الثلاثاء، ذو الحجة 21، 1425

الاسلام يشكل اوروبا الجديدة - ترجمة يوسف فضل الله

ترجمـــــة"

المقال المنشور في صحيفة شيكاغو تربيون تحت عنوان :

الإسلام يشكل أوروبا جديدة
بقلم : ايفان أوزنوس, المراسل الخارجي لصحيفة الـ تربيون
يستهل المقال بتعليق مختصر من هيئة تحرير الصحيفة يقول بأن : من يتسائل حول إمكانية انتهاء الصراع الدائر حول روحانية الإسلام في أمريكا ينبغي عليه أن ينظر إلى واقع الحال في أوروبا. فالتقاليد والمعتقدات الإسلامية الموروثة تتكاتف هناك لتدفع الأوروبيين إلى أن يعيدوا تقييم ممارساتهم وقوانينهم بل وكذلك مبادئهم الجديرة بالتقدير مثل مبدأ فصل الكنيسة عن الدولة. ولايبدو هذا الأمر جليـــاً واضحاً في أي مكان آخر مثلما يبدو في فرنسا التي تحتضن اليوم أكبر جالية إسلامية في طول القارة وعرضها.

ومن أجل تغطية الجزء الحادي عشر من هذه السلسلة الخاصة فقد تم إيفاد أحد مراسلي الـ تربيون إلى ضاحية باريس للوقوف عن كثب على حقيقة مستقبل هذه القضية التي تسعى أوروبا جاهدة للتعامل معها.

يصف المراسل مشاهداته في ضواحي باريس وكيف أنه شاهد الخنازير الصغيرة المذبوحة تتدلى في اتساق جميل في أحد الأسواق المفتوحة , وكيف يساوم أصحاب المحلات على أسعار الجبن والمحار في منظر لم يتغير كثيراً منذ أن تم مواراة آخر ملوك البوربون الثرى داخل الكنيسة القوطية القابعة على ناصية السوق. غير أنك لو دلفت قليلاً إلى خارج السوق في يوم من أيام الجمعة , وعلى مسافة لا تبعد أكثر من ربع ميل عن نهاية الشارع لوجدت هناك فرنسا أخرى من نوع مختلف : إنك ترى المئات من المسلمين مصطفين جنباً إلى جنب تتلاصق أكتافهم داخل خيمة غير مدفأة مصنوعة من الخوص وهم ينحنون في إجلال قدسي مهيب باتجاه مكة,وهو المكان الذي شهد مولد الإسلام وانطلاقته الأولى والتي لم يحظ بزيارتها ومشاهدتها إلا عدد قليل منهم .

الشيء العجيب هو أن الناس الذين يتعبدون في هذا المسجد المؤقت الذي يقع على أحدى جنبات باريس, هم رجال ونساء يرتدون أحدث الموضات والثياب التقليدية, وأغلبهم من العرب والأوروبيين والأفارقــة .

إنهم معتدلون, ومحافظون وأصوليون, وهم إما من الجيل الأول أو الثاني أو الثالث من المهاجرين . إنهم قانعون وغاضبون..إنهم يشكلون المستقبل الذي تسعى أوروبا جاهدة للتعامل معه.

الذي يحدث في أوروبا يمكن أن يشكل رؤية جزئية لما ينتظر الولايات المتحدة وسكانها من المسلمين الذين تتزايد أعدادهم بوتيرة عالية. فلأول مرة في التاريخ نرى المسلمين يشكلون أقليات كبيرة ومتنامية عبر العالم الغربي العلماني _ ولا نشاهد مثل هذا الأمر في أي مكان آخر بخلاف أوروبا الغربية حيث نلاحظ أن أعدادهم فيها قد زادت أكثر من الضعف خلال العقدين الماضيين. ونرى أن تأثير ذلك قد بدأ ينتشر وينتقل من أمستردام إلى باريس وإلى مدريد حيث نرى المسلمين يكافحون بالكلمات والأصوات وبالعنف أحياناً لإيجاد مكان لهم داخل المجتمعات المختارة. وعلى الرغم من حداثة السن, والفقر وكونهم عاطلين عن العمل بصورة لاتتناسب مع الواقع إلا أنهم يفتشون عن قدر أكبر من الاعتراف وعن نوع الإسلام الذي يناسب حياتهم . ومثلما يدور النقاش حالياً في مصر وباكستان وإيران حول شكل الإسلام اليوم فإن أوروبا تأخذ في البروز بوصفها أرضاً للمعركة التي ستحدث غداً.

