الأربعاء، ذو الحجة 29، 1425

قراءة في خطاب حال العالم - عبد اللطيف مهنا


بدى الخطاب السنوي الدوري المعروف بخطاب "حال الاتحاد"، الذي ألقاه رئيس الولايات المتحدة جورج بوش الابن، والذي تلى بأسابيع قليلة خطاب "التنصيب" بمناسبة تسنمه لولايته الرئاسية الثانية، وكأنه قد تحوّل أو تطوّر إلى ما يشبه خطاب لحال العالم، رغم أنه لم يهمل القضايا الداخلية وتعرض لها وفق المتبع عادةً... خطاب حال الاتحاد أو حال العالم هذا استند إلى روح خطاب التنصيب ذاك، ذو الصبغة الرسولية الطاغية وانطلق من ذات الجموح الأيدلوجي الذي وسمها، وإن تحدّث بلغة سياسية لعلها كانت شبه معدومة في الأول، ليقلل بالتالي، دون نجاح يذكر، من فجاجة تلك اللهجة التي ترافق بالضرورة منطق من انتدب نفسه لمهمة تغيير صورة العالم، عبر ما يمكن وصفه بحرب الحرية بعد الحرب على الإرهاب، لتغدو هذه الصورة على شاكلة ما يريده هو لها، أو تنسجم مع ضرورات المصالح التي يمثّلها، أو التي تقف خلف استهدافات مثل هذا التغيير المنشود... العلاقة الملاحظة هنا بين هذين الخطابين، والتي أشرنا لها، تعيدنا إلى ملاحظة أخرى هي كيف بدت بشائر الفترة الرئاسية الثانية، التي بدأت مع بدايات هذا العام، تؤكد على أنها ليست سوى امتداداً تصعيدياً لسياسات الأولى المنصرمة ذاتها، بل وليست وفية لها فحسب، وإنما أكثر اندفاعاً في سياق المواظبة على جني حصاد استهدافاتها.
لكن فارقاً ما طرأ على لهجة الخطابين، فبدى من ثم الأخير مختلفاً، أو كان هناك ما يراد بأن يوحي بذلك، لا سيما فيما يتعلق بالحصاد المختلف، وفق المأمول، لكل من الفترتين الرئاسيتين، التي ذهبت والتي بدأت، أو ما سوف تتمايز فيه اللاحقة عن الأولى.
خطاب حال الاتحاد ضج بلهجة انتصارية مردها، أو هكذا يصور، منجزين، بدى وكأنهما لم يكونا متوقعين، حققتهما الإدارة الأمريكية، أو دفعت جاهدةً لتحقيقهما، أو اعتقدت بأنهما منجزاها في مستهل ولاليتها الثانية بامتياز، هما: الانتخابات العراقية وقبلها الفلسطينية، ولم يتوان الرئيس بوش وإدارته في المسارعة إلى الإفادة منهما، وتسويقهما على أنهما كذلك داخلياً، وتوظيفهما واستثمارهما في جولته الأوروبية الوشيكة على حلفائه المتشككين والمطلوب رأب الصدوع معهم خارجياً. وخلاصة الأمر أنهما، أي هذين المنجزين المفترضين، بديا وقد أعطيا إدارته نوعاً من ما يشبه الثقة الزائدة بالنفس انعكست دون تأخير تشدّداً في محاولة تطبيق ذات السياسات التي درجت عليها إدارته، والسير بها لذات الأهداف التي لم تتخلى ولن تتخلى عنها، في كلا الحقبتين الرئاسيتين، المنصرمة والتي لا زالت في بداياتها.
...والآن، ما هو كنه الفارق بين حصاد فترتين رئاسيتين، انقضت الأولى وهي تبحث عن منجز عزّ قد يوازي ضجيج طبول حروبها الكونية، وبدأت الثانية مزهوةً بأمرين: الأول، نظرتها إلى عودتها للبيت الأبيض مرة ثانية، وكأنها نوع من مبايعة وطنية أو تفويضاً شعبياً لها بمواصلة ذات السياسات المتبعة بالأولى، والثاني، ظفرها بذلك المنجزين، التي سبقت إشارتنا إليهما، أو ما تراهما وتريد العالم أن يراهما كذلك، واللذين انعكسا، أيضاً كما أشرنا، أو أريد لهما أن ينعكسا في تلك اللهجة الانتصارية المعتدة بهما بإفراط مقصود في خطاب حال الاتحاد أو حال العالم المشار إليه؟!
