٢١ .
ومحمد ابن شريفة ينسب هذه الحملة في جبل طارق إلى شخصية غامضة يسميها ابن فركون "الرئيس البائس"؛ أما زعيم الفتنة المغربية التي كانت تحدث في نفس الاوقات فكان ولي العهد المريني، محمد ابن عبد العزيز ابو الحسن المسمى بالسعيد وقد خـُـلع من عرش ابيه وهو في الثانية من عمره، وتسلط على المغرب ابو حمو موسى في محرم ٧٧٦/ يونيو ١٣٧٦. ولجئ إلى مالقة مع أسرته وعاد بعد ٣٨ سنة طالبا حقه في العرش الفاسي ودعمه يوسف الثالث الذي بعد حوادث جبل طارق اتخذ استعدادات المناوشات والغزوات ضد فاس ويوحد من جديد المملكتين، ويزود بالاسلحة فريق السعيد . قال ابن فركون (ديوان ص ٥٢ من المخطوط؛ بحرها الطويل، عينية):

وَكـَمْ مِنْ يدٍ بَيْضَاءَ طـَوَّ قـْـتـَها فـَـتـًىإلـــى مَنْزِلِ "البَيْضَاءِ" قد أعْمـَـلَ الرُّجْعَا
دَرَأ ْتَ بِهِ في صَدْرِ كـُــلِّ مـُـعــَـانِــدٍسـِـهـَـامُ الــْـمـَـنـَـايـا نـَحـْوه أُحْكِمَتْ وَقـْعَا
ولله مِنْهَا مُنـْـشــآتٌ قــد ارتــــَمــَــتْعـَـلـَى اللـُّـجِّ رَفْعًا حينَ أحْـكـَمْتـَها وضْعَا
سَرَتْ وظلالُ الأمْن ِ واليُمْن ِ فـَوقـَها فَأَحْسِنْ بِهِ مَسْرًى وأَنْجــِـحْ بـِـهِ مـَـسـْـعــا

وهكذا دخل السعيد تازة في ذي القعدة ٨١٣/مارس ١٤١١ عندما حصر يوسف جبل طارق. قال ابن فركون (ديوان ص ٥٤؛ برحها الخفيف، تائية):

ولـَقـَدْ جاءَتِ البَـشائِرُ حَـتـَّى أعْذبَتْ مَوْرِدَ السُّرُورِ وأحْـلـَتْ
بِعُلاَك السَّعيدُ مـُـلـّـِك أرضًـا لـَكَ ألـْقــَتْ ما عِنْدَها وتـَخـَلـَّتْ

وكان معه ابنيه المسعود وعامر. هذا استولى على طنجة مع جنود الاندلس وذاك نزل على الحزيمة (ديوان ص ٨٨؛ بحرها الطويل، قافية):

نَضَيْتَ عَـلـَى الأعْداء ِ مِنْهُ مُشَهّرا ً وأرْسَـلـْتَ مِنْ نَخْـلـَيْهِ سَهْمَيْنِ فـُوِّقـا

وقد كان اقتراب السعيد من فاس لا يمكن وقفه بفضل معاهداته باتباع ابي سعيد ولكنهم خانوه على ابواب العاصمة وامتثلوا لاوامر ابي سعيد عثمان من جديد. استعان السعيد بيوسف الثالث وهذا لم يجب طلبه فالمحاربان سلطان فاس والمرشح يتفقا على السلام وتقسيم الاقاليم . وأنشد ابن فركون في عيد الاضحى ٨١٥/ ١٣ مارس ١٤١٣ (ديوان ص ١٠١، بحرها الطويل، هائية):

ولـَمَّا ـتوالـَتْ فِتـْنَة ُ الْغـَرْبِ واعْتـَدَتْعَلـَى أَهـْلِهِ في كـُـلِّ حَـتـــَّى طـُـغاتـُها
وما اتـّفـَقـَتْ إلا ّ عَلـَى صُحْبَة الرَّدىكـَما اخْتـــَـلـَـفـَتْ آراؤهــا ولـُغاتـــُتها
دَعَتــْكَ لِعَقـْدِ السّلـْم ِ بَيـْـنَ مُـلـــُوكِــها أكـَارِمُ حــيّ في يَدَيْكَ حَياتـــــــــُهــــا
فأصـْــــدَرْتَ لـلامـْلاكِ مِـنـْكَ أَوامِرًا إذ َا نُطِقــَتْ في الحَفـْل ِ طالَ صُماتـُها

انتهى الحادث في محرم ٨١٦/ابريل مايو ١٤١٣، عندما وقع السعيد سكرانا على خندق قطع رجال ابي سعيد رأسه. وهكذا وبعد رجوع جبل طارق لمملكة غرناطة أمكن التوقيع على الهدنة بين أبي سعيد وبين يوسف وبدأت فترة الجوار الطيب. فكتب ابن فركون في عيد الأضحى لذلك العام/١ فبرير ١٤١٤ (ديوان ص١٠٨؛ بحرها الطويل، هائية):

وَجاءَتْ مَرينٌ مِنْ أقاصي بِلاَدِهَا فـَكـَانَ لـَدى مَوْلـَى الْمُـلـُوكِ حــُـلـُولـُها
تـَحُـلُّ مَطـَاياهَا بـِهَا مِـنْ جـَـنـَـابِهِ مـَـنـَـازلَ عـِـزٍّ ليسَ يشقـَى نـَـزيلـــُـهـَا

١.٤. وفاة يوسف الثالث
كان الملك يوسف الثالث مريضا منذ عام ٨١٤/١٤١١ حسب ما يقول لنا ابن فركون وقد توفى بسبب سكتة دماغية في ٢٩ رمضان ٨٢٠/ ٣١ اكتوبر ١٤١٧ إثر رحلة إلى شلوبانيا Salobreña وكان سنـّه ٤١ سنة. وقد أهدى إليه الشاعر ابن فركون مرثية مفقودة وأغلب الظن أن هذه الابيات المنقوشة على بلاطة الملك الضريخة من نظم ابن فركون أيضا :

وإنّ ابنَ نصْر ٍ وارثَ الـمـلـْـكِ بَعـْـدَهُ لأعْـلـَى مُـلـُـكِ الأرْض ِ أيَّدهُ الله ُ
هُوَ المُنْعِمُ الأرْضَى هُوَ الغالِبُ الـّـذي حَمَى المُـلـْك منْ إتـْـلافِهِ وتـَلافاهُ.