من المؤكد أنه سوف لن يمر منتصف القرن الحالي إلا ويكون واحد من بين كل خمسة أوروبيين قد أصبح مسلماً , وهذا التغيير لا يرتبط من حيث الشبه مع أية موجات أخرى من المهاجرين , فهو يفرض تحدياً جوهرياً أكبر , إنــه يرسم معالم حضارة يهودية- مسيحية- إسلامية معاصرة ويجب على الغرب أن يقرر الكيفية التي يمكن بها تشكيل قوانين ومثل تلك الحضارة, وكيف سيعمل الإسلام على تشكيل وصياغة تلك القوانين والمثل .

السؤال الذي يطرح نفسه في أوروبا والولايات المتحدة هو ليس أية حضارة من هاتين الحضارتين- الغربية أو الإسلامية- سوف تنتصر وإنما هو أي شكل من أشكال الإسلام الكثيرة سيسود وتكون له الغلبة في النهاية؟ وهل سيكون هذا الشكل متوافقاً مع قيم الغرب ومثله أم أنه سوف يرفضها كلها ؟

المحور الرئيس للنقاش يرتكز على فرنسا , وهي الحاضنة لأكبر جالية إسلامية في أوروبا

والتي يقدر تعدادها بخمسة ملايين مسلم . نشاهد هنا أن عملية تحديد وتأطير الإسلام الأوروبي تثير أسئلة ملموسة مثل :الحق في وضع غطاء الرأس(الحجاب), أو مجردة مثل: معنى المواطنة (citizenship )والعلمانية(secularism) والتطرف extremism)) .

ونرى في بعض الحالات أن المسلمين المحافظين يرفضون زيارة المسابح المختلطة, ويمتنعون عن دراسة النظرية الداروينية( التطور والإرتقاء ) أو السماح بالكشف الطبي على المرأة من قبل الأطباء الذكور.

لقد قامت الحكومة الفرنسية خلال الستة شهور الماضية بإبعاد 84 شخصاً مستندة إلى شكوك بأنهم ينادون بالعنف وإثارة الرأي العام ضد إقرار منع ارتداء الحجاب وغيره من المظاهر الدينية في المدارس العامة. ولكن حتى المؤيدين لذلك الاتجاه الشديد في المعالجة

يعترفون بأن الإجراءات المتخذة لا تعمل إلا على زيادة تشويه صورة أوروبا عن نفسها.

صورة أوروبا الجديدة

شوارع سانت دينيس الضيقة تنحدر من كاتدرائية قديمة تعود إلى القرن الثاني عشر وقد كانت في يوم من الأيام الاستراحة الأخيرة لأجيال متعاقبة من الملوك الفرنسيين, لكنها اليوم بتماثيلها الحجرية التي يغمرها الثلج تحملق ناظرة إلى مدينة و أمة قد بدأ يعتريها التغير والتحول. لقد بدأت هجرة المسلمين إلى أوروبا بشكل جدي في أعقاب الحرب العالمية الثانية عندما وصل العمال بالآلاف من شمال أفريقيا للمساهمة في إعادة إعمار القارة. وخلال نصف قرن من الزمان أصبح مالا يقل عن ثلث سكان سانت دينيس البالغ عددهم تسعون ألفاً من أصل عربي. وتشاهد حالياً في المدينة الكتابات العربية على واجهة محلات الجزارة والحوانيت التي تبيع اللحم الحلال ( المذبوح على الطريقة الإسلامية) , وأصبح هناك عدد قليل من المطاعم التي تعود لفرنسيين تنتشر هنا وهناك في حذر شديد بينما تضم بيوت المستوطنين المسلمين المهاجرين الجدد منهم , وتبقى بيوت المسلمين الكئيبة تودع القدامى منهم.

