الأربعاء، ذو الحجة 22، 1425

نظرات في المسألة القبطية - احمد ناجي

1

منذ دخول الاسلام مصر و ثبوت امره و طلوع نجم الدولة الاسلامية من اموية الى عباسية الى فاطمية الى مملوكية الى عثمانيه وحتى بعد ذلك مع ظهور مفهوم القومية في مصر و اشكال الدولة من ملكية الى ناصريه الى سادتيه الى مباركيه .. التزمت السلطة طوال هذه الفترة ورغم تعدد اشكالها بشمولية الدولة ومركزيتها
فالحاكم هو المسيطر هو الذى يقرر ما كان وما سيكون و صاحب اليد العليا

هذه السلطة الشمولية اتبعت دائما مجموعة من السياسات لترسيخ هذا المفهوم و المحافظة عليها ، تبدأ بالقضاء على وجود اى سلطة اخرى منافسه لها على الارض و القضاء عليها و تنتهى بالتوكيد الدائم للمواطن المصري بانه مسلوب الارادة و بانه خاضع لتلك السلطة القوية ، لذا من المهم جدا للسلطة و للنظام ان يتمكن اى رائد او ظابط شرطة (( احد ممثلى تلك السلطة )) بان يوقف اى مواطن مصرى و يضربه بالقلم مثلا او يعتقله .. هذه الحوادث البسيطة تقوم بدور نحنة الغفير زمان في الشوارع لتنبيه الجميع انه موجود.

2

و عبر قرون طويلة نجحت تلك السلطة في ترسيخ شبه قاعدة سارت عليها كل الانظمة التى حكمت مصر في التعامل مع الاقليات خصوصا الاقليات الدينية ، و التى تتلخص في تجنيب تلك الاقليات (( مسيحية – يهودية )) العمل السياسى و اعطائهم ميزات اقتصادية كنوع من التعويض مقابل تهميش دورهم السياسى .

و هو الوضع القائم في عدد من دول العالم التى تعانى من وجود بعد الاقليات سواء المختلفه دينيا او عرقيا فامريكا الستينات و التى شهدت مارتن لوثر كنج و حركات التحرر تحولت في النهاية على عدد من الامتيازات التى حصل عليها الزنوج في مجالات الموسيقى و الفنون لتنتهى حركات التحرر ببوستر (( ميلز ديفيز )) خلف البيانو و عبارة ملك الجاز في الاسفل و ليظل الزنوج الحقيقين و لس اصحاب الياقات البيضاء مهمشين من اى عمل سياسى حقيقى .




في مصر كان البديل إلى حد ما مختلف حيث جاء في هيئة امتيازات اقتصاديه اكبر للأقليات الدينيه ، على ان تحافظ تلك الفئات المستفيدة من تلك الامتيازات على السيطرة على جموع تلك الاقليه ، و تتحول لشبه المتحدث الرسمى باسم تلك الاقلية ، و طبعا هذه الفئة دائما ما كانت تحاول ان تكون العلاقة جيدة بين تلك الاقليه و السلطة ، لانها تستمد مكانتها في الاساس من تلك السلطة و من رضائها .


فمثلا في الدولة الفاطميه و رغم التميز الذى كان يعانى منه الاقباط في الملابس و في المعاملات الحكومية لكن معظم رجال الاقتصاد و وزراء بيت المال كانوا اقباط او يهود


و حتى العائلات القبطيه القديمة قبل الثورة كان معظمها من الاقباط او اليهود
و مع تزايد قبضة السلطه في مصر في الحقبه الناصريه تم سحب هذا الامتيازات في قرارات التأميم كما تم تصفيه المناخ من اى رموز سياسيه باستثناء الرمز الاوحد في ذلك الوقت ، و بالتالى اختلت المعادلة التى تتضمن استقرار الوضع.

