الأربعاء، ذو الحجة 22، 1425

همزة ألف - سالي عادل


همزة ألف..!
* * *
كنا صغار.. نكتب على ذاك الجدار.. "الحب عذب"
نسينا الألف, والمعنى جد اختلف..!
(*)
* * *
- المعلمة قادمة.. المعلمة قادمة..
هكذا همس الأطفال.. قد كنا يومًا أيضًا أطفال.. أتذكر؟!
* * *
على صندوق الدنيا المسمى سبُّورة, أرتنا المعلمة لأول مرة.. كيف يكتب الألف.. أخرجت طباشيرة.. شقت ببياضها سواد السبورة, ثم أخبرتنا أن ما فعلت هو الألف!
حبستَ ضحكة وهمست لى:
- أهذا إذًا هو الألف؟! لقد ظننته ملتويًا كالثعبان, أو ربما مستديرًا كالكعكة..!
وأطلقنا سراح الضحك..
لكن صوت متسلط -علمنا لأول مرة أن الضحك يفضى إلى البكاء- قال:
- أنتما.. قفا..
علامَ تضحكان؟! ستظلان واقفين هكذا طوال الحصة..
وأحنيت رأسك خجلاً.. لكنى همست لك:
- لا تحنى رأسك..
وأخرجتُ قلم الرصاص, شققتُ برصاصه قلب الصفحة, وقلت لك:
- أريدك مرفوع الرأس كهذا الألف..
لكن المعلمة عادت تقول:
- أنتِ.. أتصممين على المشاغبة؟!!
- افتحى يدك..
لكنك قلت مدافعًا:
- لا.. أنا من كنت أحدثها.. اضربينى أنا..
ومددت لها راحتك..
سقطت عصاها على كفك الرقيق, ورأيت دمعة تنحدر من مقلتك, عينى بكت, لكن قلبى كان ينتشى زهوًا, فبينما الدموع كانت تنحنى, كانت رأسك شامخة..
ومن يومها.. احتوانى يقين واحتويته, بأنك أنت الألف..
* * *
وكبر الطفلان وصديق ثالث –اسمه الحب- يرافقهما.. همس الرفيق إليك فنقلت إلىٌ همسته.. "أنتِ أنا".. ظننتَ أنه بإمكاننا استخدام ضمير مفرد للمثنى, لكننى كنت أعلم أننا ألفان لا يتقابلا, فلا اللغة تحتمل تتالى ألفين.. ولا الحياة تحتملها.. صار لابد لأحدهما أن يلغى الآخر, أو يلغى نفسه لأجل الآخر.. فتمنيت عمرًا.. لو كنت أنت الألف.. أن أكون أنا الهمزة.. أعلم.. ليست هى الحرف التاسع والعشرين فى أبجديتك, لكنك وحدك أبجديتها.. ليست تعنى شيئًا بدونك.. لكنك وحدك تعنيها, ليست شيئًا جانبك.. لكن كان يكفيها أنها.. جانبك..
* * *
همست تلميذة:
- ما اسم المعلمة؟!
ردت أخرى:
- سالى..
سالى؟!! أسمتنى أمى سالى.. والآن أعجب..! أتراها كانت تعرف بقلب الأم أن حياتى قبلك أتعكز على سنات السين.. حتى ألتجأ إلى ألفك, فتكون (لى)..؟! لكن تراك تكون لى.. أم لا يبقَ لى من اسمى سوى السلوى؟!!
* * *
سألتك:
- أتوعدنى؟!
- فقط لو يشطرها الألف...!
- وماذا لو يشطرها الألف؟!
- لو.. لو تواعدينى... لرسمت عينيك بدمى على صفحة القلب, ولغرست لك بين ضلوعى شجرة توت يأتيك ظلها فى غرفتك, و لأتيتك بالبحر تضعينه فى قنينة تزينى بها رفًا فى خزانتك, ولـ.............
* * *
ولكن الألف تبدل.. صار ملتويًا كالثعبان.. أو ربما مستديرًا كالكعكة فى يد اليتيم, لم تعد تكفيه همزة.. ظل يتوق إلى حروف أخرى.. تطلع إلى كل تاء مربوطة ملفوفة القوام, أو نون نسوة جذابة الغموض... فتش فوق السطور.. وبينها.. وأخذ شيئًا من كل حرف صادفه, أخذ من النون رنة خلخالها, من الثاء أنوثتها.. ومن التاء استثنائية قوامها, ثم قذف بهن إلى طاولة الهمزة..
- انظرى.. هاته الحروف عرفتها
لم تصدق
- غازلتها
لم تنطق
- عشقتها
لم تحتمل.. بكت انحنت.. تكسرت.. وتكسرت قنينة البحر تغرق أحلامًا لم تعرف سابقًا ملمس رذاذات المطر, وكان الرفيق ضمن الغارقين..
* * *
أقول:
سنأخذ اليوم حرف الألف..
الألف يا أطفال.. أول حرف بالأبجدية.. وأول آية نزلت من القرآن, وأول رجل خلقه الله..
للألف ميزة السبق, ومذاق التفرد.. الله جل جلاله.. الألف أول اسمه..
اكتبوه هكذا.. رشيقًا.. رقيقًا.. مرفوع الرأس, متحديًا..
ماذا؟! نقاط؟! لا.. لا يليق بالألف أن يكون له نقاط ضعف, ولكن..
يحتاج الألف -بين الحين والحين- إلى همزة.. تكلل بوجودها الحانى هامته الشامخة.. تحتويه وتؤنس وحدته بين السطور.. لا تنسوا الهمزة يا أطفال.. والآن:
- من منكم يستطيع أن يكتب الألف كما كتبته؟!
تقدم طفل إلى السبورة.. لماذا ارتعشت يداه؟! هذه إذن ثانى يد ترتعش لدى كتابة الألف..
هتفت تلميذة:
- معلمتى.. قد نسى محمد الهمزة..
- يا طفلتى.. لا تعتبى على طفل نسى الهمزة عن الألف, والألف ذاته قد نسى..
والآن هيا.. قولوا معى:
- ألف.. أرنب
تتعالى نبرة البراءة فى أصوات الأطفال:
- ألف.. أرنب
هيا ثانيةً:
- ألف..
ويرتجف شريان جوار القلب..
أحمد..
* * *
سالى عادل
Journalist86@hotmail.com
(*) لست أدرى من صاحب هذه المقولة, لكنها منتشرة بشدة على الإنترنت.

1 Comments:

At الثلاثاء, ذو القعدة 11, 1426 7:47:00 ص, Anonymous Majid said...

فعلاً موضوع جميل جداً

أما بالنسبة للمقولة فهي للشاعر السعودي الكبير الأمير / عبدالله من مساعد
وإذا أردت الاستزادة فهذا هو موقعه على الانترنت
أرجو أن تقومي بزيارته

http://www.bin-msaad.com/

وتقبلي خالص شكري وتقديري
ماجد

 

إرسال تعليق

<< Home