الثلاثاء، محرم 06، 1426

العرب والاهانة المجرية والدرس الكوري - عبداللطيف مهنا

فيما يبدو أنه نوع من الخفة أو بعض من رعونة سياسية أهان رئيس الوزراء المجري العرب جميعاً. كل العرب، وبعبارة واحدة... الإهانة، سواء كانت مقصودة أم غير مقصودة، مرت كسواها من الإهانات، التي تتلقاها الأمة العربية يومياً، أي لم تلق ما تستوجبه من ردة فعل عربية، لا رسمياً ولا نخبوياً وبالتالي إعلامياً، توازي، على الأقل، حتى ردة فعل وسائل الإعلام المجرية التي استهجن بعضها هفوة رئيس الوزراء البائسة. كل ما كان هو أن اجتمع السفراء العرب المعتمدين في بودابست ليخرجوا باحتجاج موّحد، تلى ذلك اعتذار من رئيس الوزراء المجري، خصّ به كل من قد تسيء له العبارة التي تفوّه بها، ولم يذكر في اعتذاره هذا العرب... وقبل السفراء الاعتذار معتبرين أن المسألة قد طويت، ونوه عميدهم، أو من تحدث باسمهم وبلغة ديبلوماسية شديدة التهذيب بذلك، مشيداً بالعلاقات العربية المجرية العميقة والراسخة.
ما الذي بدر من رئيس الوزراء المجري وعدّ في حكم الإهانة، ومتى حدث ذلك؟
إنه ما كان قد تفوه به في احتفال أقيم بمناسبة مرور ذكرى تأسيس حزبه الحاكم، الحزب الاشتراكي المجري الخامسة عشرة... بالمناسبة حزبه هذا لم يتأسس قبل خمسة عشر عاماً، وإنما قبل ما يزيد عن نصف قرن، لأنه كان حزب العمال المجري (الشيوعي) الحاكم، منذ أن وطئت أقدام الجيش الأحمر السوفييتي بودابست إبان الحرب العالمية الثانية وحتى بدء انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء حقبة الحرب الباردة، حيث اجتمع هذا الحزب تحت طائلة هذا الانهيار فحل نفسه بكل هدوء ليعيد تجميع صفوفه، أيضاً بكل هدوء، بعد أن غيّر اسمه ليغدو كما هو الآن، وليعد إلى السلطة مرة أخرى فيما بعد، ليمارسها هذه المرة بعد أن غدت المجر عضواً في حلف الأطلسي وانضمت إلى الاتحاد الأوروبي... الحزب المحتفي بذكرى إعادة تأسيسه أقام حفلاً أداره واحد من أشهر ممثلي الكوميديا في المجر، وفي هذه الأجواء ذات اللمسات الكوميدية، ساهم رئيس الوزراء من جانبه فيها عندما أجاب على سؤال من مدير الحفل يغمز من قناه أحوال كرة القدم المتردية في بلاده، حيث في إجابته دافع عن فريق كرة القدم المجري الذي حصل على التعادل في مبارة ودية خاضها مع الفريق السعودي، فعدّ هذا التعادل إنجازاً لم يتحقق، كما قال، إلا نتيجة لقتال حتى الموت دار ضد "الإرهابيين العرب"!
قد يقول قائل: وماذا في ذلك، أو ما قيمة مثل هذا التطاول الأشبه بالحماقة، والذي تم الاعتذار عنه، بالنظر إلى ما يلاقيه العرب يومياً في فلسطين والعراق والسودان وما قد يتبع؟
في هذا القول بعض من صحة، ولكن!
هل يمكن فصله مؤشراً ومغزى عن هذا الذي يجري في بلاد العرب، أو عن سوء حال الأمة الراهن، حيث تكالبت عليها الأمم من كل صوب وحدب، وبدأت الإطماع تنهش أطرافها بعد أن فعلت ما فعلت في أحشائها ومفاصلها؟
قديماً قال المتنبي: من يهن يسهل الهوان عليه. وقالت العرب، ومن هو كذلك تستأسد عليه حتى بغاث الطير. ورئيس الوزراء المجري، أو رئيس وزراء دولة صغيرة في حجم المجر، لم يكلف نفسه مجرد التحلي بما تقتضيه فطنة التروي قبل أن يطلق هذه المأثرة الساخرة من أمة بحجم وعراقة الأمة العربية. ويمكن تصوّر مدى هزالة واقعنا العربي الراهن، لو افترضنا أن رئيس الوزراء المحتفي بذكرى تأسيس حزبه كوميدياً قد قال بدلاً من "الإرهابيين العرب" الإرهابيين الإسرائيليين... مالذي سيحدث؟!
