الأربعاء، محرم 07، 1426

اللعبة السياسية في لبنان - يوسف الريس

تفاجئ الكثيرون وشعروا بالصدمة بعد سماعهم نبأ إغتيال رفيق الحريري ، هذا لأن الإنطباع السائد عن لبنان أنه بلد آمن ومستقر سياسياً على الاقل في العشر سنوات الأخيرة ، الكثير من عامة الناس لاتعرف حقيقة اللعبة السياسية في لبنان ولا تعرف حقيقة إتفاق الطائف الذي أوجد الكيان اللبناني بهذا الشكل المشوه ، فمن غير المعقول أن يوجد إستقرار سياسي أو هدوء أمني في ظل وجود دولة منقوصة السيادة مثل لبنان تخضع للوصاية السورية ويحكمها نظام حكم مكون من ثلاث رؤوس .. ماروني وسني وشيعي .. ناهيك عن وجود زعامات طائفية كثيرة لازالت قائمة مثل وليد جنبلاط وحسن نصراللة وغيره ، وزعامات عميلة تعمل بالمنفى كميشيل عون ومئات الأذناب تتبع النظام السوري وحفنة من العملاء والخونة يعملون لحساب مخابرات وأنظمة أجنبية تعنيها بالدرجة الأولى مصالحها وتوازن قواها مع القوى الأخرى ولايعنيها الإستقرار والتنمية السياسية للبنان بشيء



لقد إرتبط إسم رفيق الحريري بلبنان إرتباطاً وثيقاً .. لبنان هو الحريري .. والحريري هو لبنان .. رجل مثل رفيق الحريري يملك وزن سياسي كبير جداً يجعله يكون الرجل الوحيد من بين مئات السياسيين الذين لا وزن ولالون ولا شخصية لهم .. قامة الحريري كانت تعلوهم جميعاً وتجعله مميزاً ومطلوباً لكل المراحل والأزمنة ومن المستحيل إستبعاده من اللعبة السياسية في لبنان ..فبالإضافة إلى نفوذه الإقتصادي المرعب يملك مقومات كثيرة جداً تجعله ورقة الجوكر في هذه اللعبة ، يملك علاقات سياسية دولية كثيرة وصداقات على المستوى الداخلي والخارجي لاحصر لها ، رفيق الحريري أكبر بكثير من أن يمثل طائفة في لبنان .. أنا على يقين أن هذا الرجل لولا التغلغل السوري لبلاده لإمتد نفوذه لأبعد من ذلك بكثير ، ففي جميع الحكومات الخمس التي قام بتشكيلها كان يخرج منها منتصراً .. كان يستقيل ولا يقال .. لم يكن أحد يجرؤ على مطالبته بالإستقالة .. وذلك لإنعدام البدائل .. حتى عندما يفكرون في ذلك مجرد تفكير ويلتفتون إلى بدائل الحريري .. يجدون أن الصورة قد اصبحت غير مشرقة.. الحريري نفسه هو الذي يقرر متى شاء الدخول ومتى شاء الخروج .. لقد كان بين الحين والأخر يخرج نفسه وطاقمه السياسي طوعاً من اللعبة السياسية لإعادة ترتيب الأوراق .. ولرسم خطط جديدة لمرحلة قادمة.. لقد كان عندما يخرج ..يترك وراءه فراغ سياسي شاسع يذكّر فيه خصومه بقوته ونفوذه ويجبرهم على أن يدعوه للدخول من جديد .. فيعاود الدخول مرة أخرى بزخم أكبر وهمّة أعلى من خلال بوابة صناديق الإقتراع.. ليدخل بشرعية دستورية يكتسح فيها من أمامه وينتصر .. لقد كان قدر لبنان واللبنانيين جميعاً



إغتيال رفيق الحريري جسدياً جاء بعد مئات من المحاولات الفاشلة لإغتياله سياسياً .. لقد كانت نقطة الضعف الوحيدة التي كان خصومه يحاولون إستغلالها ضده .. هي التضخم الكبير في مديونية لبنان الخارجية في عهده .. لقد كانت هذه هي الثغرة الوحيدة التي كان خصومه يحاولون الولوج إليها لضربه وتحجيمه والحد من تزايد الثقل السياسي والهيمنة الإقتصادية له .. وبالرغم من ذلك لم ينجحوا في مسعاهم

