الأربعاء، ذو الحجة 22، 1425

ابو ذر الغفاري وشيوعية اسلامية - د. عمرو اسماعيل

قال ( صلى الله عليه وسلم ( قل الحق وإن كان مُرّاً .وقال ( صلى الله عليه : ( لا تَخَف في الله لَومَة لائم وينطبق قول رسولنا الكريم صلوات الله عليه وسلم أكثر ما ينطبق علي الصحابي الجليل ابو ذر الغفاري ..

أول اشتراكي في التاريخ .. نصير الضعفاء وعدو الظلم والقهر ..هذا الصحابي الذي لم يأخذ حقه الذي يستحقه من دراسة تاريخه والتأسي بأفكاره .. نسيه الضعفاء فتحكم فيهم السادة ..
من هو أبوذر الغفاري :
هو أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري. كان من السابقين إلى الإسلام. وهو أول من حيا النبي صلى الله عليه وسلّم بتحية الإسلام. كان أبو ذر رمزا للصحابي المثالي الذي يتمسّك بدين الله ورسوله ولا يحيد عنه قيد أنملة ، رغم كل الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية والنفي والمقاطعة.
حارب الفساد بغير السيف.. لأنه لم يرغب بإراقة دم المسلم .. ولم يكن رجل حرب.. تجاهل العديد من المؤرخين العرب لقضيته الإنسانية ولثورته الاجتماعية والتي تعتبر من الثورات الأولى في صدر الإسلام ..رفض كل الأموال التي بذلت له في سبيل تغيير رأيه أو كتم أفكاره المعارضة للسلطة الأموية،
وبسبب موقفه من بيت المال والغنى الفاحش ، ينظر بعض المؤرخين الجدد إليه على انه من أنصار الاشتراكية .
كان يخطب في أهل الشام فيقول:"يا معشر الأغنياء والفقراء.. بشِّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوٍ من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم
أسلم أبو ذر من فوره..

وكان ترتيبه في المسلمين الخامس أو السادس..
أسلم في الأيام الأولى، بل الساعات الأولى للاسلام، وكان اسلامه مبكرا..

وحين أسلم كان الرسول يهمس بالدعوة همسا.. يهمس بها الى نفسه، والى الخمسة الذين آمنوا معه،ولكن أبوذر توجه الى الرسول عليه الصلاة والسلام فور اسلامه بهذا السؤال:

يا رسول الله، بم تأمرني..؟

فأجابه الرسول: ترجع الى قومك حتى يبلغك أمري..

فقال أبو ذر: والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالاسلام في المسجد..!!
ثم دخل المسجد الحرام ونادى بأعلى صوته:

..أشهد أن لا اله الا الله.. وأشهد أن محمدا رسول الله..
سحبوه وضربوه حتى كاد أن يموت ، وأثخنوه بالجراح ، ولكنهم لم يستطيعوا أن يثنوه عن عزمه ،و ظل صامداً طوال حياته يجاهر برأيه ضد أي سلطة يراها ظالمه مهما كلفه ذلك .. ظل صامدا ليسجل لنا التاريخ بعد ذلك وقوفه ضد كل ظالم..
كانت هذه الصيحة أول صيحة بالاسلام تحدّت كبرياء قريش وقرعت أسماعها.. صاحبها رجل غريب ليس له في مكّة حسب ولا نسب ولا حمى..
ولسوف تفنى القرون والأجيال، والناس يرددون رأي الرسول صلى الله عليه وسلم في أبي ذر:

” ما أقلّت الغبراء، ولا أظلّت الصحراء أصدق لهجة من أبي ذر"
لقد قرأ الرسول عليه الصلاة والسلام مستقبل صاحبه، ولخص حياته كلها في هذه الكلمات..

فالصدق الجسور، هو جوهر حياة أبي ذر كلها..

صدق باطنه، وصدق ظاهره..

صدق عقيدته وصدق لهجته..

ولسوف يحيا صادقا.. لا يغالط نفسه، ولا يغالط غيره، ولا يسمح لأحد أن يغالطه..