...هل يمكننا تصور أقل من استقالته أو إقالته؟!
لندع الهفوة المجرية التي تعبّر عن خلفياتها ذات الدلالة، والموجعة وغير العفوية، في هذا الزمن العربي الرديء، ولننظر للمسألة برمتها في إطار ما هو أوسع، أي لماذا لا نطرح على أنفسنا السؤال التالي:
ما هي علاقة ذلك، مثلاً، بنتائج قمة شرم الشيخ الأخيرة، أو هذا الحدث الذي يعكس من حيث مجرد انعقاده وليس ما نجم عنه فحسب، اختلال موازين القوى بين عصف رياح البلطجة الكونية و ركام العجز المتفاقم، وكيف نعطف ذلك على تصريحات كونداليسا رايس قبل وبعد انتهاء تلك القمة، وإبان باقي جولتها المنتهية في بروكسل، والتي أعلنت فيها، أن الخلافات بين بلادها والأوروبيين حول العراق واستطراداً مجمل قضايا المنطقة، قد غدت "وراء ظهرنا"، منوهةً ب"وحدة الهدف ووحدة الرسالة... والأهداف المشتركة" معهم...
إنه سوء الحال العربية، بحيث لا تتوانى وزيرة الخارجية الأمريكية من استحضار وصفة لمعالجتها ليست إلا من صيدلية أكثر الوزراء الإسرائيليين جهلاً وتعصباً وحقداً على العرب ناتان شارانسكي إذ قالت في مقابلة مع صحيفة "لوفيغارو مغازين" الفرنسية:
"لكي تستطيع الولايات المتحدة أحداث التغييرات التي تتطلع إليها (في المنطقة العربية) تنوي تطبيق استراتيجية تتمثل بإشاعة الحرية في هذه المنطقة، فالحرية هي العنصر المحوري في رؤيتنا لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لذا على الدول العربية التي تدعم السلام أن تضع حداً لعمليات التحريض على العنف من خلال وسائل إعلامها، وعليها أيضاً أن تقطع وسائل تمويل الإرهاب، وأن تقيم أفضل العلاقات مع إسرائيل".
إذن، رايس تريد تطبيق استراتيجية أو وصفة شارانسكي للحرية لمداواة العرب، والتي تعني التغيير الذي لا يقوم إلا على وضع نهاية للصراع، أي شطب القضية الفلسطينية، ووقف التحريض، بمعنى نسيان الحقوق العربية في فلسطين، وقطع وسائل تمويل الإرهاب، بمعنى التوقف عن دعم كفاح الشعب الفلسطيني، لإجباره على التسليم بالهزيمة والتخلي عن قضيته العادلة ومن ثم الكف عن المطالبة بحقوقه التاريخية، وأخيراً إقامة أفضل العلاقات العربية مع الكيان الذي وجوده أصلاً هو نفي لوجود الشعب الفلسطيني وعدوان دائم عليه... أي التسليم من قبل من أُعتدي عليهم بنتائج جريمة من اعتدى ومكافأته والكف حتى عن مجرد الترحم على الضحية...
