الثلاثاء، ذو الحجة 14، 1425

القاضي منذر وقبة القصر - عبدالرحمن مصطفى

يعتبر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الملقّب بعبد الرحمن الناصر ، هو أول من اتخذ لقب (خليفة) من أمراء الأندلس إلى جانب ذلك فقد كان أحد أقوى الشخصيات في العالم آنذاك ..وتحديدا في أوروبا

، حيث كان أحد أهم الشخصيات الأوروبية في تلك الحقبة.

وكان في عصره قاضيا يدعى منذر بن سعيد البلـّـوطي ، له قصة مع الخليفة أتمنى أن أعرضها عليكم بأسلوبي بعيدا عن الأسلوب التراثي التي كتبت به في كتاب (تأريخ قضاة الأندلس ) الذي سماه مؤلفه الشيخ أبو الحسن بن عبد الله بن الحسن النباهي المالقي الأندلسي (كتاب المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا).


وأترككم الآن مع القصة..

[ كان الخليفة الناصر أحد أعظم حكام الأندلس .. وكان من أهم أعماله العمرانية بناؤه مدينة (الزهراء) كعاصمة ملوكية جديدة ، و التي بنى له فيها قصرا كان تحفة فنية ، حتى أنه قد جعل سقف إحدى القباب به مغطى بقراميد مغشاة الذهب والفضة ، حتى إذا ما انعكست عليها أشعة الشمس أحدثت وهجا شديدا ، وأنفق في ذلك مالا كثيرا، حتى أصبحت محل حديث زواره..

ودائما ما كان يدور ذلك الحديث في بلاطه ..

يسأل الناصر : " هل رأيتم أو سمعتم ملكا كان قبلي فعل مثل فعلي هذا أو قدر عليه..؟ "

فتأتي الإجابة : " لا يا أمير المؤمنين.. ! وإنك لواحد في شأنك كله ، وما سبقك إلى مبتدعاتك هذه ملك رأيناه ، ولا انتهي إلينا خبره..! "

حتى دخل عليه يوما القاضي منذر بن سعيد البلوطي .. فسأله الخليفة عن رأيه في تلك القبة المغطاة بالذهب والفضة .. فترقرقت في عيني القاضي الدموع، حتى سقطت على لحيته، وقال للخليفة :

" والله يا أمير المؤمنين، ما ظننت الشيطان – لعنه الله- يبلغ منك هذا المبلغ ، ولا أن تمَكـِّـنـَهُ من قـِبَلـَـك هذا التمكين ، مع ما آتاك الله من فضله ونعمته ، وفضلك به على العالمين ، حتى ينزلك منازل الكافرين..! "

فانفعل الناصر قائلا له : " انظر ما تقول ..! وكيف أنزلتني منزلتهم.. ؟ "

فقال له القاضي : " نعم..! أوليس الله يقول :

" وَلَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) الزخرف "

فوجم الخليفة ، وأطرق مليا ، ودموعه تتساقط خشوعا لله سبحانه ، ثم أقبل على منذر و قال له :

" جزاك الله يا قاضي .. فالذي قلت هو الحق .. "

وقام عن مجلسه ، وأمر بنقض سقف القبة ، وأعاد قرميدها ترابا على صفة غيرها ..]

انتهت القصة ..

و لا أدري لماذا أتذكر دائما تلك القصة عندما يثار الحديث عن استعمال النص الديني.. !

عموما .. لنترك هذا الأمر جانبا ولنعد لقصتنا نتدبّر منها ، ونتعظ .

* فالقاضي منذر فكّر في تصرف الخليفة الناصر ، و لابد أن ذلك قد جعل تلك الآية الكريمة حاضرة أمامه ، فلم يأخذها ليتاجر بها أو يتخذها وسيلة لإضعاف الحاكم ، وتكفيره ، تمهيدا لعزله.

** و رغم قوة الناصر وقدرته في تلك الحقبة التي مكنته كشاب صغير في بداية حكمه أن يدحض كافة الحركات الثائرة والانفصالية التي كانت تعربد في أراضي الأندلس قبل توليه الحكم .. أقول و رغم ذلك لم يعتقل هذا القاضي رغم عنف ما قاله.

*** كذلك.. كان آباء وأجداد عبد الرحمن الناصر من حكام بني أمية قد تعرض عرشهم للاهتزاز مرات عديدة بسبب الثوار و الانفصاليين و الطامحين للحكم في أنحاء الأندلس ، وكان من ضمن هؤلاء أحيانا فقهاء ومتسترين بالدين وقضاة .. ولكن الناصر امتثل لمقولة القاضي منذر لأنها أمرُ الله ، ولأن النصيحة التي جاء بها القاضي إنما جاءت في إطار حديث قد يدور بين اثنين من المسلمين ، فهو نوع من التواصي بالحق من مسلم (قاضي) إلى مسلم (حاكم) .. في الوقت الذي كان فيه حكام أوروبا يطيعون (السلطة الدينية الكهنوتية) وهم صاغرون ، حتى لو أثر ذلك على هيبتهم لدى شعوبهم و أمرائهم..

في النهاية .. أتمنى ألا يظهر من بيننا كهانا من مثيري الفتن ، ومحرضين على إزاحة الحكام بغرض السيطرة على مناصبهم ، تحت دعاوى دينية ، ونصوص دينية مقتطعة..

ـــــــــ

* الأندلس المسلمة : كانت تقع مكان دولتي أسبانيا والبرتغال حاليا ، واختلفت مساحتها ما بين الاتساع والتقلص تبعا لانتصارات المسلمين هناك وهزائمهم ، وقد اختفت سياسيا الآن .. ولم يتبق منها إلا إقليما إداريا بنفس الاسم في جنوب دولة أسبانيا.