الأربعاء، ذو الحجة 22، 1425

السيرة الذاتية لحذائي - وليد رباح


يحفل الأدب العربي بسيرة الحذاء.. فإضافة لحذاء الطنبوري هناك حذاء الخليفة..وخفي حنين وأحذية الحرافيش والسائحين والكهنة.. وكل سير الأحذية في الأدب العربي تدل على أن صاحب الحذاء قد مله أو مل الحذاء صاحبه.. حتى غدا التنبيه الى قصص الحب العربية توصم بالحذاء.. فيقال فلان لا يغادر فلانة إلا وقت أن تغمض أجفانهما مثل فردة الحذاء والفردة الأخرى.. أو وصف عشيقة لعشيقها قائلة أننا سويا نليق ببعضنا بعضا مثل فردة الحذاء والأخرى.. واستثني من ذلك الصغار إذ انهم يلبسون الأحذية مقلوبة في معظم الأحيان فتصبح الفردة اليمنى هي اليسرى والأخرى هي اليمنى فيسيرون وقد التوت أقدامهم يأتون كأنهم ذاهبين.. ويذهبون وكأنهم يأتون.. وتلك قصة أخرى سنتحدث عنها في مقام آخر..
وقد دفعت الى كتابة سيرة حذائي دفعا إذ مللته فأخذت أشتمه صبحا ومساء لأنه لا يغادر مفاصل قدمي إلا عند النوم.. بل أنه في بعض الأحيان لا يغادر حتى وقت النوم فاضطر الى النوم به توقيا لحالة طارئة فلا اضطر للبحث عنه فأجد فردة في أول البيت وأخرى في آخره لأن ابنتي لا تحب اللعب إلا به ولبسه والتباهي أنها أصبحت كبيرة تقلد الرجال في لباسهم.. وهكذا فإن الحذاء يلازمني حتى في نومي.. وهو في ذلك افضل كثيرا من زوجتي التي لا أراها إلا بضع دقائق قبل ان اغط في نوم عميق نتيجة الجهد الذي ابذله في نهاري..وأفضل من غذائي وطعامي لأن الناس لا تدري ما بداخل بطني ولكنهم ينظرون الى قدمي ان كنت حافيا او لابسا فأتعرض للهزء والسخرية إن كانت الأولى فلا أجد ما أرد به على هزئهم.. وعلى سخريتهم..
وحذائي (طويل العمر) أبقاه الله لي سندا ودرعا.. قد ملني حتى غدا يطلب مني ان اغادره ولو لدقائق يوميا.. إذ ما أن اخلعه حتى يهرع الجيران في الاتصال ببوليس النجدة لأن رائحة قدمي تملأ المكان ولا تنفع في تهدئتها كل عطور الدنيا.. فتهرب زوجتي والصغار من المنزل.. يجلسون في ساحته حتى ولو كان الثلج يتساقط.. فالثلج ارحم من تلك الرائحة الزكية التي يبثها حذائي قبل ان تلبسه ابنتي الصغيرة وتتغزل بقيطانه الاسود الرقيق الذي يشبه رقة شفاه حبيبتي يوم كنت شابا صغيرا.. وتلك (أيضا) أسطورة أخرى سوف نأتي عليها في مقام آخر..
وحذائي (كما لا تعلمون) معجون بطينة أمريكية عربية مشتركة.. تماما مثلما هو النظام العالمي الجديد.. إذ تتعاون أمريكا مع عرب الزمان الأخيرة لتنفيذه.. وتفسير ذلك أنني اشتريته من محل أحذية قديمة تنتشر في أمريكا مثل البثور وتسميها الإدارة الأمريكية (ثرفت ستور) تلك المحلات التي تبيع ملابس وأحذية قديمة لمن لا يستطيعون شراء الجديد.. ويعلم الله كم مر في تاريخ ذلك الحذاء من عجائب.. وربما لبسه قبلي من مله فتبرع به (مشكورا)لتلك المحلات التي تبيع القديم بدل أن يلقيه في زبالة المدينة فكسب به أجرا.. وهذا هو السر الذي تخرج فيه رائحة الحذاء سريعة او بطيئة.. فإن كان الحذاء قد مل صاحبه فإنك تشم رائحته بعد يوم واحد من احتذائه.. وان كان صاحبه قد مله فإنك تشم رائحته الزكية بعد شهر أو اكثر أو أقل حسب سيرة الحذاء وتاريخه.. وحسب جدته وقدمه.. فالأحذية لها تواريخ محفورة في الذاكرة مثل معارك العرب ضد إسرائيل تماما.. فتارة يهزم العرب إسرائيل بالصياح ويعتبرون ذلك نصرا مؤزرا ويكتب التاريخ عن نصرهم قصائد ينظمها الشعراء بشيء من النفاق وكثير من الصراخ.. وأخرى تهزم إسرائيل العرب عسكريا فيتحدث شعراء العرب عن ( النكسة) وخطوط الدفاع الثانية .. تماما مثلما هو تاريخ الحذاء الذي تمله او يملك فيكتب ذلك في تاريخه الناصع البياض.