في مثل هذه الأجواء انعقدت قمة شرم الشيخ، فما هي علاقة نتائجها، التي لم تخرج عن المتوقع ولم تتعدى المرسوم، بذلك؟
للإجابة، ما هي هذه النتائج؟
كما هو معروف، أنها كانت إعلان عن هدنة لا يمكن وصفها بالتعاقدية، أعلنها الفلسطينيون سلفاً قبل الذهاب للقمة، وعندما أعلنت هناك من قبل الطرفين كان من الجلي أن لا التزام إسرائيلي واضح بها... قال شارون:
"اتفقنا أن يوقف الفلسطينيون كافة أعمال العنف في كل مكان وبالمقابل ستوقف إسرائيل نشاطاتها العسكرية في كل مكان"... وأصبح معروفاً أيضاً، أن هذه الهدنة قد ترنحت منذ أن تم التوافق على إعلانها، بعد أن عاجلتها الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة قتلاً واعتقالات، الأمر الذي لقي رداً من المقاومة الفلسطينية... ليغدو الأمر بعد ذلك، لماذا ردّ الفلسطينيون، وكيف يمكن معاقبة من ردّ، وكيف يتم وضع حد لمثل تلك الردود؟!
...وسؤال آخر يأتي في ذات السياق هو: ترى مالذي أرادته أطرافها أو بالأحرى طرفاها الفلسطيني والإسرائيلي، إذا ما استثنينا الآخرين، أي من دعا ومن حضر، منها قبل انعقادها؟
قبل أن نجيب لا بد من استدراك يقول: لقد أراد الغائب الحاضر، أو الأمريكيون، منها: ما يوحي لحلفائهم الأوروبيين بجديتهم في محاولة مقاربة الملف الفلسطيني في مستهل ولاية بوش الثانية، توخياً لما قد يساعدهم في حملتهم الكونية ضد ما يسمى الإرهاب، وتلمساً لإطفاء بؤرة توتر دائم عل ذلك يسهم في محاولاتهم إطفاء الحريق الملتهب تحت أقدامهم في العراق ، وأخيراً الوصول إلى نوع من تهدئة منشودة في سياق الحل المطلوب الذي يريد فرضه في نهاية المطاف الحليف الإسرائيلي... طبعاً دون أي التزام حقيقي من جانب واشنطن بضمان تطبيق ما قد ينجم من توافق عبّر عنه عدم حضور رايس القمة التي تصادف أن عُقدت وهي تذرع المنطقة في طريقها إلى أوروبا!
أما ما أراده طرفاها... الجانب الفلسطيني، أراد باختصار، ما عبّر عنه أبو مازن في القمة، والذي يعني، وانسجاماً مع رؤيته المعروفة، تهدئة تسهم في وضع أساسٍ لمنطلق ما قد يؤدي إلى حيث التفاوض حول تطبيق خارطة الطريق، تلك التي سبق وأن عاجلها شارون بأربعة عشر تحفظاً، وختم باستبدالها بخطة الفصل من جانب واحد التي هي مدار الجدل إسرائيلياً... أبو مازن ذهب إلى القمة بعد أن حصل على التزام من المقاومين بإعطائه فرصةً أو تهدئة حملها معه إلى شرم الشيخ... أما الإسرائيليون:
فمن البداية، أرادها شارون قمةً أمنيةً فحسب، فوضع من ثم جدول أعمالها ورسم نتائجها سلفاً، بل ولم يذهب قبل أن يطمئن إلى مباركة الحليف الراعي الولايات المتحدة لذلك، وهو الأمر الذي بدى جلياً في إعلان كونداليسا رايس، التي جاءت إلى رام الله لتصل ما انقطع قبل رحيل ياسر عرفات، عن تعيين منسق أمني أمريكي هو الجنرال وليم وارد، أما مهمته فهي كما قالت:
المساعدة في إعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية ومراقبة نشاطاتها، ولتعزيز التعاون الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وفي حالة الضرورة يرأس هيئة التنسيق الثلاثية. وله صلات مع مصر والأردن فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية مع إسرائيل المتعلقة بالشأن الفلسطيني... لقد قالت رايس: "الأمن يجب أن يتحرك أولاً"... وماذا يريد شارون سوى ذلك؟!
والآن، مالذي حصل عليه الطرفان مما كانا قد أراداه من القمة، أو بالأحرى، مالذي حصل عليه الطرف الإسرائيلي؟!