الحريري وجميع أعضاء البرلمان وكل لبناني .. يعلمون تماماً أن إعادة إعمار لبنان لن يكون بالمجان ، سيكلف عشرات المليارات وعلى الجميع أن يدفع ثمن ذلك .. وماقدمته الدول المانحة لايغطي 5% من النفقات ، الحريري لم يكن أمامه وسيلة سوى الإقتراض الخارجي ، لقد كشف لهم كل أوراق نادي باريس وصندوق النقد الدولي التي لجأ إليها مرغماً في ظل إنعدام البدائل وكشف لهم ايضاً أوجه الصرف والإنفاق على المال العام .. ليس ذلك فقط .. بل دعى أباطرة المال من كبار زعماء الطوائف ورجال الأعمال الأثرياء بأن يحذوا حذوه في إعادة رؤوس أموالهم المكدسة في بنوك سويسرا وتوظيفها في لبنان في مشاريع إعادة الإعمار والإستثمار على غرار تجربة ( سوليدير ) التي يملكها وخلق من خلالها مئات المشاريع التنموية وأوجد ألاف من فرص العمل ، لكنهم إمتنعوا لعدم ثقتهم في مستقبل لبنان السياسي والإقتصادي .. من جهة .. ولبقاء مصادر تمويل زعاماتهم في الخارج بأيدي أمينة (قد) يجدونها في يوم من الأيام إن تم نبذهم كما حصل مع ميشيل عون .. لقد برر الحريري لجوئه إلى الإقتراض الخارجي لعدم وجود البدائل ولحاجة هذا البلد المدمر للإصلاح وإعادة بناء البنية التحتية ولإقامة مشاريع تنموية وإستثمارية .. تؤتي ثمارها على الأمد الطويل تمول من تلقاء نفسها سداد القروض وخفض الدين العام .. فلبنان اصلاً بلد فقير ومعدم .. لايوجد بترول ولا معادن ولا صناعة ولاهم يحزنون .. اللهم إلا بضعة مشاتل زراعية لاتعمل على أسس علمية حديثة وغير مجدية تجارياً .. وتبقى تحت رحمة إعتدال المناخ الجوي ودعوات الفلاحين بهطول المطر وإستسقاء الغيث ، والسياحة اللبنانية تعاني من تخلف شديد .. الحريري نفسه كان سيستهلك أربع سنوات كاملة لإصلاح هذا القطاع .. فالسياحة في لبنان لازالت مجرد موائد تبولة وكبه وارجيلة ومزات ومجموعة من الخمارات ونوادي الليل والرقص .. هذا كل شيء في سياحة لبنان



من يدعي ان لبنان دولة مؤسسات ولم يعد للطائفية فيها وجود .. هو أكبر مغفل .. لأن النسيج الإجتماعي اللبناني غير متجانس وطبقات المجتمع متفاوتة وممتلئة بالفجوات والاسافين .. فلا الماروني بكل ما يحمل قلبه من حقد أسود وغل متأصل .. يقبل بان ينصهر مع المسلم السني أو الشيعي .. ولا الدرزي بعقليته المتحجرة يرضى بذلك .. أما لو نظرنا بعمق وفي أكثر من زاوية لكل تلك الشرائح المتنافرة .. فسنجد أن تجمعها تحت سقف خيمة واحدة وصغيرة.. أمر محال



إتفاق الطائف .. باطل من الأساس .. لأنه راعى مصالح تلك القوى ولم يراعي مصالح الشعب .. أما عن تقسيم لبنان وتوزيع السلطات لهذه الطوائف .. فهو أمر معيب ومخجل .. فالوطن لايمكن أن يكون غنيمة ولا كعكة يتم تقاسمها بالقوة والبلطجة وإستخدام النفوذ .. أي قرار لبناني لابد ان يمر على لحود والحريري ونبيه بري وجنبلاط وحسن نصراللة .. وطبعاً لابد من إستمزاج الرأي السوري في النهاية حتى يخرج ويرى النور .. وكثير من اللبنانيون لايعرفون ماكان يحدث لوطنهم .. ولايعلمون أن القروض الدولية اللتي كانوا يحصلون عليها من صندوق النقد الدولي .. كان يقتطع ثلثيها للطوائف الخمس وكل طائفة تقتطع حصتها لنفسها .. ولايصل من أصل القرض إلا الثلث .. وفي النهاية يتحمل الشعب كاهل الديون التي إقترضها ولم يرى منها شيء



الذي قام بإغتيال رفيق الحريري كان يعلم أنه الرمز الابرز في الدولة وأن إغتيالة سوف يزلزل النظام باكمله .. بالرغم أن الحادثة وقعت في الوقت الذي كان في الحريري خارج السلطة وفاقداً لشخصيته الإعتبارية .. ولايحمل الصفة السياسية .. الجهة التي إغتالته كانت تعلم أنه سيعود للسلطة من جديد وبزخم ونفوذ أكبر .. وإغتياله سيوقد نار الطائفية من جديد في الوقت الذي تتأجج في نار الطائفية في العراق .. ولو نظرنا لحادث الإغتيال من ناحية فنية وتقنية .. نجد أنه اسلوب الموساد الصهيوني .. وأن الخطة قد تم رسمها في تل ابيب ومن شارون نفسه الذي يحفظ شوارع بيروت عن ظهر قلب .. اما الايدي المنفذة فهي ايادي لبنانية مارونية .. فمسيحيوا لبنان هم اليد اليمنى للصهيونية .. إنهم قوم لئام .. وخدم حقير لما يسمى بإسرائيل .. هم اصلاً لم يظهروا سياسياً إلا بعد الإجتياح الصهيوني للبنان عام 1982 وقبل ذلك التاريخ لم يكن ليظهروا حتى بالميكروسكوب



لقد خسرت لبنان كلها رجل يستحق الإحترام .. جميع الطوائف اللبنانية خسرته قبل أن تخسره الطائفة السنية ، لأن لبنان الآن قد دخل نفق مظلم وامامه سنوات عجاف ومستقبل محفوف بالأهوال والمخاطر