في مرة ذهبت للصلاة في مسجد قريب من مكتبي فجاء من هو أعمى القلب ومفتح العينين فلبس حذائي وترك لي حذاءه إذ كانا يتشابهان في كل شيء إلا في الرائحة.. فكتبت ذلك في الصحف المحلية عل من اخطأ في لبس الحذاء ان يعيده لي.. غير اني لم اسمع عنه خبرا طيلة شهر كامل.. وأخيرا وجدت حذائي باب مكتبي في الصباح وقد كتب من كان يلبسه رسالة وضعها في داخله يقول فيها بالحرف : لعنة الله عليك وعلى حذائك.. فقد طلبت زوجتي الطلاق لأنها لا تستطيع النوم والحذاء يرمقها برائحته النفاذة.. وهكذا عاد الى الحذاء معززا مكرما بعد ان سكب من كان يلبسه اكثر من زجاجة عطر في داخله عله يغير (عادة الحذاء) في نفث سمومه ولكنه لم يغير فيه شيئا.. وقد تخيلت الحذاء يبتسم لي ابتسامة مرحة ساخرة وأنا احشر فيه قدمي ويقول لي : ها قد عدت إليك فلا تفكر بالخلاص مني ثانية.. فأنا قدرك الذي كتب عليك منذ يوم ولادتك..
فكرت في أن أتبرع بالحذاء الى (الثرفت ستور) فعطرته ولمعته أفنيت ساعات في تحسين هندامه ومظهره.. وما ان فتحت الكيس (لأهديه) للسيدة الأمريكية العجوز حتى صرخت بملء فمها قائلة: ابعد هذه الزبالة عن انفي.. وهكذا عدت به ثانية الى مكتبي.
فكرت ثانية في ان اهديه لرجل أمريكي يتخذ من الارصفة فندقا له ينام فيها على غير استحياء من المارة.. وقد دققت النظر فيه جيدا فوجدته حافي القدمين على عادة (الهيبيز) فقدمت إليه الحذاء عن طيب خاطر فقال لي : ويلك.. انني افضل قضاء عمري حافيا عن ان البس هذا الحذاء المتعفن..
وفي مرة ثالثة فكرت في ان أهديه لأول زعيم عربي يزور واشنطن ليطلب دعم موازنة البلاد التي أتى منها لأنها تعاني الفقر والفاقة.. فقال لي الزعيم العربي: يا بني .. إنني احتذي الشعب العربي بكامله.. من أعلى رتبة في الجيش الى ( الزبال الذي يعمل في المقابر) فلست بحاجة الى حذاء جديد مثل حذائك.. تبرع به لأغنياء الوطن العربي لانهم يعتقدون ان ما يأتي من أمريكا فهو (سوبر) وحذاؤك أمريكي الصنع فلا تقل لهم انك عربي وقد لبسته..لأن العربي في نظرهم حتى وان كان مهاجرا زبالة يجب ان تلقى على قارعة الطريق.. وهكذا اقتنعت بما أبداه الرئيس (أيده الله بنصر من عنده) ورجعت بالحذاء ثانية من واشنطن الى ولاية نيوجيرسي أجر أذيال الخبية والمرارة.
