الأربعاء، ذو الحجة 22، 1425

شارانسكي في البيت الابيض - عبد اللطيف مهنا

راجت في السياسة الدولية بعيد انتهاء حقبة الحرب الباردة ما يشبه الفكرة، لعلها كانت موجودة أصلاً لكنها ترسخت أكثر بعيد ذاك التحول الكوني الهائل التداعيات، تقول: إذا ما شاءت دولة ما التقرب من الولايات المتحدة، باعتبارها قد أصبحت القطب الأوحد المتفرد بقرار العالم، أو الحاكم بأمره فيه، فما عليها إلا محاولة الدلوف إلى حماها عبر البوابة الإسرائيلية. وأدت العلاقة التقليدية شبه العضوية بين الطرفين، وتعاظم نفوذ يهود الولايات المتحدة، وقدرتهم على المشاركة في صوغ سياسات هذا البلد والخارجية منها تحديداً، حيث يساعدهم في ذلك تطابق المصالح الأمريكية الإسرائيلية في كثير من الحالات إلى ترويح مثل هذه الفكرة. كما عملت اللوبيات اليهودية المنتشرة في أوروبا تحديداً على ترسيخها بما يخدم بالتالي التوجهات الإسرائيلية. وكانت دول أوروبا الشرقية التي جرفها تيار التحول الكبير، بعيد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك حلف وارسو، غرباً، هي الأكثر اندفاعاً، في ذلك الحين، لتطبيق مثل هذه المقولة طمعاً في بركاتها الموعودة، ولم تبخل أغلب هذه الدول في دفع ما يتطلبه منها مثل هذا الاستحقاق، لجهة محاولة تمتين العلاقة مع إسرائيل، مع ما يحمله ذلك من انقلاب كامل على سياساتها السابقة حيال تل أبيب. بيد أنه لم يطل الوقت حتى أدركت هذه الدول في أغلبها أن المردود كان متواضعاً مقارنة مع المأمول، فانكفأت الآمال شبه الخائبة رويداً رويداً لتتجه من ثم نحو مسارها الطبيعي أي الأوربة، أو قرع باب الاتحاد الأوروبي، ليكتفي طموحها الأمريكي بما توفره المظلة الأطلسية، لكن دون الكف عن مواصلة التجاوب مع إغراءات هذه المقولة، لا سيما في ظل تراجع التأثير العربي في السياسة الدولية... الأمر نفسه ينسحب على كثير من دول العالم الثالث، وبعض الإسلامي، والأمثلة كثيرة، يكفي أن نذكر منها المثال الإريتري الأكثر سطوعاً في هذا المجال.
لعل العرب قد ساهموا بدورهم في قسط وافر من عملية تأكيد هذه المقولة عندما شاعت رسمياً بينهم، لا سيما قبيل وبعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، مقولة أخرى موازية تضع 99% من أوراق حل الصراع العربي الصهيوني في يد الولايات المتحدة، لتصبح واشنطن من ثم عقب حرب الخليج الأولى، ومؤتمر مدريد، راعي السلام الوحيد، والوسيط النزيه، لتغدو لاحقاً المحجة المنشودة لمن يأمل من العرب في دفعها للضغط على ربيبتها إسرائيل أو لحثها للولوج جدياً في عملية إنجاز تلك التسوية الموعودة، تلك التي راجت أوهامها لأكثر من عقد لتخبو في السنوات الأخيرة لكن دون أن تنقشع... بعد أحداث 11 سبتمبر الأمريكية وبداية إعلان الإدارة الأمريكية، التي كانت قد وصلت إلى السلطة في واشنطن للتو، الحرب الكونية الدائمة على ما يسمى "الإرهاب"، وركوب السياسة الإسرائيلية موجتها، واستفحال نفوذ ما يطلق عليهم المحافظين الجدد في تلك الإدارة، وتعاظم تأثير المسيحية المتصهينة في الشارع الأمريكي، واستطراداً تصاعد حالة التغوّل في الجموح الإمبراطوري للقوة الأعظم، لا سيما في الفترة الرئاسية الأولى للرئيس بوش، التي خاض خلالها انسجاماً مع الفلسفة الاستباقية المعروفة لإدارته حربين في أفغانستان والعراق لم ينتهيا بعد، ثم عودة الرئيس وإدارته إلى البيت الأبيض في فترة رئاسية ثانية، في انتخابات عد فوزه فيها استفتاءً لصالح سياساته التي انتهجها في الفترة الرئاسية الأولى، بل مبايعة ومكافأة عليها، أصبح للمقولة وجه آخر يقول: إذا أرادت أن تفهم كيف تفكر الإدارة الأمريكية، أو كيف تقارب السياسة الأمريكية الخارجية قضايا المنطقة العربية الإسلامية تحديداً، فما عليك إلا أن تحاول أن تفهم كيف يفكر الليكوديون الإسرائيليون أو من هم على يمينهم!