الإعلام الإسرائيلي ضج باستنتاج واحد: إعلان نهاية الانتفاضة، وبالتالي ما يعتبر إنجازاً سيستغله شارون للإفادة منه في مواصلة سياسة الفصل من طرف واحد ذات الجوهر الاستراتيجي التهويدي وتبريرها للإسرائيليين، والتحول من ثم للإجهاز على ما تبقى مما لم يهوّد في الضفة الغربية، مع الإشارة إلى أن ما تم لا يمنع إسرائيل من القيام بما كانت تقوم به ضد المقاومة إذا ما قصّرت السلطة الفلسطينية في القيام به، أي تظل، وفق التعبير الإسرائيلي، مسألة عدم جمع الأسلحة "غير المشروعة"، أي عدم نزع أسلحة المقاومة، و"عدم تفكيك البنى التحتية للإرهاب" أي عدم القيام بمطاردة أجنحتها العسكرية، انتهاك فلسطيني لما اتفق عليه في شرم الشيخ يتيح للإسرائيليين أن يكونوا في حل منه عند الضرورة!
...إذن، أمن إسرائيل أولاً، ولا خطوات حقيقية في سياق التزام بإنهاء الاحتلال، والباقي رهن بالتفسير الإسرائيلي للالتزام الفلسطيني... وعاد شارون بصفة رجل السلام من قمة شرم الشيخ، وفي جعبته عودة السفيرين المصري والأردني، وبالتالي تعالت الأصوات الإسرائيلية الداعية باقي العرب إلى وجوب المسارعة إلى التطبيع... ويظل الاستفتاء حول فك الارتباط، والتزام الفلسطينيين الأمني، مخرجاً مناسباً له حينما يشاء من كل ما يلزمه بما دعت إليه السيدة كونداليسا رايس من "تنازلات مؤلمة"، عندما أعادت هذا المصطلح الشاروني الأصل إلى التداول قبيل انعقاد قمة شرم الشيخ!
...وعودة إلى حكاية رئيس الوزراء المجري، وعلى ضوء ما تقدم، وفي ظل القائم من سوء الحال العربية في ظل العجز المتراكم المتفاقم، وغياب أدنى مستويات الإرادة السياسية، هل كان من الممكن أن تخرج قمة شرم الشيخ بغير ما خرجت به... وهل في الإمكان عدم توقع مثيلاً لما بدر من رئيس وزراء المجر من قبل زميل آخر له حتى في ميكرونيزيا؟!!
لا شيء مستغرب، وإنما المستغرب هو عدم التوقف أمام دروس التطور الكوري الشمالي في نسخته الأخيرة... أعلنت بيونغ يانغ في تحدٍ واضحٍ ما كان معروفاً وهو امتلاكها للسلاح النووي، وقطعت المفاوضات السداسية التي تجري بالنيابة عن الولايات المتحدة معها، وهذه الأخيرة تسارع إلى التهدئة، بالدعوة إلى مزيد من التفاوض... ماذا يعني هذا؟
إنه يعني بكل يساطة أن الولايات المتحدة ليست قدر العالم، أو ما يؤكد عدم قدرتها هي وحلفائها على احتكار وسائل الموت المتطورة وحدها وترويع أو ابتزاز المستضعفين بها، أي ما لا يمنع من تكرار المثال الهندي والباكستاني، أو القبول به في النهاية رضوخاً أمام أمره الواقع... لاحظوا مثلاً التصعيد بفجاجة وغطرسة ضد إيران المعلنة التزامها عدم السعي لامتلاك تلك الأسلحة في كلام الوزيرة رايس والتهدئة أو اللغة المتعقلة حيال كوريا الشمالية المتحدية المعلنة امتلاكها لها!
...يعني أن العالم سائر في طريقه للتحرر من هيمنة أحادية القطبية المتغولة لا محالة، الأمر الذي له ما يليه من تبدل في موازين القوى... لكن هل يعفي هذا الاستنتاج العرب من مسؤوليتهم الآنية تجاه تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم... لو التفتوا إلى تلك الضرورة الوجودية، وحتى تحت طائلة أسوأ الظروف، لما تمكن شارون من وضع جدول أعمال قمة شرم الشيخ، ولكان رئيس الوزراء المجري قام بالعد حتى العشرة قبل أن يطلق طرفته البائسة تلك في ذكرى إعادة تأسيس حزبه الخامسة عشرة.