الأربعاء، محرم 07، 1426

براءة سيادة النائب العام - د. ابراهيم حمامي

في توقيت رائع، وبإخراج أروع، وبأسلوب مدروس ومحسوب، وبعيداً عن الضجيج المعهود "لإنجازات" أوسلو العملاقة، وببيان مقتضب، وتقرير عام يخجل أن يكتبه طالب في السنة الأولى حقوق، ووسط "معمعة" شرم الشيخ وإنشغال الجميع بها، وبطريقة "تسريبية" محترفة، خرج علينا "النائب العام" حسين أبو عاصي بقراره حفظ ملف الأسمنت "مؤقتاً" لعدم كفاية الأدلة، ورفضه "أي محاولة لإثارة ملف الأسمنت تحت أي ستار ومسمى"!!



لم تكن النتيجة مفاجأة، بل على العكس تماماً، فهذا ما تعودنا عليه منذ قدوم سلطة أوسلو وإمساكها بزمام الأمور ومقدرات الشعب، وكانت كل الأدلة تشير لهذه النتيجة المعدة سلفاً، فالملف جد حسّاس ويطال "مسؤولين" كبار يرفعون شعار الإصلاح ومحاربة الفساد، ولا يعقل أن يتم إتهامهم بالفساد، أو حتى التطرق لهم من قريب أو بعيد.



في الثالث من يوليو/حزيران 2004 كتبت تحت عنوان "الجريمة لن تقيد ضد مجهول" رداً على ما صرح به حسين أبو عاصي نفسه في محاولته "تتويه" وتمييع القضية حتى قبل البت فيها، مدعياً أنه لم يتسلم ملف التحقيق رغم تأكيد التشريعي تحويله له في تصريح لروحي فتوح يوم 15/06/2004، وتوقعت في حينها النتيجة التى أتحفنا بها أبو عاصي، والتي لم يداخلني شك ولو للحظة أن "براءة" جميع الأطراف مضمونة وأن القصة كلها لا أساس لها من الصحة، لكن هل هي تلك الحقيقة؟ لنراجع المحطات الرئيسية في هذه الجريمة النكراء:



· في شهر 11 من عام 2003 بدأت تتسرب تفاصيل صفقة مشبوهة لتحويل الأسمنت المصري من مصانع شركة مصر بني سويف لشركة "إسرائيلية" يمتلكها "بلنسكي"، (وهو يهودي ألماني فقد عقداً سابقاً مع نفس الشركة بعد الضغط الشعبي من المناهضين للتطبيع)، وبمساعدة "مسؤولين" من السلطة الفلسطينية.

· نشرت تفاصيل دقيقة للغاية عن الطريقة والكمية المستوردة وأماكن توزيعها وغيرها مدعّمة بأشرطة فيديو تثبت الوقائع وبدأت أسماء المتورطين تظهر للعيان

· صحيفة العربي المصرية تعلن إمتلاكها لوثائق وصور أذونات الصرف والتصدير وغيرها والتي تثبت تلك الإدعاءات

· "السلطة" الفلسطينية تتجاهل الموضوع ولأشهر طويلة تفاعلت فيها القضية لتصبح قضية رأي عام مما اضطر "المجلس التشريعي" لتشكيل لجنة للتحقيق في الموضوع

· في شهر 6 من عام 2004 حوّل "التشريعي" ملف القضية للنائب العام الذي نفى بدوره تسلمه بعد اسبوعين من تحويله!

· النيابة العامة أقرت بعد ذلك بتسلم الملف وفتحت تحقيقاً في الجريمة



إلى هذا الحد يبدو الأمر منطقياً ومعقولاً، لكن ما أن تكشفت الحقائق أكثر ووُجهت أصابع الإتهام بشكل مباشر "لأركان" سلطة أوسلو بمن فيهم عرفات شخصياً حتى اتخذت الأمور شكلاً آخر، وبدأت قوى أوسلو ممارسة دورها المعهود في الضغط والبلطجة، وتوالت التصريحات من مسؤولي السلطة أنفسهم حول حجم الضغوطات والمحاولات "للفلفة" الملف برمته، وهذه بعض الحقائق التي أنقلها عن مصادرها:



· في شهر أبريل/نيسان 2004 أوضح ناهض منير الريس نائب رئيس المجلس التشريعي السابق ان ممارسات الفساد في السلطة تذكرنا بعصور الانهيار مثل عصر المماليك في الشرق وملوك الطوائف في الاندلس، كما اشار الى يأس المجلس التشريعي الفلسطيني من محاولة القيام بدفع السلطة نحو مقاومة الفساد.. قائلا ان التقرير الرقابي تم رفعه الى الرئيس فشكل لجنة لدراسته.. ولم يتم اتخاذ اي اجراء بل فوجيء الناس بعدها الى ان اعضاء اللجنة تحولوا الى وزراء دولة

· في 15/06/2004 وبعد إنتخابه رئيساً للمجلس التشريعي حاول روحي فتوح في لقاء مع صحيفة بغزة التقليل من أهمية الملف واعتباره قضية فساد مبالغ فيها، وأنها ضخمت بلا مبرر!