لعل أكثر ما يعزز هذه المقولة هو ما طفق يردّده سيد البيت الأبيض بنفسه في مستهل فترته الرئاسية الثانية، تلك التي بدأت تبشّر، من أول يوم، بكل ما يشي بكونها لن تكون سوى أكثر مغالاة في تطبيق سياسات الفترة الأولى، وبحيث يجد العالم نفسه أمام نقلة أو تطوّر في فلسفة هذه الإدارة، أي من الاستباقية التي وسمت الأولى إلى التغييرية التي تبشر بها الثانية. وكان خطاب التنصيب الأشبه بالمناسبة الدينية في التقليد الأمريكي، والذي قال فيه الرئيس بوش كلاماً رؤيوياً لم يقل فيه شيئاً سياسياً، بحيث بدا وكأنه الأشبه بعظة كنسية لداعية "تلفنجي" يتحدث عن "الهرمجدون"، أو من نذر نفسه لمهمة رسالية تهدف إلى تعديل صورة العالم لتتماشى مع رؤيته الخاصة، كلمة الفصل لصالح هذه المقولة... الصحافة ووسائل الإعلام الأمريكية ومعها الإسرائيلية كانت السبّاقة في ملاحظة ذلك، عبر ملاحظتها كل هذا التشابه أو التطابق التام بين الأفكار التي طرحها الوزير الإسرائيلي والمنشق السوفيتي السابق شارانسكي، والتي ضمنها كتابه الذي صدر مؤخراً في الولايات المتحدة: "المرافعة من أجل الديمقراطية"، وبين ما طرحه الرئيس الأمريكي في خطاب التنصيب أو مناسبة تسلمه فترته الرئاسية الثانية. وأهم ذلك كان التبشير بما يمكن تسميته بدء حرب الحرية أو الحرب على الطغيان بعد أن شهدت الفترة الرئاسية الأولى إعلان الحرب على الإرهاب، حيث أعلن في خطابه هذا انتداب نفسه في مهمة كونية لنشر الديموقراطية في العالم، والوطن العربي والعالم الإسلامي على وجه الخصوص، تتفق كلياً وحتى حرفياً مع مفاهيم شارانسكي المتطرفة ورؤيته العنصرية للعرب والمسلمين، والتي يمكن إجمالها في منطق اختزالي وحاقد وتلفيقي وانتقائي، يدور في نطاق معادلة الخير والشر وتحكمه عقلية رسولية، إذ يقول شارانسكي في كتابه "إنني مقتنع بأن نشر الديموقراطية في العالم لا يتم إلا بتشجيع من الولايات المتحدة"... وكأن هذه الديمقراطية المزعومة التي يريدونها للعالم، والتي في حقيقتها ليست سوى الترجمة الحرفية لما يمكن أن يكون الهيمنة الأمريكية والتوسعية الإسرائيلية، سلعة أمريكية جاهزة أبداً للتصدير شأنها شأن الكولا والجينز والوجبات السريعة!
