الثلاثاء، ذو الحجة 07، 1425

مسلسل محمود المصري وتاريخ الحركة الشيوعية الثالثة - الهامي الميرغني

منذ انتحرت الحركة الشيوعية الثانية وحلت تنظيمها المستقل وانضوت داخل تنظيم الناصرية " الاتحاد الاشتراكي " والتنظيم الطليعي ظلت مصر منذ منتصف الستينات وحتى منتصف السبعينات تعيش بلا تنظيم شيوعي رغم أن بعض الحلقات رفضت الحل وراحت تبحث لها عن راية توحدها وتحلق الشباب في حلقات ماركسية جديدة راحت تدرس أوضاع الحلف الطبقي والثورة المصرية.
وكانت هناك على مدي سنوات الستينات وحتى منتصف السبعينات العديد من الحلقات الماركسية التي عكفت على دراسة تجربة الحركة الثانية وتقييم التجربة الناصرية ، فجاء ميلاد الحركة الشيوعية الثالثة مع مطلع السبعينات حين تحول " تنظيم شروق" في منتصف السبعينات بعد توحده مع عدة حلقات صغيرة أخري إلى الحزب الشيوعي المصري ، والتقاء المجموعة التي رفضت الحل مع شباب منظمة الشباب وظهور الحزب الشيوعي المصري 8 يناير ، وتحول " تنظيم شيوعي مصري " إلى حزب العمال الشيوعي المصري ، واعترفت الأممية المسكوفية بالحزب الشيوعي المصري ممثلا للشيوعيين المصريين ، بينما طرح حزب العمال ضمن وثائقة وثيقة بعنوان ضد التحريفية السوفيتية والجمود العقائدي الصيني ليحسم اتجاهين في الحركة الأول يمثله المصري بتراثه وكوادره القديمة والثاني راديكالي يمثله العمال و8 يناير بكوادره الشابة ورؤيته المغايرة لطبيعة السلطة الناصرية.

وعندما تفجرت الحركة الطلابية في الجامعات المصرية كانت الكوادر الشابة على رأس تلك الحركة فمنحتها الكثير من القوة والزخم وأصبح الاتجاه الشبابي الذي ولد من رحم الحركة الطلابية أو ما يعرف بجيل السبعينات هو القائد للاتجاه الراديكالي في الحركة والذي تبلور من خلال ثلاث تنظيمات رئيسية هي حزب العمال الشيوعي المصري والحزب الشيوعي المصري 8 يناير ومجموعة الثورة الدائمة ( التروتسكيين ) ، ثم حدثت عدة انشقاقات راديكالية من الحزب الشيوعي المصري خرج خلالها تنظيمي "المطرقة" و" المؤتمر " وتوالت الأحداث بعد ذلك مروراً بتشكيل نادي الفكر الاشتراكي وأسبوع الجامعة والمجتمع عام 1976 ومظاهرة 26 نوفمبر ثم انتفاضة 18 و19 يناير وما أعقبها من ضربات متتالية استمرت حتى منتصف الثمانينات.

والآن بعد مرور أكثر من ربع قرن علي تلك الأحداث وبعد أن غيب الموت العشرات من قادة الحركة الثالثة وبعد أن تراجع العشرات عن طريق الشيوعية وتاهو في دروب الحياة الوعرة ، وبعد أن ولدت تنظيمات شيوعية جديدة مثل حزب الشعب والاشتراكيين الثوريين وتغيرت الخريطة وأصبح الكثير من الوقائع في ذمة التاريخ . أصبح من الضروري على أبناء جيل السبعينات كتابة تاريخ الحركة التي عايشوها وعاصروها قبل أن يغيبنا الموت والنسيان ، علينا أن نقوم بجمع وثائق التنظيمات الشيوعية ونشرها باعتبارها جزء من التاريخ وهي ملك للأجيال القادمة وليست حكر على احد ، لقد أصبحت هذه التجربة النضالية في التاريخ ومن الواجب دراستها واستخلاص الدروس والخبرات المفيدة لبناء مشروع التغيير الثوري

لقد اكتشفت خلال مناقشات مع بعض الأصدقاء أن كثير من الوقائع بدأت تسقط من الذاكرة وكذلك بعض الأسماء وذلك هو فعل الزمن الذي لا يقهر ، وهذه التجربة تحتاج إلى التوثيق قبل أن يطويها النسيان ، من حق الأجيال الجديدة أن تقف على حقيقة ما حدث وتقيمه وتتفحصه لتستخلص منه الدروس والعبر ، ولقد أصبحت المعارك والأشخاص أحداث في ذمة التاريخ وحدث في مثل هذا اليوم ،من المهم أن نقيم معاركنا الناجحة وتجاربنا الملهمة وإخفاقاتنا وأخطائنا، كيف تعاملنا مع الأحداث وكيف واكبناها ، كيف كانت مواقفنا السياسية وتكتيكاتنا الجماهيرية ، كيف نمت وتطورت هذه المنظمات وكيف دخلت الأزمة وكيف انفجرت وكيف اضمحلت وانزوت يجب أن تعرف الحقيقة التي يخشى البعض من نشرها ، لقد قدمت المرحومة أروي صالح رؤية هامة لتلك الفترة ومن الضروري استكمال هذا الجهد وتقييم كل جوانبه وسلوكيات أبطاله بإيجابياتها وسلبياتها، يجب توثيق كل ما حدث قبل أن يداهمنا الموت القادم في أي لحظة.

