الأربعاء، ذو الحجة 15، 1425

حاكم سابقا - طارق جابر

يبدو أن مسألة تداول السلطة في بلادنا تحتاج، بين ما تحتاج إليه - كتأهيل الناس – حسب دعوى الحكام – تحتاج أيضا إلى تأهيل مماثل للحكام حتى يمكنهم تقبل مبدأ تداول السلطة و تصور حياتهم خارج سدة الحكم وكراسي العرش.



مسألة التأهيل للديموقراطية عند من يطلقها تنصب دائما على الشعوب على إعتبار أنها شعوب همجية غير قادرة على إستيعاب الديموقراطية وممارسة الحرية فضلا عن إختيار حكامهم وممثليهم، لذلك فإن هذه الدعوى تنصب وتركز على عملية لانهائية لتعليم وتثقيف والارتقاء بعقل ووعي ومستوى الشعب قبل أن يكون متاحا – دون مخاطر الفوضى كما يزعمون – أن يمارس الديموقراطية ويتمتع بالحرية ويتمكن من إختيار وإسقاط من يحكمه.

ومع ضرورة الاشارة إلى حقيقة أنه حتى بفرض صحة نظرية تأهيل الشعب تلك المقدمة على منحه حقه في الحرية والديموقراطية – ونحن نرى أن هذا التأهيل لا يأتي ولا يدرك إلا من خلال عملية إنتزاع هذه الحقوق وفرضها - فلا بد أن بعرف أن أحدا لا يعمل جديا على بلوغ هذا الهدف، ما يجعل الأمر مجرد مبرر و فزاعة لترحيل مسألة تداول السلطة وسائر حقوق المحكوم في إختيار وإسقاط ومراجعة ومحاسبة الحاكم إلى قيام الساعة.



المهم أنه بعيدا عن مسألة تأهيل الشعب، سواء كانت عبر تلك العملية اللانهائية من التثقيف والتعليم والانضاج أو من خلال كفاح الشعب لنيل حقوقه والوصول إلي مرحلة النضج، فإننا نجد أن الشعب ليس وحده من يحتاج إلى تأهيل لتحقيق الغاية، إذ أن الحاكم يحتاج إلى قدر أكبر من التأهيل والتثقيف والوعي، علما بأن العمل على تأهيل الحكام لا يقل صعوبة عن العمل على تأهيل الشعب.



لعل أول خطوة نحو تأهيل الحاكم لقبول مبدأ تداول السلطة والخروج منها دون تدخل عزرائيل ولا وقوع إنقلاب أو ثورة هي طمأنة الحاكم إلى أمرين، الأول هو أنه لن يلاحق قضائيا على أي جرائم أو تقصير وقع في عهده، والثاني أنه لن يفقد مورد رزقه بخروجه من السلطة.



فعلى المحور الأول يمكن أن تستحدث بلادنا القوانين والتشريعات اللازمة لتبرئة ساحة الحاكم من أي جرائم يرتكبها هو أو أحد أعوانه في زمن حكمه، ومنحه حصانة أبدية مفادها أن الوحيد الذي يحق له مراجعة الحاكم ومحاسبته بعد خروجه من الحكم هو الله عز وجل يوم الحساب.



رغم صعوبة هذا الاقتراح فنحن نثق أن الشعب على إستعداد لبذل هذه التضحية والتنازل عن هذا الحق – حق محاسبة الحاكم عن فترة حكمه حتى بعد خروجه من الحكم – في مقابل حصوله على حق إستبدال الحاكم، وعلى الشعب حتى يوازن بين الأمرين ويقف على جدوى المسألة، عليه أن يتذكر أنه في كل الأحوال لا يملك محاسبة الحاكم، فخير له أن يقايض حق منزوع أصلا في سبيل حق مطلوب، بمعنى أن ممارسة حق إختيار الحاكم مع ترك محاسبته أفضل من الحرمان من كلاهما.



على المحور الثاني وهو كفالة مورد رزق للحاكم خلال سدة الحكم، فلا بد أن يضطلع بذلك خيرة رجال علم النفس ليقنعوا الحاكم بأن الأضواء والمكاسب لن تتوقف بعد الخروج من السلطة، لاسيما وهناك نماذج حول العالم للأنشطة التي يمكن للحكام ممارستها بعد الخروج من السلطة.

من هذه الأنشطة إلقاء المحاضرات وكتابة السيرة الذاتية وتأليف الكتب والعمل في مراكز الأبحاث أو رئاسة الجامعات ومراكز البحث، هذا فضلا عن ضرورة بسط مزايا الحياة المختلفة التي تحرم السلطة من يوقم عليها منها، كالسياحة ولعب الجولف وإنفاق الأموال المكدسة دون مراجعة أو رقابة وكالسير في الطرقات والتسوق وتناول الطعام في الأماكن العامة وحتى الأنشطة الخيرية كجمع التبرعات وحتى الأنشطة الفانتازية كتوقيع الأوتوجرافات كمشاهير العالم إلخ ، ويجب أن يوضع برنامج مكثف وتفاعلي لغرس هذه المفاهيم و الحقائق في ذهن الحاكم بعد أن أطاحت بها وإقتلعتها مفاتن السلطة وأفقها الضيق.



إننا إذا تمكنا من تحقيق هذين الهدفين، تأمين الحاكم جنائيا وأمنيا وماديا ومعنويا بعد خروجه من السلطة بغل يد الدستور والقانون عنه بعد خروجه من السلطة كما هو الحال عن وجوده فيها، وببسط مصادر الرزق أمامه وإقناعه بفكرة أن هناك متع أخرى في الحياة خلاف السلطة ولا تقل عنها بهاءا ورونقا، إذا نجحنا في تحقيق ذلك قطعنا شوطا طويلا لبلوغ الحرية والديموقراطية، وإن بقي أمامنا خطوة أخيرة في غاية الأهمية.