في الفترة الرئاسية البوشية الأولى شنت القوة الأعظم في العالم حرباً سهلة على بلدين صغيرين قياسياً من بلدان العالم الثالث، هما أفغانستان والعراق، الأول يعيش أوضاعاً، من حيث وسائل القوة وأدواتها العصرية، لا تفصله كثيراً عن مستويات القرون الوسطى، والآخر منهكاً جراء حربين متواليتين يليهما حصار استمر لأكثر من عقد ويستحيل منطقياً صموده في مواجهة جبروتها... لكن من انتصر أو نجح في حربي احتلال هذين البلدين لم ينجح فيما يلي:
إقناع العالم بنجاعة نتائج الأولى لجهة ما حققته على صعيد الأهداف المعلنة للحرب الأمريكية الكونية على ما يسمى الإرهاب، أو إقناعه بمصداقية ذرائع الثانية، والحديث حول الذرائع الكاذبة والمتبدّلة لهذه الحرب يطول وحبالها القصيرة غدت معروفة. وأيضاً لأنها لم تساعد كسابقتها في التقدم في تلك الحملة الدائمة على ذلك المسمى بالإرهاب، وإنما بدت للأمريكيين قبل سواهم أنها فاقمته. كما أن الرئيس الأمريكي لم يقنع أحداً بعد في أن العالم قد أصبح أكثر أمناً، وفق المقولة التي كان لا ينفك يرددها، وإنما أصبح أكثر قلقاً وتوجساً، بل موضوعياً وبالضرورة أكثر عنفاً بعد شنّ هاتين الحربين.
وإذ نجح نسبياً في حشد العالم خلف حربه الأولى، وشرعنتها عبر جرّ الكثيرين في الساحة الدولية وراء مقطورة دعمها، أو حتى إلى نوع من المشاركة فيها ولو إلى حين، لم ينجح مطلقاً في حشده وراء حربه الثانية، إذ شهد الجميع انفراط أعداد من عقد الدول المشاركة فيما يدعى قوات التحالف وانسحابها الواحدة تلو الأخرى من الورطة العراقية، وإزماع أغلب البقية المعلن على ذلك، باستثناء الحلفاء التقليديين من ذوي الهويات الأنغلو- سكسونية. كما لم ينجح، كما هو معروف، في تحويل الأمم المتحدة إلى أداة أو مظلة في الحرب الثانية، ولا حتى في جرّ حلفائه الأطلسيين إلى أتونها، وفشله في محاولة فرض عملية تمويلها على العالم أو إشراكه في مغارمها لا مغانمها معروف... وحيث أُنجز الغزو ومن ثم غدا الاحتلال واقعاً فلقد فاجأته سرعة المقاومة كرد فعل منطقي ومشروع ومن ثم تصاعدها واتساعها، وهالته كلفة هذا الاحتلال الذي لم ينجح في شرعنته، ليواجه بالتالي تعثر محاولات نوع من فتنمة العراق على الأقل حتى الآن، بمعنى سرعة تكوين جيش عراقي موال للاحتلال على الطريقة الفيتنامية، حيث قاتل الفيتناميون الجنوبيون أخوتهم الشماليين نيابة عن الأمريكان أو معهم. كما لم ينجح في طمأنة النظام العربي إلى نواياه بعد أن ذهب بعيداً في ابتزازه باسم التغيير والديمقراطية، ولا في تبديد شكوك العالم الإسلامي بأن إسلامهم مستهدف من قبل هذا التسونامي الأمريكي. وعليه بدأت الأصوات داخل الولايات المتحدة تطالبه بتلمس سبل الخروج من المستنقع العراقي... وأخيراً، لم تنجح الإدارة الأمريكية البوشية في ترسيخ عولمتها السياسية والثقافية والاقتصادية والأمنية في عالم تتعمق فيه مع الأيام روح رفض استحقاقات هذه العولمة... والأهم بدأ العالم، وهو المتوجس شراً من جموح هذه الإدارة ذات النزعة الإمبراطورية وفلسفتها الاستباقية ثم التغييرية، يضيق ذرعاً بحقبة آحادية القطبية التي أبتلي بها، ويبحث جاهداً عن سبل تسريع الوصول إلى تعدديتها الحتمية عبر ما يلوح من طموح لعديد المراكز المتوثبة الواعدة.