و هاجر البعض منهم للخارج ليكونوا الان مايعرف باسم أقباط المهجر ، و التى اصبحوا كتلة تستخدم للمناوشة و الضغط على السلطة المصرية.

هذه الهجرة ، مع سحب الامتيازات الاقتصادية مع تفريغ المناخ السياسى من أى صورة اخرى بخلاف صورة أبانا الذى في السموات ادت إلى حالة فراغ سياسى حقيقى لم يمتلأ حتى الان.



و مع مجئ البابا شنودة في بداية السبعينات وظهور مذهب التعددية والاحزاب كان الاقباط في حاجة حقيقه لمن يمثلهم ، و اما حالة الفراغ السياسى السابقه لم يكن هناك سوى الدين ممثلا للكل.

فاشتد عود الجماعات الاسلامية ، و ظهرت الكنيسة مستغله مكانتها الدينية مثلما استغل البابا شنودة – مع كامل احترامنا لما يمثله من رمز – مكانته الدينية ليصبح العارف العالم بكل تفاصيل الشأن القبطى و المتحدث باسم الجماعة القبطية.



من هنا اصبحت الصورة مقلقة جداً... فنحن اما سلطة قمعيه تحرص على زرع الفرقة بين اعضاء الجماعة الوطنية و تحرص ان يكتب الدين في البطاقة و في لوحة اسماء طلبة فصول المدارس الابتدائية يكتب الدين بجوار اسم ..سلطة تحرص ان يتربي الطفل المصري على وجود اخر مختلف تجب كراهيته

و بالاضافة لتلك السلطة ، نشهد حالة من التعصب الاعمى و التلاعب بمشاعر الجموع عن طريق الدين .. نشهد تحالفا خطيرا بين الدين و اللعب السياسى.



3

الصورة الان سيئه جدا
فكلا الطرفين اقباط ومسلمين يحلم بالدولة الدينية و المسيح المنقذ
في نفس الوقت هناك فراغ سياسى حقيقى موجود في البلد
فمن بخلاف الكنيسه و البابا شنودة يمتلك الان تلك الشعبيه و القدرة على توجيه و تحريك الجماهير و لعب دور سياسي مؤثر؟؟!!؟؟
و من بخلاف التيار الاسلامى يمتلك القدرة على تعبئة الجماهير و قيادتها الان و بالتالى لعب دور سياسى مؤثر؟؟؟

في نفس الوقت قد أبدو متفائلاً بعض الشئ حين أقول انه لا يزال هناك بعض الامل في تحسن الأوضاع و في وجود شئ من الأمل و في راى يمكن استمداد هذا التفاؤل من ثلاث اسباب رئيسية.

أ- نمو بطئ يحدث و وعى ينمو و ان كان ببطئ لدى الجماهير من ان الطرفين ((رجال الكنيسه - قادة التيارالاسلامى )) يلهو بهم فالمسيحين الفقراء يشاهدون سيارات رجال الكنيسه الفارهة و يتحدثون سرا ثروات رجال الدين الذين لا يعرفون من اين اتوا بها ، و المسلمين بعد تجربه طويله مع التيار الاسلامى عانوا من جماعات التكفير و من الاشخاص الذين ادركوا انهم لا يسعون الا الى السلطة
ب- اسفل كل هذا أؤمن انا شخصيا بما يمكن تسميته دورة التاريخ و ارى ان اسفل كل ذلك الرماد هناك شعلة صغيرة لكن تنمو مع مرور الايام ... صغيرة نعم لكنها كافيه لايقاظ تلك العنقاء الهامدة من الاف السنين

و هناك روح حقيقه تضم الهلال مع الصليب تجمعهما مصلحة و طن و ارض و نهر احد و ان كان قد علاها مع مرور الوقت رواسب و سحب من الشعارات الاعلاميه المزيفه و رماد ينفخه البعض هنا و البعض هناك ليغطى تلك الروح لكنها ستظل موجوده مثل جوهر الأشياء.