الثلاثاء، ذو الحجة 14، 1425

حاجة السوريين الى تجمع مستقل للكتاب والصحافيين - سارة فايز - سوريا

عاشت سورية عقودها الاخيرة في اطار نظام سياسي عمل على تأطير المجتمع بما يسمح له بالسيطرة عليه ومصادرة حقه في التعبير عن نفسه الا بما تسمح حدود ومنطلقات النظام السياسية القائم، وبهذا المعنى، فقد سعى النظام الى تأسيس منظمات اجتماعية ومهنية محكومة بسياسته، وحيث كانت هناك منظمات اجتماعية ومهنية قائمة، فقد جرى اعادة ترتيب هذه المنظمات وفق ما تتطلبه سياسة النظام، والذي حرص باستمرار على وضع هذه المنظمات تحت عينه الساهرة للحد من اية تبدلات في مواقفها، يمكن ان تتعارض مع سياسة النظام على ما حدث للنقابات المهنية السورية في بداية الثمانينات، عندما جرى حل تلك النقابات واعادة تشكيلها مجدداً بسبب اطروحاتها الاصلاحية.
وفي اطار هذه السياسة الرسمية، تم تأسيس اتحاد الكتاب العرب في العام 1969، كما جرى تحويل نقابة الصحافيين السوريين المؤسسة منذ العام 1933 الى اتحاد للصحافيين في العام 1974، وفي الحالتين جرى اعتبار، ان اتحاد الكتاب واتحاد الصحافيين تنظميين حصريين للكتاب والصحافيين السوريين.
وكما كان عليه الحال في تأسيس اتحاد الكتاب العرب من حيث حصر العضوية فيه بالمنتمين الى الحزب الحاكم و"اصدقاء الحزب"، فقد اقتصرت العضوية في اتحاد الصحافيين على البعثيين و"اصدقاء الحزب"، اضافة الى اقتصار العضوية فيه على العاملين في المؤسسات الاعلامية الرسمية بما يعنيه ذلك من تشديد قبضة النظام السياسي على الصحافيين.
وطبقاً لظروف تشكيل الاتحادين، وشروط العضوية فيهما، فقد جرى استبعاد عشرات من خيرة الكتاب والصحافيين المعروفين والذين كانوا في عداد صانعي الاجواء الثقافية في سورية الخمسينات والستينات، والتي تجلت في اشاعة اجواء فكرية وسياسية ونتاجات ابداعية ميزت سورية، التي كان لها حتى وصول البعث الى السلطة صحافة حرة ومتعددة، وفيها عشرات من اهم الاقلام الصحافية، التي فرضت نفسها لاحقاً على الصحافة العربية عندما جرى تهميشها في بلدها.
وكان بين الاثار المباشرة لـ"تبعيث" اتحادي الكتاب والصحافيين السوريين، ان جرى استبعاد المختلفين من الكتاب والصحافيين الذي غالباً ما كان ينظر لهم باعتباره "اعداء" او "عملاء" وفي اقل الاحوال تشدداً باعتبارهم "غير متعاونيين"، الامر الذي منع اتحاد الكتاب ومثيله اتحاد الصحافيين، من ان يصبح منظمة اجتماعية ذات طابع وطني.
غير الاثر السابق، لم يكن وحيداً في تركيبة اتحادي الكتاب والصحافيين، بل تبع ذلك اثر آخر، وهو تسليم الاتحادين الى هيئة من المنتفعين البيروقراطيين قليلي المواهب والخبرات ومحدودي الثقافة، لتولي ادارة الاتحادين، وطوال أكثر من ثلاثين عاماً نادراً ماجرت تغييرات مهمة في رموز هيئة المنتفعين تلك، ولعل استقرار شخصين محددين في منصب رئاسة الاتحادين مثال على ذلك، وان كان ليس المثال الوحيد، حيث بعض اعضاء المكتب التنفيذي هنا وهناك، قائمون على كراسيهم لفترة تقارب فترة الرئيسين.
وقد ترتب على استقرار هيئة المنتفعين في الاتحادين المذكورين، تحويل الاتحادين الى مزرعة شخصية، تدر الارباح على المنتفعين وبطانتهم مالاً وسفراً ومزايا اخرى وسلطات وعلاقات منظورة، واخرى غير مرئية لكنها محسوسة، جعلتهم قادرين على الاحتفاظ بوجودهم رغم كل التغييرات والتبديلات التي شهدتها سورية ونظامها السياسي في العقود الماضية.
