الثلاثاء، ذو الحجة 07، 1425

آجي اقابل بابا امتى؟ - قصة قصيرة - أحمد فؤاد

" آجى أقابل بابا أمتى ؟ " قلت تلك الجملة منتظراً ردة فعلها , كنت سعيداً وأنا أتابع تورد وجنتيها بحمرة الخجل والفرح , آخذتني الذكريات لثلاثة أعوام سبقت تلك اللحظة , لبداية قصة حبنا , مازلنا نعشق بعضاً البعض , ما زال الحب يرفرف داخل قلوبنا , لم يعرف الملل طريقاً لنا , ولم نسمح للمشاكل التي واجهتنا أن تكسر حلمنا الجميل الذي بنياناه بورود العشق والغرام .

كانت ندى هي أحب الناس إلى قلبي , فقد جذبني إليها جمال روحها الأخاذ ورفعة خلقها , وحب الحياة والابتسامة الدائمة على شفتيها , كانت ملامحها تشعرني بالهدوء والراحة.

لطالما كنا نحلم بتلك اللحظة .. أن يجمعنا بيت واحد , كم تعبنا من أجل تلك اللحظة , عام كامل فى العمل الشاق والبحث المستمر , وقد نجحت والحمد لله في الإلتحاق بشركة كبرى , و أهداني أبى شقة جميلة بسيطة , نستطيع أن نبدأ بها حياتنا أنا وندى , شعرت بأن الله قد كافأنا بعد كل المشاق التي عانيناها من أجل تلك اللحظة , و ها قد جاءت أخيرا بعد طول عناء.

ابتسمت وأنا أمسك يدها برفق , نَظَرت إلى بدون أن تتكلم , غمرتني بأرق كلمات الحب بعيناها , ثم سَحَبت يداها بهدوء من يدي بعد أن توردت وجنتاها بحمرة الخجل , وقالت أنها ستنتظرني في الموعد الذي سيحدده أباها .

مرت الأيام سريعة ليأتي اليوم الموعود .. ذهبت حسب الموعد المحدد , و استقبلني والد ندى بابتسامة ودود , وفاتحته في الموضوع مباشرةً , وبالطبع دار نفس الكلام المكرر والروتيني في تلك المناسبات .

ثم بدأ في التذكير بأنني شاب حديث التخرج وبأن الدخل الذى أتقاضاه لن يجعلني كُفئاً لتحمل مسؤولية أسرة –بالرغم من أن هناك الكثير من الناس يتقاضون نصفه ويعيشون به راضيين– واعترض على الشقة التي أملكها بحجة أنها تبعد عن مكان إقامته بمسافة كبيرة , وأنه يتعين على أن أقوم بشراء شقة جديدة في أرقى الأحياء , وأعترض أيضا على إمكانياتي التي لا تسمح له بتحقيق ما يتمناه لابنته , من فرح فاخر في أرقى الفنادق , ومن رحلة لشهر العسل في الخارج , و في تأثيث البيت بآخر الموديلات الحديثة في عالم الأثاث , و شراء أحدث الإلكترونيات .

أخبرنى بأنني مظلوم ككل شباب ذلك الجيل , ولكنه لا يستطيع أن يضحي بمستقبل وسعادة ابنته مع شاب مثلى في بداية حياته .

كنت استمع إليه وكأنني استمع لمسلسل عربي معاد أشاهده لإضاعة وقتي بعد أن مللت منه , ولكنى للأسف في تلك المرة لم أستطع إغلاق التلفاز , بل يجب على أن أظل منتبها لآخر الحلقة , آسف .. أقصد لآخر المناقشة .