...إذن، وإذ تعثرت، كما رأينا، شعارات وسياسات الفترة الرئاسية الأولى واستهدافاتها، فما الذي اختلفت عنه حتى الآن تاليتها والتي لا تزال في بداياتها؟
أو ما الذي نجح الرئيس الأمريكي فيه حتى الآن ليبرر كل هذه اللهجة الانتصارية في خطاب حال الاتحاد، وهذا التصعيد أو الوعيد حيال تطبيقات ذات السياسة القديمة الجديدة في كلا الفترتين؟
إنه كما سبق وأن قلنا، ليست سوى ما دعي بالتهدئة التي أعقبت أجواء انتخابات السلطة الفلسطينية وما يعلق عليها الجانب الأمريكي الإسرائيلي، وإتمام عملية الانتخابات العراقية... في الأولى ينظر الرئيس بوش وإدارته إلى أن إنجاز التهدئة المعلنة من الجانب الفلسطيني عامل مساعد على إنجاز المشروع الأمريكي في العراق، الذي لا أمل في هيمنة أمريكية ممكنة على المنطقة دون إنجازه، بل تعامل دائماً مع المسألة الفلسطينية، منذ إطلاق شعاره أو رؤيته لحل الدولتين، من هذا المنطلق، وإن لم يتعد أبداً في هذا المجال الجانب الشكلي فيه إلى حيث مضمونه، أو الافتراق عن الرؤية الإسرائيلية الحقيقية للحل. حيث يعلم الجميع أن دولة بوش الفلسطينية المؤقتة والتي بلا سيادة وعلى ما يتبقى من كانتونات مجزئة تظلّ قيد ما يرسمه أو يراه شارون لها من شكل أو مصير، وكل ذلك مرهون باستحقاق على الفلسطينيين أن يبادروا لدفعه سلفاً وهو إطفاء جذوة المقاومة، أو وفق آخر المصطلحات إعلان نهاية "الحالة العدائية" من قبل الفلسطينيين. أي بلغة أخرى التسليم أولاً بإملاءات الاحتلال والقبول بالتالي بما قد يتنازل عنه هذا الاحتلال لهم من حقوقهم المسلوبة... ما تقدم واضحاً في محاولات شارون لتحويل قمة شرم الشيخ المزمعة إلى مجرد قمة أمنية لا أكثر، وهو الذي حتى الآن يرفض كلياً أي تواصل مع السلطة إلا إذا كان من طبيعة أمنية، وحتى ما وعد به لجهة انسحابات في سياق التهدئة يتسم عملياً برفض وجود الشريك الفلسطيني، أو لا يستبعد مجرد التنسيق الأمني معه في حالة إعادة الانتشار أو فك الارتباط من جانب واحد لا أكثر. فهو مثلاً:
لم يوافق على أي إعلان مشترك حول وقف إطلاق النار كما يطرح الفلسطينيون، ويرفض أي مباحثات سياسية قبل تنفيذ التزام الفلسطينيين بالبند الأول من خارطة الطريق، التي استبدلها عملياً بخطة الانفصال من جانب واحد. كما توازت مع إعلانات أجواء التهدئة حمى الإجراءات التهويدية، كالتوسع الاستعماري، ومواصلة بناء الجدار العازل، وأخيراً افتراس ما يعرف بقانون أملاك الغائبين للممتلكات الفلسطينية في القدس، ناهيك عن تواصل الاجتياحات الدموية وعمليات الهدم في رفح ونابلس وسواهما من المدن الفلسطينية... لكن ذلك لم يمنع الرئيس بوش من التبشير بقرب حلول السلام ونهاية الصراع العربي الصهيوني في خطاب حال الاتحاد، حيث قال:
أن "هدف قيام دولتين ديمقراطيتين، إسرائيل وفلسطين، تعيشان بسلام جنباً إلى جنب هو بمتناول اليد"!
لكنه مع ذلك يوضّح:
"إن السلام الذي نطمح إليه لن يتحقق إلا بالقضاء على الشروط التي تغذي التطرف وأيدلوجيات القتل".