وفي مرة أطلقت عليه النار لكي اخرم لسانه الطويل ( لسان الحذاء) ثم وضعته في الزبالة فإذا (بالزبال) – الذي يلبس في أمريكا عادة رباط عنق اصفر اللون يعكس الفسفور فلا تدوسه السيارات الذاهبة الآيبة..- يعيده إلي قائلا: سيدي.. يبدو أن اطفالك قد القوا بهذا الحذاء ( الجميل) الى الزبالة دون علمك.. وتركه على الباب مشكورا بعد ان تباطأ بالمغادرة لا نفحه بالبخشيش كما ينبغي لرجل متحضر يحترم الزبالين الى ابعد حدود الاحترام..
مرة أخرى عولت على أن أدفنه على رصيف الشارع قرب الزهور التي تقع على جانبي الطريق فاتخذ له قبرا محترما أبديا لا يخرج منه حتى وان قامت القيامة.. فإذا بالجيران قد اتصلوا بالبوليس الأمريكي وأبلغوه ان عربيا قد خبا (سلاحا) تحت شجرة باسقة على الرصيف ومن المحتمل ان عملا (إرهابيا) سوف يرتكب في هذه الليلة الليلاء فجاء البوليس بقضه وقضيضه وصفاراته وأضوائه ترافقه عدسات التلفزيون والصحافيون المحليون في الضاحية وطلب الى الحفر حيث دفنت السلاح أو ( المتفجرات) .. فإذا بهم في النهاية يسجلون محضرا طويلا عريضا بأني أتلفت ( زهور البلدية) فدفعت مخالفة قدرها مائتا دولار عدا ونقدا عوضا عن المحكمة التي ضيعت فيها نهاري بانتظار أن يلفظ القاضي بالحكم على الحذاء وصاحبه.
وعلى مدار الأيام التي تلت كنت أضع الحذاء الى جانبي وأقول له (أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة) وان (أي اعتداء على حذائي يعتبر اعتداء على أحذية العرب في كل أمريكا) وان ( التضامن العربي يقتضي مني أن اعترف ..> أن السفراء العرب في كل أمريكا جهلة لانهم متضامنون مع ديزني لاند) وان (محل البورغر كنغ الذي أقيم في مستعمرة معالي ادوميم ثم أغلقه الفساء العربي) وان (الدليل السري الذي تتبعه المخابرات الأمريكية المحلية لترحيل العرب الى أوطانهم ثانية ) وان (الحكام اللصوص في الوطن العربي وزبانيتهم ممن يأكلون أموال الناس بالباطل ثم يتحدثون عن الشرف والكرامة العربية) وأن (التضامن مع السلطة الوطنية أمام العنجهية الشارونية )كلها تقف متضائلة أمام التخلص من هذا الحذاء الرقيع الذي جلب لي المصائب من حيث ادري ولا ادري.. وكل ذلك مرهون بإلقاء هذا الحذاء في بئر عميقة لكي تعود الأمور الى نصابها وتصبح الديمقراطية جزءا من الحياة العربية .. فعولت على أن افعل ذلك ولكني اكتشفت أن الأمريكان لا يحفرون الآبار الارتوازية فالمياه عندهم متوفرة فوق قشرة الأرض ولا مجال للتخلص منه إلا بالتخلص من حياتي..
استشرت (مختار الجالية) العربية في نيوجيرسي للتخلص من حذائي فقال لي: عليك بالرئيس بوش .. فسوف يضعه في طائرة مدنية عربية تسقط في البحر مع الصندوق الأسود فيختلط الأمر على المحققين الأمريكيين فلا يعرفون الصندوق الأسود من الحذاء.. وقال لي المختار أيضا: يا ولدي.. لا تنس أن تقول (توكلت على الله) قبل أن تلقيه في الطائرة فسوف يفسرها الأمريكان انتحارا..(تيمنا بما لفقوه من تهمة لقائد طائرة مصري فيما سبق ) ووجدت أنها فكرة جيدة.. ولكن كيف السبيل الى تنفيذها..أخبروني..
أخيرا هدأت .. وعولت على أن احتفظ بالحذاء حتى لو طلبت زوجتي الطلاق.. أتعرفون لماذا؟ لاني سوف استخدمه في يوم من الأيام طعما أمام الطائرات الأمريكية التي تضرب العراق بحجة إقامة الديمقراطية .. وعندها فقط.. سوف يشم الطيار رائحة الحذاء فيهرب قبل ان يلقي بقذائفه على الناس الأبرياء .. فاكسب بذلك الدنيا والدين معا ..
تحياتي لحذائي