الثلاثاء، ذو الحجة 07، 1425

ما لم يسأله عماد اديب للرئيس - محمد شاهين

كنت إلى فترة قصيرة مضت من المبهورين بعماد الدين أديب .. وكنت حريصا جدا على متابعة برنامجه "على الهواء" الذي يقدم منه خمسة حلقات أسبوعيا .. ومبعث انبهاري قدرة الرجل الجبارة على الحوار الهادىء والمثير في ذات الوقت مع ضيوفه الذين كانوا يمثلون كافة أطياف المشهد السياسي والديني والفكري على امتداد مساحة الوطن العربي بدءا من رؤساء الوزارات والوزراء مرورا بالسياسيين والمفكرين وكبار الصحفيين وانتهاء بالممثلين والمطربين الصاعدين .. حتى عندما كان يستضيف فنانين أو أطباء أو غيرهم من غير السياسيين أو المفكرين كانت الحوارات والأسئلة تتسم بالعمق والشمول والتنوع يجعل المشاهد لا يخفي إعجابه بأديب وثقافته الموسوعية .. ولا يتمنى أن تنتهي الحلقة، كما كان يحدث معي كثيرا ..

أعرف أنه يستعين بفريق متميز من المعدين الذين يحيطونه علما بكل ما يتعلق بالضيف أو الضيوف .. إلا أن قدرات عماد أديب الفكرية وثقافته الواسعة وأسلوبه الفريد في الحوار جعلته – في رأيي – أهم محاور عربي على الإطلاق ..

كثيرا ما كان أديب يتبنى الآراء المخالفة لآراء ضيوفه مبررا ذلك – لضيوفه – بأنه يريد أن يكون على الطرف الآخر كمحاور فقط يتبنى وجهة النظر المعارضة لوجهة نظر الضيف ليطرح أسئلة تتبادر إلى ذهن فئة من المشاهدين .. ومن أقواله المأثورة أنه في بعض الأحوال لا بد أن يتقمص دور "محامي الشيطان" .. وكان الرجل دائما منحازا إلى الديموقراطية والليبرالية .. يبدو مهموما بها .. داعيا إليها سبيلا وحيدا لنهضة الأمة وخروجها من هذا النفق المظلم الذي تتخبط فيه ..

كنت أعتبر الرجل محاورا فذا لا يشق له غبار .. صحفيا يجب أن يأخذ موضعه كواحد من أعظم صحافيي مصر والعالم العربي .. مفكرا ليبراليا منحازا إلى الديموقراطية وحقوق الإنسان .. وكنت أتعجب كيف يستطيع أن يقدم برنامجا حواريا يوميا على هذا المستوى ويرأس في نفس الوقت تحرير ومجلس إدارة عدد من المجلات والصحف .. وكان هذا مبعث انبهاري بالرجل وقدراته ..

وكانت الصدمة عندما وجدت أن الرجل أصبح العراب الأول في مصر لتلميع جمال مبارك .. وأنه أصدر صحيفة "مش فاكر اسمها لدلوقتي والله" .. يكتب دائما في افتتاحيتها كثير من الغزل والهيام بقدرات السيد جمال مبارك ومواهبه وما ستجنيه مصر مبارك عندما يكون وريثها جمال مبارك ..!!! .. وقع الرجل من عيني .. وصدمت فيه كما صدمت في كثير من نخبة مصر .. التي أصبحت في رأيي، نخبة مصر المدجنة، إلا قليلا ..

أعرف أنني أطلت في المقدمة والاستهلال ولم أدخل بعد في الموضوع .. والموضوع يا سادة – كما تعلمون- جاء في إطار إسهال الأحاديث التي أمطرنا بها سيادة الرئيس في الفترة الأخيرة .. عندما قطع التلفزيون مباراة مصر وأوغندا في كرة القدم ليقدم لنا اتصالا تليفونيا من الرئيس ببرنامج "البيت بيتك" .. الشاشة تحتوي على مذيع ومذيعة ظلوا طوال الوقت "مشدوهين معجبين" .. وعلى الأريكة الأخرى يجلس عماد أديب وعلى الخط صوت الرئيس .. ولا أعرف حتى الآن هل كان عماد أديب ضيفا على البرنامج ثم اتصل الرئيس بالبرنامج فحاوره عماد أديب بالصدفة .. أم أن عماد أديب كان يقدم البرنامج مع المذيع والمذيعة "المذبهلان" .. أم أن الموضوع كله كان مرتبا ليبدو كذلك وأنه لا يعدو كونه فبركة وكذبة إعلامية كعادة إعلام الريادة الصفوتي ..