والصدق الصامت ليس صدقا عند أبي ذر..

انما الصدق جهر وعلن.. جهر بالحق وتحد للباطل..تأييد للصواب ودحض للخطأ..

الصدق ولاء للحق، وتعبير جريء عنه، وسير حثيث معه..
وألقى الرسول اليه يوما هذا السؤال:

” يا أبا ذر كيف أنت اذا أدركك أمراء يستأثرون بالفيء"..؟

فأجاب قائلا:

”اذن والذي بعثك بالحق، لأضربن بسيفي”.!!

فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام:

”أفلا أدلك على خير من ذلك..؟

اصبر حتى تلقاني
تلك قضية أبي ذر التي سيهبها حياته، وتلك مشكلته مع المجتمع ومع المستقبل..

ولقد عرفها رسول الله فألقى عليه السؤال، ليزوده هذه النصيحة الثمينة:"اصبر حتى تلقاني”..

ولسوف يحفظ أبو ذر وصية معلمه، فلن يحمل السيف الذي ضد الأمراء الذين يثرون من مال الأمة.. ولكنه أيضا لن يسكت عنهم لحظة من نهار..

أجل اذا كان الرسول قد نهاه عن حمل السيف في وجوههم، فانه لا ينهاه عن أن يحمل في الحق لسانه البتار..

ولسوف يفعل..

لقد بدأ بأكثر تلك المعاقل سيطرة ورهبة.. هناك في الشام حيث "معاوية بن أبي سفيان" يحكم أرضا من أكثر بلاد الاسلام خصوبة وخيرا وفيضا، وانه ليعطي الأموال ويوزعها بغير حساب، يتألف بها الناس الذين لهم حظ ومكانة، ويؤمن بها مستقبله الذي كان يرنو اليه طموحه البعيد.

هناك الضياع والقصور والثروات تفتن الباقية من حملة القرآن، فليدرك أبو ذر الخطر قبل أن يحيق ويدمّر..

حسر زعيم المعارضة رداءه المتواضع عن ساقيه، وسابق الريح الى الشام..

ولم يكد الناس العاديون يسمعون بمقدمه حتى استقبلوه في حماسة وشوق، والتفوا حوله أينما ذهب وسار..

حدثنا يا أبا ذر..

حدثنا يا صاحب رسول الله..

ويلقي أبو ذر على الجموع حوله نظرات فاحصة، فيرى أكثرها ذوي حصاصة وفقر.. ثم يرنو ببصره نحو المشارف القريبة فيرى القصور والضياع..

ثم يصرخ في الحفاة حوله قائلا:

” عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، كيف لا يخرج على الانس شاهرا سيفه"..؟؟!!

ان المال الذي جعله الله خادما مطيعا للانسان، يوشك أن يتحوّل الى سيّد مستبد..

ومع من؟

مع أصحاب محمد الذي مات ودرعه مرهونة، في حين كانت أكوام الفيء والغنائم عند قدميه..!!

ان خيرات الأرض التي خلقها الله للناس جميعا.. وجعل حقهم فيها متكافئا توشك أن تصير حكرا للقلة من السادة..

ان السلطة التي هي مسؤولية ترتعد من هول حساب الله عليها أفئدة الأبرار، تتحول الى سبيل للسيطرة، وللثراء، وللترف المدمر الوبيل..

رأى أبو ذر كل هذا فلم يبحث عن واجبه ولا عن مسؤوليته.. بل راح يمد يمينه الى سيفه.. وهز به الهواء فمزقه، ونهض قائما يواجه المجتمع بسيفه الذي لم تعرف له كبوة.. لكن سرعان ما رنّ في فؤاده صدى الوصية التي أوصاه بها الرسول، فأعاد السيف الى غمده، فما ينبغي أن يرفعه في وجه مسلم..
..وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطأ..

ليس دوره اليوم أن يقتل.. بل أن يعترض..