على طول البلاد وعرضها لايزال المسلمون الفرنسيون يعيشون في نفس المكان تقريباً الذي عاش فيه الوافدون الأوائل منذ نصف قرن مضى وذلك ضمن وحدات سكنية في ضواحي المدن تم إنشاؤها في الخمسينيات لإيواء العمال الأجانب. و "الضواحي" أصبحت اليوم هي الكلمة المستخدمة في الإشارة إلى التجمعات السكانية الفرنسية المسلمة وتمييزها عن غيرها من التجمعات . في السابق كانت هذه التجمعات موحدة وكان يقيم فيها البولنديون والإيطاليون, وكان العمال الفرنسيون يعيشون بين القادمين من شمال أفريقيا, ولكن مع مرور الوقت انتقل الأوروبيون إلى أماكن أخرى أما العرب فبقوا في أماكنهم القديمة حيث نجد أن هذا المنظر يتكرر في مختلف المناطق من ضواحي باريس.

التغييرات التي حصلت لم تكن أكثر دهشة واستغراباً من منظر المسلمة المحافظة وهي تلتحف عباءة سوداء فضفاضة من رأسها إلى أخمص قدميها وتبدو سوداء أكثر من الغربان.

ولادة الهويـــة

بعد مرور ثلاثمائة سنة على قيام شارل مارتيل ,ملك الفرنجة, بصد الجيوش المسلمة وطردها من مدينة الطٌور (TOUR ) الاستراتيجية , نرى أن الإسلام أصبح اليوم يشكل الديانة الثانية في فرنسا حيث يوجد في فرنسا من المسلمين اليوم ما يعادل عشرة أضعاف عدد اليهود.

من ضواحي باريس ومنذ 25 سنة مضت قام الإمام الشيعي آية الله روح الله الخميني بالتخطيط لثورة أدت في النهاية إلى الإطاحة بشاه إيران ,كما أدت بدورها إلى تفجير ثورة إسلامية على مستوى العالم . وإن الآثار المترتبة على تلك الثورة لازالت تشاهد جلية وبالعين المجردة حيث بدأ أطفال وأحفاد المهاجرين المسلمين في أوروبا يميلون وبأعداد متزايدة إلى اعتناق الدين الإسلامي .وتشير الإحصائيات في كل من فرنسا وإنكلترا إلى أنه قد أصبح هناك قدر أكبر من الالتزام بأوقات الصلاة اليومية والمواظبة على الحضور إلى المساجد, والصيام خلال شهر رمضان عما كان عليه الحال قبل قرن من الزمان.

إن شخصاً واحداً من بين كل خمسة مسلمين في فرنسا يقول بأنه يمارس تعاليم العقيدة الإسلامية بفعالية وانتظام لكن الكثير ممن كانوا يعرّفون عن أنفسهم بأنهم من أصل تونسي أو عراقي أو تركي بدأوا اليوم يعبرون عن هويتهم الرئيسية بأنهم مسلمون.

وعلى العكس من المهاجرين الأوائل الذين كانوا يتطلعون إلى العودة إلى بلادهم وجيوبهم مملوءة بالنقود فإن القادمين المتأخرين هم ممن تأخروا في العودة بسبب وجود قلاقل في أوطانهم فبقوا في الغربة يبنون وينشئون عوائل هي أكبر من عائلات جيرانهم الأوروبيين .

إن تأثير هذا الأمر يتضخم ويتعاظم من خلال الانحدار والانحطاط الحاصل في المسيحية الأوروبية حتى أصبح عدد من يدعون أنفسهم بالكاثوليك , والتي تشكل أكبر مجموعة عرقية في القارة الأوروبية, ينخفض بمعدل الثلث خلال الـ25 سنة الماضية.