هذه الخطوة الأخيرة تتمثل في إقناع الحاكم أن الشعب لن يتشرد أو يموت أو يقع فريسة الفوضى أو يصبح لقمة سائغة في يد الطامعين، وذلك إقرارا منا بأن عدد كبير من حكامنا إنما يحرم نفسه من سائر متع الحياة ويكرهها على جحيم السلطة من باب مسئولية الأب عن أبنائه ومن باب خشيته على الشعب ومصيره الذي يرى الحاكم أنه سيكون مهدد بالمخاطر والعواصف والأنواء من بعده.



أعتقد أننا – مع الإقرار بسخرية الفكرة – لن نتمكن من تحقيق حلم وجود حاكم سابق في بلادنا يراه الناس يمشي في الأسواق ويجوب الطرقات ويأكل الطعام إلا بتأهيل الحاكم أولا قبل تأهيل الشعب.



أما الخيار الآخر فهو ما يتحاشاه الجميع، الحاكم والمحكوم رغم أنه السبيل الوحيد الجاد لتأهيل كل منهما، وهو الكفاح والتضحية من أجل الديموقراطية والحرية مهما كان الثمن.

2 Comments:

At الخميس, ذو الحجة 16, 1425 7:34:00 ص, Anonymous غير معرف said...

بسم الله الرحمن الرحيم

أولا أود أن أشكر الكاتب على أرائه و أفكاره الجديدة و المبدعة و على غيرته على صالح وطنه و محاولاته الدؤبة إيجاد حلولا لمشكلاته بجرأة يستحق عليها التحية و التقدير.
ثم أود ذكر بعض الأحاديث الشريفة فيما يخص هذا الموضوع، الحكام:

عن أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبى أمية رضى الله عنها عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: انه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون و تنكرون فمن كره فقد برئ و من أنكر فقد سلم و لكن من رضى و تابع، قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم، قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة. (رواه مسلم)
أى من كره بقلبه و لم يستطع إنكارا بيد و لا لسان فقد برئ من الإثم و أدى وظيفته ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية و من رضى بفعلهم و تابعهم فهو العاصي و لكن لا يجب قتال الحاكم طالما أقام الصلاة و المعنى بالطبع أوسع و أشمل، أى طالما أقام حدود الله و حافظ على شرائعه، و الله أعلم. (رياض الصالحين حديث 1 ص 83).

وعن ابن مسعود رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: إنها ستكون بعدى أثرة و أمور تنكرونها، قالوا يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الذى عليكم و تسألون الله الذى لكم.(متفق عليه)
و الأثره الانفراد بالشيئ عمن له حق فيه. (رياض الصالحين حديث 2 ص 32)

و عن أبي هريره عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: كانت بني اسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي و أنه لا نبي بعدي و ستكون خلفاء فيكثرون، قالوا فما تأمرنا؟ قال: فوا بيعة الأول فالأول، إعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم. (مختصر صحيح البخاري حديث 189 ص 158)

و عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية. (مختصر صحيح البخاري حديث 284 ص 207)
و هو يحمل على التنفير من الخروج على طاعة الحاكم و إن كان عاصيا و الله أعلم.

ماذا نستخلص من هذه الأحاديث؟ هل تعنى أن نخضع للحاكم تماما، قيل فيما أطاع الله، و إن بغى نستنكر قدر ما استطعنا، فمن رضى فقد عصى فهو مشارك فى الذنب. و فى هذا المقام يعالج الكاتب طرقا جديدة لمحاولة الحد من بغاء الحكام و إلزامهم بتداول السلطة و عدم التشبث بالكرسي حتى الرمق الأخير. إذ يستعرض أفكارا جديدة لتأهييل الحكام أنفسهم قبل أن يتسلموا السلطة و ذلك بعلاج دوافع هذا التشبث. و ربما كان من المفترض أن يكون هذا هو دور مركز إعداد القادة الفعلي، أي تهيئة القائد -أي قائد- لتولي أية سلطة و ليس فقط ولاية الحكم. تقوم فكرة الكاتب على عاملين هامين كلاهما يتعلق بالآمان: الشعور بالآمان الأدبي و المادي و هو ما يجعل أي صاحب سلطة يتمسك بسلطته. و أنا أتفق معه جزئيا فى تلك الناحية، إذ لابد من إكرام الحاكم بعد إنهاء خدمته جزاءً لما قدمه أيا كان، فهو أيضا يظل يرمز للبلد و إكرامه من إكرامها و لابد من منحه العائد المادي الذى يكفل له استمرار حياته الكريمة. أما فيما يخص منحه حصانة دائمة، فقد يؤدى ذلك إلى العكس، أي إلى استفحال بغاء الحاكم مع طمأنينته إلى الحصانة و لا داعى لذكر أن من يخطئ لا يذكر الله و لا حسابه و إلا لما أخطأ بشر. و لا أتفق معه في أن نتنازل عن حق لمجرد أنه أصبح مكتسبا، و لكن إن كان هناك خلل ما فلابد من إصلاحه بالتدريج و ليس بإبداء بعض التنازولات لإغراء الحاكم على المثول إلى رغبة الشعب أو عمل الصواب!

نغـم الريـس

 
At الثلاثاء, ذو الحجة 28, 1425 11:14:00 ص, Anonymous غير معرف said...

الاستاذة نغم الريس
اود الاشارة الى ان رياض اىالصالحين ليس من الكتب الصحيحة للحديث

حرفوش العشوائي

 

إرسال تعليق

<< Home