ومن نافل القول أن هذه الشروط التي يريد القضاء عليها لا تعني بالنسبة له سوى تمسك الفلسطينيين بحقوقهم المشروعة ومنها خيار مقاومة الاحتلال أو، كما قال: إن "بداية الإصلاح والديمقراطية (في فلسطين) تبرهن على قدرة الحرية على كسر الأنماط القديمة للعنف والفشل"... وحيث أن إرادة الشعب الفلسطيني ثبت أنها ليست في وارد أن تفل، وأن شارون ليس أيضاً في وارد التخلي عن برنامجه التهويدي ويريد بالتالي تهدئةً لا حلاً، لا سيما وأن التماهي بين السياستين الأمريكية والإسرائيلية في أوجه، فأي إنجاز على الصعيد الفلسطيني يا ترى سوى تهدئة لن تطول يمكن للإدارة الأمريكية أن تزهو به؟
في الثانية، أي في العراق، رأى بوش أن هناك "مرحلة جديدة" في عراق ما بعد الانتخابات... الانتخابات التي شارك فيها، كما أعلنت اللجنة المشرفة عليها، ثمانية ملايين وقاطعها ستة، بالنظر إلى أن المسجلين وفق جداول اللجنة، كانوا أربعة عشر مليوناً، وعدّتها، وقد تمت، جهات عراقية تمثل قطاعاً واسعاً من الشعب العراقي مثل هيئة علماء المسلمين ناقصة الشرعية، والتي بالتوازي معها وعلى هامش إجرائها في المنطقة الكردية قيل أنه قد صوّت 95% من الأكراد المشاركين فيها في استفتاء غير رسمي جانبي على الانفصال، أي الأمر الذي قال عنه البرزاني معقباً: "عندما يحين الوقت، سيصبح واقعاً"!
أي أنها انتخابات، بغض النظر عن كونها من حيث المبدأ وبعيداً عن ظروف الاحتلال مطلباً شعبياً ، كانت مطلوبة كمنجز أمريكي، مع كل الاحتمالات السلبية التي قد تنجم عن الانقسامات العراقية حولها والتي يكثر الكلام عنها، وأهم ما يريدونه من هذا المنجز هو تشريع الاحتلال، أو تسهيل سبل الخروج من الورطة، لكن مع التأكيد من قبل الرئيس بوش وفي ذات الخطاب حول حال الاتحاد الذي غدا حال العالم: "لن نحدد جدولاً زمنياً مصطنعاً لمغادرة العراق"!
وحيث أن الأمريكيين ومنذ الحرب العالمية الثانية لم يحتلوا بلداً ليخرجوا منه، وهذا واضح في المثال الياباني والكوري والفيليبيني والألماني، فإن الأجواء الاحتفالية على طريقة ال"شو" الأمريكية المرافقة للخطاب الرئاسي المبشر بأن "الحرية (الأمريكية) في العراق سوف تجعل أمريكا أكثر أمناً لأجيال قادمة"، والذي تضمن الحديث عن أقواس إصلاح يراها الرئيس الأمريكي تمتد بين المشرق والمغرب العربي، قد شهدت أيضاً مفارقة أمريكية طرفاها نقيضين موضوعيين، تناقض الحرية مع الاحتلال، والديمقراطية مع قبول الهيمنة الأمريكية:
الأول، أن نواباً أمريكيين جمهوريين صبغوا سباباتهم بالحبر البنفسجي أسوة بالمنتخبين العراقيين... والثاني: قول نانسي بيلوسي، زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب الذي كان الرئيس بوش يتحدث أمامه:
"إننا جميعاً ندرك أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تبقى في العراق إلى ما لا نهاية، وإن يستمر النظر لها بصفتها قوة احتلال"، وزادت: "لا يتوجب علينا أن ننسل من الباب الخلفي معلنين النصر على نحو زائف ولكن مخلفين الفوضى. لم نسمع مطلقاً خطة واضحة من هذه الإدارة لأنهاء، وجودنا في العراق".
...لعل أهم منجزات الرئيس بوش المبكرة في مطلع فترة رئاسته الثانية أنه وضعنا في صورة حال العالم في الأعوام الأربعة القادمة!