إن النتائج المترتبة على ذلك هائلة , فخلال ست سنوات من الآن سوف تكون ثلاث من

بين أكبر المدن في هولندا ذات أغلبية مسلمة, وإن ثلث إجمالي عدد المسلمين الألمان هم ممن لم يتجاوزوا سن الثامنة عشرة وهذا يمثل حوالي ضعف النسبة بين التعداد العام للسكان .

ومع وجود ذلك المعدل من النمو, وتوتر العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي فإن علماء الإسلام الراديكاليين لم يواجهوا أي نقص في عدد الموالين لهم .

في عام 2002 جرى استطلاع للرأي بين مسلمي بريطانيا فوجد أن نسبة 44% منهم يعتقدون بأن الهجمات التي تقوم بها القاعدة هي هجمات مبررة طالما أن "المسلمين يتعرضون للقتل على يد أمريكا وحلفائها باستخدام الأسلحة الأمريكية". وحسب التقديرات الألمانية فإن هناك 31,000 إسلامي على أرضها وذلك استناداً على قوائم الترشيح للاتحادات الألمانية المحافظة.

سنة بعد سنة نجد أن الإسلام الأوروبي يبتعد شيئاً فشيئاً عن التقاليد والموروثات الثقافية للمغرب والجزائر وأنه يتغير دائماً نتيجة لضغوط الحياة في أوروبا. وفي حين يرى البعض أن الحل هو في إيجاد إسلام يكون أكثر تحرراً وليبرالية ويكون قادراً على الجمع بين المفاهيم والأفكار الغربية حول الحقوق الفردية والتسامح فإن الآخرين يرون أن الرد هو في البحث عن تفسير يكون أكثر تشدداً بشأن العناصر الجوهرية للعقيدة .

لقد ظهرت الآثار الخطيرة لذلك الاتجاه الراديكالي في الحادي عشر من مارس حينما حصلت التفجيرات المتناسقة والمنتظمة لأربعة قطارات تتحرك بواسطة الكمبيوتر في مدريد العاصمة وقتل فيها 191 شخصاً وجرح أكثر من 1800آخرين. ثم قام متهمون مغاربة وتونسيون فيما بعد بقتل أنفسهم أثناء المواجهة مع رجال الأمن.

حصلت مؤخراً قلاقل في هولندا في أعقاب جريمة القتل البشعة التي راح ضحيتها ثيوفان كوخ الذي أنتج فيلماً سينمائياً مثيراً للجدل حول استخدام العنف ضد المرأة داخل المجتمعات الإسلامية. وقد ألقى البوليس القبض على رجل مغربي في السادسة والعشرين من العمر يحمل الجنسية الهولندية ووجهت إليه التهمة بطعن فان كوخ ثم إطلاق النار عليه. وكما يزعم فإن المتهم كتب ملاحظة على جثة القتيل مستخدماً السكين.

ومنذ أيام جرى إشعال النار في مدرسة إسلامية ثم جاء العقاب على إثر ذلك . فلقد طالب سياسيون من جناح اليمين في بلجيكا وألمانيا بفرض قيود جديدة على طالبي الهجرة

لكن مع الوقت اتضحت حقيقة على قدر كبير من الشمولية يتخطى حدود القضية . فقد وجد أن الفعل الإجرامي لم يصدر عن مهاجر وصل البلاد حديثاً ويحمل أفكاراً متطرفة وإنما هو ناتج من نواتج الراديكالية التي تنمو وتترعرع في داخل الوطن. يقول البوليس بأن المشتبه به محمد بويري قد كتب ملاحظته على جثة القتيل باللغة الهولندية وليس بالعربية.