وجاء تركيز الرئيس بوش على شارانسكي وكتابه، ليس في خطاب التنصيب فحسب، وإنما في مقابلة مع فضائية ال CNN وأخرى مع أسرة تحرير الواشنطن تايمز، ليؤكد هذه الملاحظة، لا سيما وأن سيد البيت الأبيض كان قد دعا شارانسكي، الذي يجول في الولايات المتحدة للتحضير لنشر كتابه، إلى البيت الأبيض، وذلك قبل أسبوع من تسلمه الحكم للفترة الرئاسية الثانية، وناقش معه كيفية تطبيق نظريته حول نشر الديمقراطية في العالم، التي يدور حولها الكتاب، أو ما يطلق عليها شارانسكي "اختبار ساحة البلدة"، وفق ما صرّح به الوزير الإسرائيلي لاحقاً.
بيد أن الرئيس بوش عدّ شارانسكي ملهماً وكرّسه معلماً، عندما قال:
"إذا أردت أن تعرف كيف أفكر فيما يخص السياسة الخارجية اقرأ كتاب شارانسكي... إنني أنصح بهذا الكتاب. إنه مختصر وجيد... إنه كتاب عظيم"!
ليتردد مثل هذا الكلام بالتالي على لسان السيدة كونداليسا رايس في أول عمل رسمي لها بعد تسنمها منصب وزيرة الخارجية الأمريكية، وفي أول لقاء لها مع العاملين في وزارتها، وكانت قد قالت في جلسة المصادقة على تعيينها في الكونغرس: "إن على العالم تطبيق ما قاله شارانسكي... اختبار ساحة البلدة"!
ربما هذا الاختبار الشارانسكي التي تدعو إليه رايس هو ما يجرّب الآن في العراق، عندما يطلب من أهالي الفلوجة مثلاً، بعد تدمير مدينتهم وتهجير الأحياء منهم، المشاركة في الانتخابات، أو الاختبار الديمقراطي الأمريكي في ساحات العراق المحتلة!
وبالمناسبة شارانسكي هذا عاد من واشنطن إلى تل أبيب ليقود مظاهرة للمستعمرين الرافضين لخطة شارون المعروفة بفك الارتباط من جانب واحد أو إعادة الانتشار لجيش الاحتلال في غزة، والتي استحق عليها عندهم أن يتهم بالخيانة!
لعل ما تقدم وحده ما يمكن أن نجد فيه تفسيراً منطقياً، ليس للوحشية الإسرائيلية المنفلتة التي لا تقيم وزناً للرأي العام الدولي وهي تمعن في بطشها بالشعب الفلسطيني فحسب، وإنما لكل هذا البطر الإسرائيلي الذي غدا يتحول إلى بلطجة وصلت حد التطاول على دول كبرى كروسيا وفرنسا، وبلغت مبلغاً غير مسبوق في السياسة الدولية، التي سلمت بالبوابة الإسرائيلية لأمريكا والمقدمات الليكودية لفهم عقلية الإدارة الأمريكية، عندما تستدعي وزارة الخارجية الإسرائيلية سفير دولة لديها مثل بلجيكا لتوبخه وتسلمه احتجاجاً رسمياً... لماذا؟!
لأن زميله السفير البلجيكي في بيروت اجتمع مع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في لقاء وصف بأنه لقاء تعارف، ويزداد الطين بلة عندما لا تجد دولة المقر لحلف الأطلسي والدولة الفاعلة في الاتحاد الأوروبي ما تردّ به على هذه السابقة سوى أن يبرر وزير خارجيتها اللقاء مع نصر الله بأنه كان لحثه على عدم التدخل في الانتخابات الفلسطينية!!!
لا عجب... نحن في حقبة غدا فيها شخص مثل شارانسكي ملهماً ومعلماً... وأستاذاً زائراً في البيت الأبيض!