وليس السيف أداة التغيير والتقويم، بل الكلمة الصادقة، الأمينة المستبسلة..

الكلمة العادلة التي لا تضل طريقها، ولا ترهب عواقبها.

ولقد بلغ خطره على السادة مداه، يوم ناظر معاوية على ملأ من الناس. ثم أبلغ الشاهد للمناظرة، الغائب عنها. وسارت الرياح بأخبارها..

لقد وقف أبو ذر أصدق العالمين لهجة، كما وصفه نبيه وأستاذه..

وقف يسائل معاوية في غير خوف ولا مداراة عن ثروته قبل أن يصبح حاكما، وعن ثروته اليوم..!!

وعن البيت الذي كان يسكنه بمكة، وعن قصوره بالشام اليوم..!!

ثم يوجه السؤال للجالسين حوله من الصحابة الذين صحبوا معاوية الى الشام وصار لبعضهم قصور وضياع.

ثم يصيح فيهم جميعا: أفأنتم الذين نزل القرآن على الرسول وهو بين ظهرانيهم..؟؟

ويتولى الاجابة عنهم: نعم أنتم الذين نزل فيكم القرآن، وشهدتم مع الرسول المشاهد..

ثم يعود ويسأل: ألا تجدون في كتاب الله هذه الآية:
"والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم.. يوم يحمى عليها في نار جهنّم، فتكوى بها جباههم، وجنوبهم، وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم، فذوقوا ما كنتم تكنزون"



ويحاول معاوية طريق بدهئه التملص قائلا: لقد أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب..

ويصيح أبو ذر: لا بل أنزلت لنا ولهم..

ويتابع أبو ذر القول ناصحا معاوية ومن معه أن يخرجوا كل ما بأيديهم من ضياع وقصور وأموال.. وألا يدّخر أحدهم لنفسه أكثر من حاجات يومه..

وتتناقل المحافل والجموع نبأ هذه المناظرة وأنباء أبي ذر..

ويتعالى نشيد أبي ذر في البيوت والطرقات:

"بشّر الكانزين بمكاو من نار يوم القيامة".



ويستشعر معاوية الخطر، وتفزعه كلمات الثائر الجليل، ولكنه يعرف له قدره، فلا يقرّ به بسوء، ويكتب عن فوره للخليفة عثمان رضي الله عنه يقول له:" ان أبا ذر قد أفسد الانس بالشام”..

ويكتب عثمان لأبي ذر يستدعيه للمدينة.

ويحسر أبي ذر طرف ردائه عن ساقيه مرّة أخرى ويسافر الى المدينة تاركا الشام في يوم لم تشهد دمشق مثله يوما من أيام الحفاوة والوداع..!!
لا حاجة لي في دنياكم..!!

هكذا قال أبو ذر للخليفة عثمان بعد أن وصل الى المدينة، وجرى بينهما حوار طويل .. تم نفيه بعدها الي الربذه

لقد تفرّغ أبو ذر للمعارضة الأمينة وتبتّل.



وسيقضي عمره كله يحدّق في أخطاء الحكم وأخطاء المال، فالحكم والمال يملكان من الاغراء والفتنة ما يخافه أبو ذر على اخوانه الذين حملوا راية الاسلام مع رسولهم صلى الله عليه وسلم، والذين يجب أن يظلوا لها حاملين.

والحكم والمال أيضا، هما عصب الحياة للأمة والجماعات، فاذا اعتورهما الضلال تعرضت مصاير الناس للخطر الأكيد.

ولقد كان أبو ذر يتمنى لأصحاب الرسول ألا يلي أحد منهم امارة أو يجمع ثروة، وأن يظلوا كما كانوا روّاد للهدى، وعبّادا لله..

وقد كان يعرف ضراوة الدنيا وضراوة المال، وكان يدرك أن أبا بكر وعمر لن يتكررا.. ولطالما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه من اغراء الامارة ويقول عنها:

”.. انها أمانة، وانها يوم القيامة خزي وندامة.. الا من أخذها بحقها، وأدّى الذي عليه فيها”...
وجلس يوما يحدّث ويقول:

أوصاني خليلي بسبع..