توقعت أن يسأل عماد أديب الرئيس عن أحوال مصر التي تدهورت .. وعن مكانة مصر التي تضعضعت .. عن انتشار الأمية والبطالة .. عن استشراء الفساد والمحسوبية .. عن الانتماء الذي ضاع .. وعن الهمم التي هزمت .. وعن المواطنة التي فقدت .. توقعت أن يسأله عن ملايين اليائسين الذين لا يجدون قوت يومهم .. عن الوعود الزاهية والواقع المؤلم .. عن موارد مصر التي تتبدد .. عن الفتنة النائمة بين المسلمين والأقباط وما تحتاجه من وقفة شجاعة من حكماء الأمة من الطرفين لإزالة مظاهر الاحتقان والتربص من أجل حاضر مصر ومستقبلها .. عن وعن .. مئات الأسئلة التي كنت أتوقع أن يسأل أديب الرئيس عن بعض منها .. وقلت إنها فرصة للرجل أن يثبت أن نخبة مصر لا تزال بخير وأنها ستقول للرئيس ما يجب أن يقال وليس ما يحب أن يقال ..

لم يتقمص عماد أديب – كعادته – دور محامي الشيطان .. لكنه ارتدى ثوب المحامي حسن سبانخ في فيلم عادل إمام الشهير .. كانت أسئلة عبارة عن تدليس مغلف بغلاف الشجاعة الزائفة ..

بدأ عماد أديب البرنامج بوصلة نفاق بايتة وسخيفة ومكررة بأنه يختار الرئيس شخصية عام 2004 وكل عام .. مفهوم طبعا .. !!!!

سأل عماد أديب عن المشكلة بين المسلمين والأقباط .. وأجاب الرئيس عن مصارين البطن اللي بتتعارك .. وأن هذا شيىء طبيعي .. وأن مسيحي ومسيحي بيتخانقوا ومسلم ومسلم بيتخانقوا ومسلم ومسيحي بيتخانقوا .. وإن الموضوع الأخير ده هايف بس كبروووووه !!!!! إلى آخر الدرر التي قالها الرئيس ..

لم يسأل أديب عن الفتنة النائمة وعن الأسلوب الردىء الذي عولجت به الأزمة الأخيرة .. وعن مطالب الأقباط .. وعن الدور السياسي الذي لعبته الكنيسة في الأزمة ولا يجب أن تلعبه .. وعن رضوح الدولة بجلالة قدرها لهذه الضغوط .. ولم يوضح للرئيس أهمية أن يجلس حكماء الطرفين سويا وأن يخرجوا بقرارات ملزمة للدولة تلقى قبول الجميع لننزع فتيل الفتنة ونزيل أسباب الاحتقان من أجل مصر الوطن والإنسان .. !!!!

بعدها سأل أديب الرئيس عن الفلسطينيين وأبو مازن وشارون .. وقال الرئيس دررا بهية في هذا الموضوع .. ولم يسأله أديب عن أبنائنا الذين قتلوا .. وبعدها أفرجنا عن عزام مقابل الطلبة الستة .. وما هو مصير باقي المعتقلين المصريين في سجون إسرائيل .. ولماذا لم تتضمنهم صفقة عزام .. !!!!

سأل أديب عن تداول السلطة والمرشحين للرئاسة .. وأجاب الرئيس "يتفضلوا أهلا وسهلا" .. وأن صناديق الانتخاب هي الفيصل .. ولم يسأل أديب عن الدستور الأعرج الذي يجعل الأمر أشبه بتمثيلية عربية رديئة ومملة وأن الأمر محسوم لمن يريده النظام سواء سيادته أو ابنه .. مهما قال الشعب كفاية .. ومهما صرخ الصارخون لا للتوريث .. لم يكن أديب هذا الليبرالي الذي يرى أن هناك ديموقراطية حقيقية تجتاح العالم بأسره .. ولم يقل للرئيس أن مصر تستحق أن ترى وتجرب هذا الكائن العجيب المسمى بالديموقراطية .. لكنه ترك الرئيس يتحدث بطريقته الممتعة حقا عن ترحيبه بالمرشحين وأهلا وسهلا ويا مرحب .. !!!

عماد أديب اللماح الذي تمر الكلمة على عقله فور أن يقولها قائلها سأل الرئيس عن الذين ينوون ترشيح أنفسهم أمامه .. واستمع للرئيس وهو يقول "اللي بدأو معايا واللي هيستنوا معايا" .. ولم يعقب أنه بذلك فإن الرئيس قد حسم أمره وأنه باق باق باق .. على عكس ما يقوله أنه لم يقرر بعد ..!!!!!!!!! وإن اللي هيستنوا مع سيادته هيستنوا على قلب البلد إلى متى ؟؟؟!! ولم يقل أديب للرئيس أن البلد أصابتها الشيخوخة ودب التيبس في أوصالها وأن البلد تحتاج إلى إصلاح جذري ودماء جديدة وأفكار جديدة على كل المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية .. وليس إلى عمليات ترقيع اقتصادية فقط ..