يقول جيليس كيبل , رئيس الدراسات الإسلامية في معهد الدراسات الإسلامية في باريس, والذي ألف عدة كتب حول الإسلام في أوروبا : " تعتبر هذه الشيزوفرانيا من أخطر الأشياء التي تواجهنا في أوروبا حالياً, فهي تعني مدريد وهي تعني محمد عطا " وذلك في إشارة إلى أحد خاطفي الطائرات يوم 11 سبتمبر, والذي عاش لبعض الوقت في ألمانيا.

رجلان ورؤيتان مختلفتان

إن معرفة أين يضع المسلمون المعتدلون ثقتهم في نهاية المطاف ربما كان هو العامل المقوّم ومفتاح الحل الذي لايمكن التنبؤ به- لتحديد نقطة الحسم في الصراع الدائر حول صياغة وتشكيل نمط الإسلام الغربي . ومن أجل فهم الخيارات المطروحة لابد لنا من زيارة الأشخاص الذين يمثلون الرؤيتين الإسلاميتين المتصارعتين في فرنسا.

دليل بوباكر , هو إمام المسجد الكبير الذي يقع في قلب مدينة باريس , وهو معروف منذ مدة طويلة بأنه صاحب خطاب معتدل في الدعوة الإسلامية في فرنسا . وفي المقابل هناك الحاج تهامي بريزي , رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا وهو الاتحاد الإسلامي ذو القوة المتنامية في البلاد.

بوباكر البالغ من العمر 64 عاماً والذي تدرب ليكون طبيب أسنان , يدير المسجد الذي يعود تاريخه إلى حقبة العشرينات . إنه يميل إلى الاقتباس من (عمانويل كانت) ويعد مقرباً من الرسميين الفرنسيين ويحظى بحب السفراء الأجانب. إنه يضع برعماً من الورد الأحمر على بطاقته الإسمية التي تشير إلى عضويته في رابطة الشرف مع إدراكه بأنه يتجه إلى خسارة مركزه.

يقول بوبكر : " منذ تاريخ الحادي عشر من سبتمبر بدأ عالم الإسلام في الغرب يتغير بسرعة أكبر مما هو عليه في أماكن أخرى من العالم , وإن البلدان الغربية عقدت مع الأصوليين اتفاقية رجال ( جنتلمان ) وهذه الاتفاقية تقول أن بإمكانكم البقاء هنا طالما أنكم تلتزمون الهدوء , إلا أن الرجال لم يعودوا هادئين كما تعودوا أن يكونوا من قبل".

مامن شك بأن نفوذ بوبكر قد بدأ يضعف , ففي السنة الماضية جرى اختياره ليكون رئيساً للمجلس الفرنسي الرسمي للديانة الإسلامية , وهي هيئة جديدة أسستها الحكومة عام 2003 لإعطاء المسلمين صوتاً رسمياً عند التعامل مع الدولة. وتماماً مثل الهيئات التي تمثل الكاثوليك واليهود فإن المجلس يتحدث باسم المسلمين فيما يتعلق بالمواضيع المختلفة مثل تشييد المساجد وتدريب رجال الدين والمشايخ.

لم تسر الأمور على النحو المخطط له , ففي الجولة الأولى من الانتخابات انهزم معسكر بوبكر المعتدل أمام المرشحين المحافظين الذين فازوا بـ70% من أصل إجمالي المقاعد البالغ

41 مقعداً. وتقرر أن تكون الجولة الثانية في شهر أبريل حيث يتوقع أن يخسر المعتدلون بدرجة أكبر لصالح من يعتقد بأنهم يميلون إلى التغيير الراديكالي للإسلام في فرنسا.

ويتابع بوبكر القول :" تبقى الحقائق كما هي . إن الديانات التي تنغلق على نفسها تنقلب لتصبح مذاهباً , ذلك هو الذي يحدث بالنسبة للإسلام هنا , وإنني شديد الأسف على ذلك ".

عبر المدينة, وبمحاذاة الخط السريع لضاحية باريس المسماة ( لاكورنيف ) يبدو خصوم بوبكر واثقين تماماً من أنفسهم . ويظهر بيريزي مرحباً بالزائرين في مقره المبني من الزجاج والحديد , وأمامه رزمة لامعة من المطبوعات ورسالة هادئة كتبت عليها عبارة : " التنسيق وعدم المواجهة".