دافعت عن حقي وأبديت له أسبابي , وبأنني ميسور الحال ولست متعسراُ كما يصورني , أوضحت له أن السعادة في تكوين الذات مع من أحببتها , وفى ظل حب يجمع قلبينا , ويذيب المشاكل التي سنواجهها , لماذا أتحمل وحدي مشقة الحياة بدون أي شخص بجانبي يشدد من أزرى ويحنو على , ولماذا هي تعيش وحيدة تنتظر إلى أن يتقدم لها شخص آخر ليتزوجها , كم سيمر عليها من الوقت منتظرة , لماذا لا نبدأ حياتنا معاً , لماذا نقتل بداخلنا حب الحياة والصمود معاً في وجه المشاكل التي سنلاقيها , بدلاً من أن يواجهها كل طرف وحيدا , وبعيدا عمن يحبه ويحتاج لقربه ومواساته , وبأن الحياة عندما نبدأها سويا , أفضل من أن نبدأها بعد أن يكون الزمن قد غير مشاعرنا ومر بنا العمر وذهبت زهرة شبابنا في طريق لن تعرف الرجوع منه.

وكأنني أتحدث إلى نفسي , لم يعر كلامي أي اهتمام , وكأن كلامي لا يعنيه , بل أخذ يردد أنه لا ذنب له هذا الموضوع لأنه يريد أن يرى ابنته سعيده –وكأن السعادة تٌشترى بالمال– ولن يتنازل عن هذا أبداً , ثم أسرد لي أسباب شقائنا نحن جيل الشباب .. أن الظروف الإقتصادية هي التي وضعتنا جميعاً في هذا المأزق وتلك المشكلة , وأن ارتفاع البطالة وزيادة التضخم وراء انخفاض قيمة العملة , وبالتالي ارتفاع الأسعار , بما فيها المنتجات الزراعية , والأثاثات والإلكترونيات , وبالتالي على تكاليف الزواج .

لم أفهم أبداً ما علاقة هذا الكلام بموضوعي , أو ربما قد وقف عقلي عن التفكير من عدم تصديقي لما أسمع .

ولكن في النهاية , انتهت المقابلة , بأنه لن يكون هناك زواج,إلا أن وافقت على طلباته , من بيت جديد وأثاث بأرقي التصميمات , و فرح يقام في فندق خمسة نجوم , و .. و.. و..

سرت شارداً في الطريق , دون أي قصد , ظللت أفكر فيما ما حدث تلك الليلة , هل أنا مخطئ لأنني أقدمت على الزواج ؟, هل يجب أن أبلغ من العمر أرذله كى أستطيع أن أتزوج , ما معنى الحياة دون أى هدف , وما معنى تحمل المشقة دون أي شخص يشد من أزرك ؟

نظرت إلى شاب وفتاة تشابكت أيديهما في حب وحنان , فانتابتني نوبة من الضحك الهستيري ,وأخذت أضحك على ما سيصدمون به عندما يعلنون رغبتهم فى الزواج , لا يعلمون بأن هذا الجيل كتب عليه عدم الزواج وذلك لأن الظروف الاقتصادية قد زادت من أسعار كل شئ حتى المنتجات الغذائية.

وظللت أتسائل هل سيؤثر زواجي على اقتصاد بلدي ؟ أم أنه سيؤثر في معدل البطلة وانخفاض قيمة العملة ؟ .. هل فشل زواجي لأن كيلو الطماطم أصبح بستة جنيهات !! , ولأن طبق الفول أسعاره تعدت الحد المعقول ؟!! ..

وأصررت على أن أنشر حكايتي في كل مكان , أود أن أحفرها في التاريخ لعل شخص يأتى من بعدى ويعلم ما كنا نعانيه – نحن شباب هذا الجيل – من إحباط و يأس .

ولكنى لم أكن أعلم أن تلك المرة التي أكتب فيها قصتي ستكون هي المرة الـ 530 خلال عامين على 334 حائط , دون أن يذكر التاريخ أي شئ عن قصتى , ودون أن أرى أى شخص تعلم من قصتى شيئاً , ولكنى سأظل أكتب إلى أن أحفر قصتي في التاريخ .

عــادل الشـامــــي

مستشفى الأمراض العقلية .. العباسية

جمهورية مصر العربية