لقد أثار هذه الهواجس لدي احد المسلسلات التي عرضت خلال شهر رمضان وهو مسلسل "محمود المصري " تأليف الدكتور مدحت العدل وإخراج مجدي أبو عميرة وبطولة الفنان محمود عبد العزيز وتعرض المسلسل خلال أحداثه للكثير من الوقائع المرتبطة بتاريخ الحركة الشيوعية الثالثة بدء من اعتصام جامعة القاهرة عام 1972 ونشاط الحركة الشيوعية في السبعينات حيث قامت الفنانة مي عز الدين بدور عضو بحزب العمال الشيوعي المصري وهي المرة الأولي التي تتناول الدراما المنشورة وقائع من الحركة الثالثة ، ولكن يوجد عليها عدة ملاحظات منها:

ـ إن الدراما لها خصوصية ومتطلبات خاصة قد تجعل منها بعيدة عن الواقع وهي تختلف عن التأريخ ورغم ذلك عرض المسلسل لبعض الوقائع المغلوطة التي كان ينبغي تدقيقها خاصة وأن مدحت العدل ومحمد العدل هم من أبناء جيل السبعينات ولكن ربما تكون هذه رؤيتهم!.

ـ جاء ضمن المسلسل أن طلاب جامعة الإسكندرية انضموا لطلاب جامعة القاهرة وهم الذين قادوا الاعتصام في جامعة القاهرة بينما كانت هناك لجنة وطنية لطلاب جامعة القاهرة يقودها الزميل أحمد عبد الله وزملاء آخرين متعهم الله بالصحة وإذا كان الموت قد غيب الزميلة سهام صبري فإن واجب باقي الزملاء هو تسجيل تلك التجربة للأجيال القادمة. لقد كانت هناك حركة طلابية في جامعات عين شمس والإسكندرية وأسيوط ولكن قيادة الاعتصام كانت لطلاب جامعة القاهرة على عكس ما عرضه المسلسل.

ـ ركز المسلسل على حزب العمال الشيوعي المصري في الإسكندرية وعرض عدة مشاهد لاجتماعات ومحاضرات للحزب كانت تحضرها مي عز الدين ، وفى الواقع كانت الإسكندرية في السبعينات قلعة كفاحية حيث كان الزملاء جمال عبد الفتاح والمرحوم تيمور الملوانى وزملائهم على رأس الحركة في جامعة الإسكندرية ، كما كان الزملاء فتح الله محروس وسعيد ناطورة وسط التجمعات العمالية التي عرفت تجربة من أهم وأنضج التجارب العمالية وهى لجان مندوبي الغزل والنسيج ولكن هذه الوقائع تحتاج إلى توثيق لتقيمها والاستفادة من خبراتها.

ـ عرض المسلسل لعلاقة عاطفية بين عامل نسيج وطالبة وهو شكل من العلاقات التي كانت سائدة خلال السبعينات ولكنه قدم العامل بشكل انتهازي ، وعقب خروجهم من المعتقل في قضية 18 يناير سافر مع زوجته إلى بولندا وهو أيضا سلوك كان سائداً في نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات ولكنه فاجأنا بالبطلة الشيوعية التي اعتقلت في 1972 و1977 مومس في بولندا تبيع نفسها لمن يدفع وفق اتفاق واضح المعالم كما قالت حتى استعادها البطل الأسطوري محمود المصري!!.

من حق مدحت العدل أن يقيم الحركة الشيوعية بطريقته ، ومن حقه أن يقدم النموذج الشيوعي بهذا الشكل الفج القبيح ولكن هل من المفترض أن نصمت على ذلك ، هل كل الشيوعيين تحولوا إلى مومسات ورجال أعمال فاسدين وهل كل الشيوعيين باعوا القضية؟!!!!

لقد وضعنا هذا المسلسل أمام حقيقة هامة وهي أن هذه المرحلة هي الآن في ذمة التاريخ وإذا كان البعض يخشى النشر لاعتبارات أمنية ، فلقد زالت هذه الاعتراضات وأصبحت هذه التنظيمات في عداد التاريخ مثلها مثل حدتو ومشمش وع .ف وغيرها ومن الواجب أن نسجل ونؤرخ لتلك الوقائع قبل أن نغفو للمرة الأخيرة ولا نستيقظ .

إنني لا أريد لابنتي أن تشاهد كل تاريخي وسنوات عمري هباء مع مومسات وفاسدين ومتسلقين . بل يجب أن تعرف انه يوجد شرفاء لا زالوا قابضين على الجمر وشرفاء رحلوا وهم حاملين قضايا أمتهم وحلم العدالة والحرية الذي لا يموت ، لقد أخطأنا أخطاء كبري فنحن بشر ولسنا ملائكة ومن لا يتعلم من تجاربه لا يستحق أن يعيش ، فهل آن الأوان لنسجل تاريخنا قبل أن يضيع وقبل أن تشوهه الدراما وتحولنا إلى مجرد شباب طائش أخطئ الطريق ثم تاب وأناب وعاد إلى أحضان المجتمع .أتمنى أن نتحرك قبل فوات الأوان فالزمن لن يمهلنا كثيراً.