يقول بيريزي وهو يحتسي كوباً من القهوة على طاولة الاجتماعات :" نحن لسنا متطرفين إننا نمارس معتقداتنا ونكن التقدير للحكومة . إننا نريد شيئاً واحداً من أوروبا وفرنسا وهو أن يكونوا مخلصين لقيمهم " .

إن اتحاد بيريزي يستقطب 30,000 شخصاً في مؤتمره السنوي , ويرتفع صوت الحشد مدوياً في تحدي السلطات السياسية . وفي اجتماع السنة الماضية اضطر وزير الداخلية إلى قطع خطابه حينما اقترح على النساء أن يقمن بخلع الحجاب عند التقاط صور الهوية الشخصية لهن.

ما الذي يريده بيريزي حقاً من المسلمين في فرنسا ؟ إنه يقوم هو وجماعته بموازنة مطالبهم في حرص شديد . إنهم يتظاهرون ضد الحظر المفروض على ارتداء الحجاب لكنهم في الوقت نفسه يحثون الفتيات على احترام القانون والنظام طالما أنه مطبق وساري المفعول.

الاتحاد الذي يقوده بيريزي هو جزء من مظلة أوسع تشمل أوروبا بأكملها , وهذه المظلة هي المعنية بإصدار القرارات التي تساعد المسلمين المحافظين على العمل في مجتمع غربي معاصر من خلال السماح بالقروض التي تترتب عليها فائدة ( الربوية ) والتي تعتبر محظورة في ظل الإسلام وكذلك السماح باستهلاك الجيلاتين أو الهلام الحاوي على دهن الخنزير.

دعونا نجرب بيريزي في المواضيع الأكثر حساسية - فهل هو يريد إقامة دولة إسلامية في فرنسا ؟ أم أنه يريد تطبيق قانون إسلامي وفرض عقوبات صارمة؟ هو يقول "لا.. ربما تكون هذه القوانين جائزة ومطبقة في السعودية أو في فلسطين غير أنها لا تنطبق هنا ".

بالنسبة إلى بعض النقاد يعتبر بيريزي " ازدواجي الطرح" فهو يقول شيئاً باللغة الفرنسية وشيئاً آخر باللغة العربية. أما بالنسبة للبعض الآخر فإنما هو وببساطة شديدة , استراتيجي بارع ومنظّر داهية يدرك خطورة القوة القادمة من المجتمعات المسلمة التي تكبر بسرعة هنا.

من جانبه يقول بيريزي بأن مهمته ورسالته تنحصر في نقل رسالة قصيرة مفادها " أن على فرنسا أن تحترم هذه المجموعة السكانية ".

عالــم موازي

تقول فاتن منصور, وهي فتاة في الثالثة والعشرين من العمر وتدرس القانون في جامعة السوربون وتشير ملامحها إلى أنها فرنسية الأصل خصوصاً وأنها ترتدي بنطال جينز وحذاء أحمر بكعب عال رفيع , وهي الأولى بين زميلاتها التي تقول صراحة أنها ليست فرنسية تماماً . " إنني امرأة وأنا عربية وقد جئت من الضواحي , ولديّ ثلاثة معوقات. وتتابع : "فرنسا ليست عرقية, لكنها مصابة بعقدة الخوف من الأجانب.

إنني أستطيع أن أدرس القانون طول الليل لكنني لا أعرف ما إذا كنت سأجد عملاً حينما أتخرج ..! هذا ليس لأنني لا أتمتع بالكفاءة ولكن لكوني عربية".

إن الشعور بالعزلة والاستثنائية في المعاملة يبرز على أنه يمثل القضية الرئيسة في الصراع الدائر حول اندماج الإسلام في أوروبا . وسواء تعلق الأمر بالأتراك في ألمانيا أو بالاندونيسيين في هولندا أو بالباكستانيين في بريطانيا فإن استطلاعات الرأي تشير إلى شعور المسلمين بأنهم يعيشون في عالم متوازي داخل أوروبا.

