الثلاثاء، ذو الحجة 07، 1425

الحاشية ليست هي الشعب - طارق جابر

البيئة السياسية الحالية وما تفرزه من مؤسسات حكم ودولة، وفي القلب منها قيادات الحزب الحاكم ومجلس الشعب ومجلس الشورى، تجعل من كل هذه المؤسسات والأجهزة بمثابة الحاشية من الحاكم، وهو ما يجعل الريب والظنون تعتري المرحلة الأولي من مراحل تسمية المرشح لمنصب رئيس الدولة، إبان إنتهاء الفترة الحالية من ولاية الرئيس بنهاية العام الجاري.



لقد بدأت مؤسسات الدولة وقيادات الحزب الحاكم في عزف وترديد نغمة التجديد والبيعة لولاية خامسة، في وقت يعاني فيه النظام والدولة والشعب مأزقا حقيقيا علي كافة المستويات، ما يجعل من إعادة صياغة نظام الحكم وتطوير الدولة والإذعان للشعب حتميات لا خيارات في الوقت الحالي.



من هنا نجد من الواجب التمييز والتفرقة بين ما تردده الحاشية، رغم كبر حجمها وسعة رقعتها، وبين ما يريده الشعب مع نهاية الولاية الحالية لرئيس الدولة ويتأمله مع بداية ولاية جديدة قد لا يكون لدي الشعب ذات التصور الذي يتروجه لها الحاشية.



والسؤال الملح هنا هو هل تحتمل ما وصلت إليه البلاد من ظروف أن تستمر ممارسة اللعبة السياسية علي ذات المنوال، وقيام الحاشية بدور الشعب، مع وضع الشعب في الكواليس؟



الإجابة دون شك هي لا، لا الظروف الحالية للبلاد تسمح بذلك، ولا عاد في طاقة الشعب أن يلزم الكواليس لحين حشد قطعانه في زفة الاستفتاء المعهودة.



اللحظة هي لحظة حقيقة بإمتياز، بمعنى أن هامش تجاهل الواقع وتجاوزه بتغييبه أو بتزييفه لم يعد يكفي لبقاء الوضع في حالة استقرار مأمون العواقب.



حتي نفهم ذلك لابد أن نعرف أن النظام في أي دولة يوقم بمقام الدماغ في جسم الانسان، وبينما يموج الواقع بالتطور والتغيير فإن استمرار النظام ونجاحه يبقى مرهونا بحيويته وقدرته على تنظيم هذا الواقع وإبتداع القوالب والوسائل لإعادة صياغته فى أشكال مقننة ومنظمة، فإذا فقد النظام الحيوية والمرونة وتخطى واقع الحياة المتدفق تبدلا وتغيرا أفق النظام وقدرته على التنظيم والتناول والتقنين، في حالة كهذه يكون الحال أشبه برداء يضيق على لابسه، أو إناء يتصدع من فوران وتدفق ما فيه، فيتسع الخرق على الراتق وتكون النتيجة المتوخاة هي إما تمزق الرداء حتى يتمدد الجسد أو تكسر الإناء وإنسكاب محتواه كيفما أتفق.



هذه العواقب هي آخر ما يرغبه أي طرف من داخل أو خارج اللعبة السياسية، ولا يدعي مدعي أن أحدا يرغب أو يهدف إلى تصعيد الأمور في إتجاهها، غير أن تيار الحياة وما يتولد عنه باستمرار غير منقطع من ظروف وضغوط وأوضاع وملابسات واحتياجات، كل ذلك إذا لم يجد العقل الدماغ الذي يعقلنه ويحتويه دون عسف أو جبر، ودون كبت أو قهر، فإنه سيعصف لاشك بكل شيء ويزيح من طريقه كل عائق ليتيح الفرصة أولا لطاقاته المكبوتة وضغوطه المطمورة وحاجاته المستعرة حتى تتمدد وتتنفس وتنطلق، ثم ثانيا ليخلق واقعا جديدا تكون أنقاض ما تهدم إحدى مواده الخام، مضافا إليها ما يتشكل من وعي وطاقات ورؤى جديدة.



المسألة إذن شديدة الخطورة والتعقيد، وهي جديرة بأن تلفت نظر القيادة السياسية بتحري الحقيقة بأن تتجاوز بنظرها أو بصيرتها حجب الحاشية وجدر البطانة حتى تخرج رؤيتها من شرنقة الصور الزائفة والمزينة لترى الواقع على ما هو عليه، رحمة بنفسها و بالناس على حد سوءا.



وبعد فليس القصد هنا هو إدعاء معرفة ميول الأغلبية من جماهير الشعب نحو مسألة تجديد الولاية للرئيس الحالي لفترة خامسة، ولكن غاية القصد هي لفت الأنظار إلى أن إجراءات تسمية وتصعيد مرشح الرئاسة علي صورتها الحالية تعكس إرادة ورغبة فئات هي أقرب إلي صفة الحاشية والبطانة منها إلى عموم الشعب، وأن الخطوة الوحيدة التي يتم الرجوع فيها إلى الشعب، وهي الاستفتاء، تخضع بدورها لنفوذ وهيمنة الحاشية والبطانة، فضلا عن أنها لا تحمل للشعب أي خيارات أو بدائل حقيقة، وهي مسائل قد آن الأوان لتجاوزها للوصول إلى حكم يعبر حقيقة عن ميول وإختيارات الناس، وليس حكم يتم تدويره في حلقات مفرغة بواسطة حاشية السلطان وبطانته.



سيادة رئيس البلاد لا يدع فرصة لا يتحدث فيها عن أعباء الحكم وضريبته الفادحة، وهو دائم التعبير عن زهده في الحكم الذي لم يكن ليقبله لولا رغبة الناس وإلحاحهم، ونحن نقدر للرئيس صدقه وصراحته وحرصه على إحتمال المكروه – وهو الحكم – نزولا على رغبة الشعب، وإن كان كل ما نرجوه من سيادته أن يتحرى ويرضخ فعلا لرغبة الناس، وليس الحاشية، وقد وجدنا أن البون بينهم شاسعا، لاسيما وأن هناك مؤشرات كثيرة على أن رغبة الرئيس في التخفف من أعباء الحكم تتطابق مع رغبة الشعب في التغيير والحرية.