عماد أديب قصدي حسن سبانخ يسأل الرئيس كيف يفصل بين غضبه عندما يشاهد نشرة الأخبار وبين إدارة شئون الدولة ..!!؟؟ .. أنا بصراحة لم أفهم السؤال ولكن الرئيس طبعا بعبقريته المعروفه فهم السؤال .. وأيضا قال كلاما يوزن بالذهب والألماس أنه دائما يقول لنفسه ماذا سيأخذ إذا غضب؟؟ وتجيب عليه نفسه أنه سيأخذ كثيرا إذا لم يغضب .. وبالتالي يصدر قرارا بألا يغضب ..!! وإنه لا بد أن يتحمل "عشان وراه شعب عايز يعيش" .. شايفين الحكمة يا ولاد .. والحق يقال سأل الأخ أديب الرئيس عن رد فعله عندما يرى مظاهرة غاضبة تنادي بقطع العلاقات أو تعبئة الجيش أو أو .. عندئذ أوضح الرئيس صاحب أزهى عصور الديموقراطية أن قمع المظاهرات ده كان زمان .. ثم أثبت ذلك بأنه عندما حدثت له حادثة أديس أبابا لم يقبض على أحد ولم يضرب السودان ولا أثيوبيا .. وأن المسألة ليست "نرفزة" إنما بالعقل والهدوء .. وطبعا الأخ أديب دخل على طول ليوضح أن هناك فارق بين القرار الشعبي الذي قد يهلل له الناس وبين القرار الصحيح المسئول .. طبعا الشعب إيه اللي هيفهم الشعب في أي حاجة .. الشعب ياكل ويشرب بس إن لقى اللي ياكله ..

نأتي بعد ذلك لسؤال أديب عما يحسه الرئيس في كل مرة يقسم فيها قسم الرئاسة ..

فيجيب رئيسنا والساهر على راحتنا .. أن الحكم عملية صعبة جدا وقاسية للغاية ومشاكلها كثيرة وليست مطمعا .. ولم يسأله أديب .. هل من أجل ذلك ومن فرط حنانه وحبه للشعب لا يريد لأحد غيره أن يتحمل تلك الصعوبات وهذه القسوة ..!!؟؟

ويستمر سبانخ .. قصدي أديب في هذا الاتجاه .. ويتضح هدف المقابلة أو الاتصال المفبرك أو المداخلة الملفقة .. عندما يسأل أديب عن ماذا يفقده الانسان عندما يصبح رئيسا لمصر خصوصا وأن الناس قد يعتقدون ان الامر كله مكاسب من ناحية الشهرة والسلطة.. لكن ما هي التبعات والضريبة والفاتورة الكبيرة التي يدفعها الانسان الذي يجلس في مقعد رئيس جمهورية مصر؟

عندئذ يتجلى الرئيس الذي يحترق من أجلنا متحدثا عن صحته وأعصابه التي يهلكها من أجلنا .. وأنه ليس له حياة خاصة ولا أصدقاء ولا أصحاب .. ويا حبة عيني لا يستطيع الذهاب إلى مطعم ولا سينما ..

إلى آآآآآآآآآآآآآآآآآخر هذه الاسطوانة التي جعلت كل المشاهدين يبكون تأثرا ..

لم يسأله أديب .. إيه اللي حايشك ياريس أن تعيش زي الناس .. لماذا لا تنزل إليهم وتتلمس حاجاتهم بعيدا عن المنافقين والمدلسين والذين يزينون له أن كله تمام والحياة جميلة وزي الفل .. لم يسأله أديب لماذا ياريس عندما تنوي الذهاب من مكان إلى مكان وأنت في أي مكان في مصر فإن حياة الناس في طريق ذهابك وعودتك تتحول إلى جحيم أكثر مما هي حجيم ..

ويستمر المشهد الفاشل ونصل إلى الماستر سين عندما يسأل أديب عن "فكرة الاصلاح السياسي الذي يتم في مصر وبالنسبة لمستقبل الحياة السياسية.. عام 2005 عام حاسم.. انتخابات برلمانية واستفتاء علي منصب الرئيس.. هناك اسماء ظهرت علي انها سترشح نفسها امام سيادتكم في هذه الانتخابات.. ما هو موقفكم من الذين يسعون للترشيح امامكم؟" ..