لايوجد هناك مسلمون في البرلمان الفرنسي, ولايوجد مدير عام او مسؤول تنفيذي رئيسي مسلم لأي من كبرى الشركات الفرنسية , ووسائل الإعلام التي تحمل الأخبار الوطنية هي دائماً بيضاء , والساسة المسلمون من المستويات الوسطى يرددون عبارات عن أن حياتهم العملية قد تحولت عن مسارها بفعل من هم أعلى منهم .

ذكرت الحكومة الفرنسية في تقييم رسمي ضمن تقرير أعدته وكالة التدقيق والمراجعة وصدر في 23 نوفمبر أنها تحمّل الجمهورية مسؤولية الخطأ الحاصل في عدم تمكنها- أي الجمهورية – من محاربة التمييز الحاصل في السكن وأماكن العمل والمدارس .

وفي نفس الأسبوع قدمت شركة AXA والتي تعد أكبر شركة ضمان في فرنسا تقريراً

خلصت فيه إلى القول بأن المهاجرين الشباب في فرنسا يعانون من نسبة بطالة تعتبر أعلى

بـ2 إلى 5 أضعاف معدل البطالة السائد بين الشباب من الأصول الأوروبية.

هذا الإحباط يسوء مع مرور الوقت . يقول خالد بو شامة , ممثل جماعة بيريزي ضمن منطقة سانت دينيس :" إن أول جيل جاء إلى أوروبا من أجل العمل , والجيل الثاني وجد نفسه ضائعاً بين ثقافتين , أما الجيل الثالث فإنه يعتبر فرنسياً بالكامل ويريد أن يحصل على جميع حقوق المواطنة والجنسية ".

بالنسبة لذوي الأصول الأوروبية, تعتبر الهجرة المسلمة بمثابة عالم جديد قد وصل إلى نهايته:

فالقارة التي دأبت طيلة قرون على تصدير الناس والحضارة والدين إلى العالم الثالث نجد اليوم أنها أخذت تتشكل على يد مستعمراتها الاستيطانية السابقة. أما بالنسبة للمؤسسة الفرنسية فإن التحدي هو في إدخال المسلمين ضمن المجتمع الأوروبي من دون إجراء أي تغيير أو تعديل في أسس الديموقراطية العلمانية التي تتبناها.

إن التحرك الذي قامت به الحكومة الفرنسية بإصدار قرار يحظر حمل وارتداء المظاهر الدينية في المدارس العامة والتي من ضمنها غطاء الرأس ( الحجاب ) الإسلامي والقلنصوة

( اليرملك ) اليهودي والصلبان الكبيرة , قد أثار من اللغط ما لم يثره أي قرار آخر .

فبالنسبة إلى معارضي القرار جاء القانون بمثابة رفض فظ وقاس على قبول هجرة المسلمين إلى فرنسا. أما بالنسبة للمؤيدين فإنهم يعتبرونه تحركاً حاسماً للتقليل من الحواجز التي تفصل بين الشباب في فرنسا.

يقول بلاندين كريجل , وهو أحد مستشاري الرئيس شيراك والمعني بمواضيع الإندماج :

" لقد أظهر القرار أنه لايمكن المضي أكثر من ذلك في هذا الأمر, وأنه لايمكن الذهاب إلى أبعد مما وصل إليه , فالموضوع لامس عصباً حساساً وهو العصب الذي يستقر في صميم طريقتنا في الحياة".