أمرني بحب المساكين والدنو منهم..

وأمرني أن أنظر الى من هو دوني، ولاأنظر الى من هو فوقي..

وأمرني ألا أسأل أحد شيئا..

وأمرني أن أصل الرحم..

وأمرني أن أقول الحق وان كان مرّا..

وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم..

وأمرني أن أكثر من: لا حول ولا قوة الا بالله.



ولقد عاش هذه الوصية، وصاغ حياته وفقها، حتى صار "ضميرا” بين قومه وأمته..



ويقول الامام علي رضي الله عنه:

”لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر”..!!

عاش يناهض استغلال الحكم، واحتكار الثروة..

عاش يدحض الخطأ، ويبني الصواب..

عاش متبتلا لمسؤولية النصح والتحذير..

يمنعونه من الفتوى، فيزداد صوته بها ارتفاعا، ويقول لمانعيه:

” والذي نفسي بيده، لو وضعتم السيف فوق عنقي، ثم ظننت أني منفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تحتزوا لأنفذتها”..!!



ويا ليت المسلمين استمعوا يومئذ لقوله ونصحه..

اذن لماتت في مهدها تلك الفتن التي تفاقمت فيما بعد أمرها واستفحل خطرها، وعرّضت المجتمع والاسلام لأخطار، ما كان أقساها من أخطار.

والآن يعالج أبو ذر سكرات الموت في الربذة.. المكان الذي نفي أليه اثر خلافه مع عثمان رضي الله عنه، فتعالوا بنا اليه نؤد للراحل العظيم تحية الوداع، ونبصر في حياته الباهرة مشهد الختام.

ان هذه السيدة السمراء الضامرة، الجالسة الى جواره تبكي، هي ابنته..

وانه ليسألها: فيم البكاء والموت حق..؟

فتجيبه بأنها تبكي: " لأنك تموت، وليس عندي ثوب يسعك كفنا”..!!

”.. لا تبكي، فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأنا عنده في نفر من أصحابه يقول: ليموتنّ رجل منكم بفلاة من الأرض، تشهده عصابة من المؤمنين..

وكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية، ولم يبق منهم غيري .. وهأنذا بالفلاة أموت، فراقبي الطريق،، فستطلع علينا عصابة من المؤمنين، فاني والله ما كذبت ولا كذبت”.

وفاضت روحه الى الله..

ذلك رجل لا يريد غرضا من أغراض الدنيا، ومن ثم أفاء الله عليه نور البصيرة.. ومن ثم مرة أخرى أدرك ما تنطوي عليه الفتنة المسلحة من وبال وخطر فتحاشاها.. كما أدرك ما ينطوي عليه الصمت من وبال وخطر، فتحاشاه أيضا، ورفع صوته لا سيفه بكلمة الحق ولهجة الصدق، لا أطماع تغريه.. ولا عواقب تثنيه..!

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبو ذر بعد غزوة تبوك وكم يصفه قوله بصدق :" يرحم الله أبا ذر.. يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده"
كم نحتاج أن نتأسي بأبي ذر الغفاري ومعارضته السلمية ولكن بصوت جهوري يصل صداه الي الجميع .. والأهم للسلطة الظالمة التي تستأثر بالثروة وتحرم منها الشعب
رحمك الله يا أبا ذر فما حاربت ضده وضحيت من أجله ومت وحيدا بسببه في صحراء جرداء مازال يسيطر علينا حتي اليوم
ومازال السادة يسأثرون دون شعوبهم بالسلطة والثروة
كم نحتاج من يسيرون علي دربك اليوم يا أباذر
كم نحتاج أن نتأسي بسيرتك العطرة
jakoushamr@hotmail.com


المراجع:
http://www.tihamah.net/men_around_prophet/view.php?start=2
http://www.geocities.com/e_sohel/tareekh/tareekh20.htm
http://www.rosaonline.net/goldenbook/5.htm