يا سلام يا جماعة على الرد .. فقد قال الرئيس بالنص: "والله يتفضلوا.. يتفضلوا دي حاجة كويسة.. الديمقراطية كده.. يارب يترشح مائة.. انا 'هأزعل ليه'.. انا مزعلش.اولا بالنسبة للاصلاح فنحن لم نبدأ الاصلاح اليوم أو منذ طلب الامريكان.. أنا بدأت الاصلاح من يوم أن توليت الحكم.. ولا أريد الحديث عما كان موجودا وما فعلناه وما هو الاصلاح الاقتصادي الذي نسير فيه ولا يزال. عملية الاصلاح عملية مستمرة لن تتوقف وقد بدأت منذ عشرين سنة وستستمر" ..

لم يسأل عماد أديب الرئيس إذا كانت عملية الإصلاح المزعومة بدأت من عشرين سنة .. كم باقي من السنين حتى نرى ثمرة هذا الإصلاح .. المفروض نصبر قد إيه كمان ؟؟ .. يعني ياريت يدينا معاد واحنا نستنى ..

لم يسأل عماد أديب عن ثمرات هذا الإصلاح الذي بدأ من 20 سنة .. لم يوضح أديب أن البطالة في مصر وصلت لمعدلات مفزعة .. لم يتدث أديب عن التدهور الحاد في كل قطاعات الدولة .. عن انهيار القطاع الصحي والتعليمي عن هروب الاستثمارات وأديب من أعلم الناس بذلك .. ولم يقل أن الفساد في مصر أصبح غولا يمسك برقبة البلد ويوشك أن يفتك بها .. وأن مصر فقدت الكثير من مكانتها وبريقها الذي كان متوهجا في كل الأوقات عربيا ودوليا .. وهل مصر تخلت عن تلك المكانة أم أن سياسية مصر هي كذلك .. وأن الشواهد كثيرة لهذا التدهور في وضع مصر وثقلها ومكانتها .. لم يسأل أديب أسئلة كثيرة كثيرة كثيرة .. أسئلة كانت تقفز في ذهن كل مصري واضحة صريحة جلية .. ولم تغب بالقطع عن عقل وفكر رجل بوزن أديب المحاور الفذ المتمكن الذي أبهرني يوما .. ولكنه كان .. ولكن الحرص أذل أعناق الرجال ..

1 Comments:

At الجمعة, ذو الحجة 10, 1425 12:14:00 ص, Anonymous غير معرف said...

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

ألأخ محمد شاهين
أولا ان مقيم خارج مصر
وثانيا المشكة في انك كنت تحترم هذا الشخص أقصد النكرة الملقب
يعماد الدين و أشهد أنه على عكسه تماما فهو هادم لدين
و لو تبغت اخي الكريم حاقاته من يوم بدأ العمل في قناة أوربيت ، و كيف كان يدافع عن أعمامه من اليهود و ألأمريكان و خاصة قبل و في أثناء و بعد حرب إحتلال الكويت من قبل ألأمريكان ، عفوا يسوناها ألعملاء من كل المستويات بأنها تحرير و لكنها كانت تحرير الكويت من
ألأخلاق - ألفضيله - الدين - النخوه العربيه - و ....لا حصرلها و قد جائت في السياق

إن مافعله هادم الدين
ماهو إلا إمتداد لأفكاره المتسلقه و التي يعسش في مستنقع الرزيله بكل مواصفاتها
و تأكد كم كنت مستاء من ظهور على الشاشه الحبيبه الي و تسميم الناس بكلامه
و قد أفسد كثيرا جدا من عباد الله و أضلهم عن جادة الحق و الصواب
و قد تأسفت عليك اخي محمد انك كنت مغشوشا فيه فترة طويله .....ثم إكتشفت الحقيقه

و أختم بهذه ألكلمات

لقد أمر الله عباده المؤمنين أن يسلكوا صراطه المستقيم ، وأن يسألوه الثبات عليه ، والهداية إليه فلا تقوم لهم صلاة إلا إذا سألوه الهداية لهذا الصراط المستقيم سبع عشرة مرة في الصلوات الخمس ، ولا يتم لهم ذلك حتى يستعيذوا من سبيلين :

• الأول : سبيل المغضوب عليهم ، وهم اليهود . بإجماع المفسرين .

• الثاني : سبيل الضالين ، وهم النصارى . بإجماع المفسرين .

وهذان السبيلان هما منبع الفساد والانحراف .

قال بعض السلف : " من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود ، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى " .

أخوك أبو محمود

 

إرسال تعليق

<< Home