وفي سياق السيرة الطويلة لهيئة المنتفعين في اتحادي الكتاب والصحافيين وفي اطار ممارساتهما، فقد كانت الامور الابداعية والمهنية، التي تخص الكتاب والصحافيين السوريين في المراتب الدنيا من اهتمامات قيادة الاتحادين، التي لم تبادر أي منهما الى خطوات من شأنها تطوير القدرات الابداعية والمهنية لاعضائها، بل ان اتحاد الكتاب وفي ضوء التحسن في موارده المالية نشط لاصدار دوريات وكتب عديمة القيمة فنياً وابداعياً، كان اثرها الوحيد هدر امكانيات الاتحاد، وتوزيع فتات من امواله على هيئة المنتفعين واطرهم المقربة لشراء الضمائر، وتقديم رشوات متواضعة في وقت ضاقت فيه سبل الحياة وتزايد فقر العاملين فيالميدان الثقافي، فيما عجز اتحاد الصحافيين طوال حياته عن اصدار ولو نشرة اعلامية، وهو واقع لاتبرره قلة الموارد المالية لدى الاتحاد.
ان حال اتحادي الكتاب والصحافيين السوريين، لم يمنع دخول اعضاء جدد لهذين الاتحادين من خارج شروط العضوية فقط، بل جعل كثير من الكتاب والصحافيين الذين نشطوا في الثلاثين عاماً الماضية، وكونوا اسماءاً مهمة في عالم الثقافة والابداع والفكر والصحافة العربية عازفين عن الانخراط في اطر هذين الاتحادين، مما كرس انقساماً وتمايزاً حاداً في البنية الثقافية والاعلامية السورية، حيث جسدين تنظيميين مترهلين ومحدوي الفاعلية والثأثير، مقابل تشعبات غير منتظمة لكنها نشطة وفاعلة وذات اثر وسمعة.
لقد توالت دعوات الاصلاح في الحياة السورية على مدى السنوات الماضية، وكان الاساس في اصحاب تلك الدعوات مثقفون وكتاب وصحافيون، لم تجد دعواتهم أي صدى لها في الاتحادين العتيدين، وعجز أي منهما عن اتخاذ اية مبادرة اصلاحية باتجاه اعادة صياغة بنيته الداخلية، وبناء وترميم علاقاته مع وسطه وبيئته المحيطة، بل ان تحولات كهذه لايبدو انها يمكن ان تحصل مالم تصدر اوامر من القيادة السياسية، التي وان مضت نحو اصلاحات ما، فان آخر ما سيكون من خطواتها في الهوامش البعيدة ومنها اتحادي الكتاب والصحافيين.
ان واقع الحال في الاتحادين، يتطلب تصعيد الدعوة من اجل اصلاحات حقيقية في الاتحادين، تأخذ بعين الاعتبار احتياجات ومصالح اغلبية الاعضاء، لامصالح القلة التي تجير وجود الاتحادين لصالح النظام السياسي.
غير ان امر التحرك من اجل الاصلاح في اتحادي الكتاب والصحافيين، لايمكن ان يكون مجدياً وفاعلاً دون مثال عملي، يمكن ان يقدمه الكتاب والصحافيون الموجودون‏ بصفة مستقلة خارج الاتحادين من خلال انشاء تجمع للكتاب والصحافيين المستقلين، تجمع ينتظم في صفوفه الذين يشغلهم الابداع والحرفية العاليين دون ان يخضعوا لشروط سياسية وادارية على نحو مايحصل في اتحادي الكتاب والصحافيين.
ولاشك، ان قيام تجمع كهذا سيكون حدثاً مهماً في الساحتين الثقافية والاعلامية السورية، اذ لن يكشف بوضوح واقع البؤس الذي يعيش في ظله الكتاب والصحافيون واتحاديهما فقط، بل يساهم في تقديم صورة اخرى لما يمكن ان يكون عليه الحال من خلال نشاط المعنيين انفسهم وبجهودهم ومبادرتهم الخاصة.