البروفيسور كيبل, وهو الذي عمل في اللجنة التي أوصت باتخاذ القرار يقول بأنه قد عارض الفكرة في الأصل إلا أنه سمع شهادة من بعض الأساتذة و الشابات اللاتي ذكرن كيف أن الأصوليين كانوا يستغلون قرارات البنات المتعلقة بارتداء الحجاب كوسيلة ضغط عليهن لإجبارهن على تبني نمط حياة يكون أكثر تزمتاً وتديناً . ويقول كيبل : " لو اتهمونا بأننا نخاف من الإسلام فدعونا نقبل هذه التهمة ولا نعطي لها بالاً.. لقد حان الوقت لإعطاء هؤلاء الصبية الفرصة للتفاعل بأفضل طريقة ممكنة وعدم تعريض مستقبلهن داخل المجتمع الفرنسي للخطر".

رد المسلمون الفرنسيون على القرار بالاحتجاجات الجماعية , وقام الإرهابيون في العراق بخطف صحفيتين فرنسيتين مطالبين بأن يتم إبطال القرار وسحبه رسمياً وإذا لم يتم ذلك فإنهم سوف يعدمون الرهينتين . وكان من ردود الفعل أن قام المسلمون الفرنسيون بشجب القرار .

أربعة شهور انقضت على بدء السنة الدراسية الأولى في ظل القانون الجديد وبقي هناك 45 طالبة في فرنسا كلها خارج المدرسة أو في مرحلة التوسط والأخذ والرد بشأن امتناعهن عن رفع الحجاب. و إزاء عدد الـ2000 من البنات اللائي كان يعتقد بأنهن يرتدين الحجاب في المدارس السنة الماضية فإن المسؤولين الفرنسيين تغمرهم الفرحة لبلوغ هذه النتيجة .

يقول كريجل بأنه خلافاً لقانون الحجاب فإن الحكومة تسعى على خفض معدل التفرقة والتمييز بين المهاجرين المسلمين من خلال إتاحة المزيد من السبل لتعلم اللغة الفرنسية, ومحاربة التفرقة والتمييز في أماكن العمل, ونعتقد بأن الحكومة ماضية في الطريق الصحيح.

إنه لم يحصل إشعال نار في الضواحي , ولا يوجد حوادث شغب كما حصل في أحياء الأقلية السوداء في الولايات المتحدة خلال الستينات فلم لا يكون ذلك؟ هذا لأننا كنا نشمّر عن سواعدنا ونفعل شيئاً ما... لقد قلبنا الزاوية .

أما في سانت دينيس وضواحي باريس الأخرى فإن القرار لم يكن واضحاً تماماً . فجموع الشباب تقف هناك على نحو يشبه رمز الـ17% الذي يمثل نسبة البطالة التي تتعدى كثيراً حدود المعدل الوطني . أما الفصول الدراسية والمساكن العامة فإنها مكتظة بالعائلات المهاجرة التي تنمو وتتزايد بوتيرة متسارعة.

المساجد تشهد حركة دؤوبة لم تشهد مثلها من قبل , فمركز التوحيد الذي يؤمه الشباب من أتباع طارق رمضان والواقع قبالة المحال التجارية , ومسجد التبليغ الخاص بالناسكين الذين يتبعون النمط الإسلامي السعودي المحافظ , وحجرات الصلاة الكثيرة مفتوحة لكل الذين يمرون أو يتوقفون في المكان .

ذكر أحد المسؤولين في جهاز الأمن والاستخبارات الفرنسية المكلفين بمراقبة الجماعات الأصولية أنه يعتقد بأن " الجدل المتعلق بموضوع الحجاب والجهود المبذولة لتدريب الأئمة قد دفعت المسلمين الفرنسيين إلى نقطة محاسبة ومراجعة خجولة للنفس ,وعليهم الآن أن يقرروا ما إذا كانوا سيندمجون مع أوروبا أو أن يردوا بشكل جدي على الجهود الرسمية الرامية إلى تغيير وتعديل جاليتهم . إنهم الآن على مفترق الطرق وبإمكانهم إما أن يمضوا إلى جهة اليسار أو التوجه إلى اليمين".

للاطلاع على النص باللغة الانجليزية انقر على الرابط

http://www.geocities.com/half_word/htmls/article_74.html

طيب الخير لكم

ترجمة يوسف فضل