· في لقاء مطول بتاريخ 19/06/2004 كشف حسن خريشه رئيس لجنة التحقيق التي شكلها المجلس التشريعي الفلسطيني في هذه القضية، و رئيس لجنة الرقابة في المجلس، ونائب رئيس المجلس التشريعي أن ياسر عرفات تلقى تقريرا بذلك من خاله جرار القدوة، بصفته رئيس هيئة الرقابة، لكنه ركنه في أحد الأدراج. أما أحمد قريع رئيس الوزراء فقد تلقى تقريراً من الأمن المصري لكنه تكتم عليه، وقال أيضاً: خالد سلام وعد بتقديم معلومات مهمة ثم حاول "تتويه" لجنة التحقيق.. تنازل عن احتكار تجارة الإسمنت لصالح المتورطين، والطريفي اعترف بتحويل اسمنت مصري لإسرائيل لبناء الجدار وعرفات كافأ المتورطين

· حسن خريشة رئيس لجنة الرقابة في المجلس التشريعي أعلن أيضاً وعلى الملأ يوم 10/06/2004 أي بعد يوم واحد فقط من مداولات المجلس للقضية أن المجلس يتعرض لضغوطات قوية وتتم عرقلة أعماله بشكل مباشر من "القيادة" لإنهاء التحقيق في الموضوع وهو ما أكده أيضا نائب رئيس المجلس ناهض منير الريس في لقائه مع صحيفة البيان واصفا المتورطين ب"عصابات الفساد" وكان آخر من خرج عن صمته النائب عبد الجواد صالح الذي أقر بأنه طرد من مداولات المجلس داعيا الشعب للتمرد والخروج في مظاهرات سلمية لتغيير هذه السلطة (20/06/2004).

· رفيق النتشة والذي تولى رئاسة التشريعي لفترة وجيزة وأطيح به بسبب إصراره على فتح ملفات الفساد وفي حديث نشر بتاريخ 24/07/2004 وفي أكثر من صحيفة وموقع قال وبالحرف الواحد: عرفات يحمي جبهة الفساد وسأطلب التحقيق مع قريع بقضية أسمنت مستوطنة أبو غنيم

· في شهر يوليو/تموز أيضاً وبعد إنتخابه رئيساً للمجلس التشريعي حاول روحي فتوح في لقاء مع صحيفة بغزة التقليل من أهمية الملف واعتباره قضية فساد مبالغ فيها، وأنها ضخمت بلا مبرر!

· حسين أبو عاصي نفسه طُلب منه التنحي والإستقالة بسبب تقصيره الحاد وانحيازه لصالح السلطة وعدم إستقلاليته (طبعاً دون الخوض فيما يشاع عنه داخل فلسطين) وقد جاءت هذه المطالب في بيان نقابة الصحافيين يوم 04/03/2004 أي قبل البدء في التحقيق في ملف الأسمنت، وأيضاً من نقابة المحامين التي أعلنت إضراباً عن الظهور أمام المحاكم لمدة يوم واحد في شهر حزيران/يونيو كخطوة أولى قابلة للتصعيد إحتجاجاً على فساد السلطة القضائية التي يمثلها أبو عاصي ليقف أحد المحامين متسائلآً: ما هي الحكمة من أن هذه السلطة ترفض تطبيق القوانين التي هي اصلاً قامت بسنها ووضعها، كيف يمكن إقناع الآخرين بصلاحيتها، في الوقت الذي نرى فيه ان من وضعها غير مقتنع بتطبيقها؟

· النائب صلاح التعمري قال: نحن ليس لدينا قضاء، بل قضاء وقدر .. ونقيب المحامين حاتم عباس قال ان القضاء في فلسطين يتعرض لمذبحة



من كل ما سبق وما سيأتي يتضح لماذا لم يكن القرار مفاجئاً لأحد، فهذه هي سلطة أوسلو وقضائها "النزيه" جداً، وهذا ليس تأليف شخصي أو تجريح أو تقريظ، ولكن على لسان مسؤوليها أنفسهم وكما صرحوا ونشروا وقالوا، ولكن يبقى الأهم بيان "النائب العام" الموقر والذي كما ذكرت يخجل طالب في السنة الأولى حقوق من صياغته وذكر ما جاء فيه، فقد كان:



· عاماً شاملاً دون تفاصيل رغم حجم الجريمة النكراء

· لم يذكر أية أرقام على الإطلاق عن كميات الأسمنت وكيف وزعت رغم إدعائه أنه تم التأكد من دخولها للأسواق الفلسطينية، حسب ما قدمته الشركات المتهمة!! لاحظوا "حسب ما قدمته الشركات"، على رأي المثل قالوا للحرامي إحلف .." وهل يصعب على المتورطين من وزراء ووكلاء إصدار مثل هذه الوصولات والأذونات؟

· لا توجد تواريخ للأحداث والتواريخ الوحيدة التي نشرها كانت عن "إحالة الملف بتاريخ 28/06/2004 وكتاب نائب رئيس المجلس التشريعي بتاريخ 29/11/2004)، رغم أنه كان قد نفى استلامه في ذلك التاريخ كما سبق ذكره، وكتاب وزير الإقتصاد (14/07/2004)، فقط لاغير، أما تواريخ الإستيراد والتوزيع والتحميل وغيرها فهي أمور جانبية لا تهم "سيادته"

· أسهب "سيادته" في تفاصيل الإعتذارات والبراءة وغيرها حتى اكتشفنا أن جميع الشركات بريئة براءة الذئب من دم يوسف، وربما قامت برفع قضية رد اعتبار!

· حضر المؤتمر الصحفى مع حضرة النائب العام الفلسطينى وهو يعلن "البراءة"..النائب العام (القانونى) عن منطقة رام الله ..جميل الطريفى ..وهو احد ابناء العائلة المتورطة في القضية

· دافع "سيادته" أيضاً عن تحميل الأسمنت في سيارات الليكودي بلنسكي، فشريط الفيديو المرفق واضح ولايمكن نفيه، فاخترعت له بطولات وهمية لإبطال مفعوله، وبعد التذكير بالتفاصيل الخطيرة وغير القابلة للتشكيك حول تورط الطريفي مع بلنسكي، يكفي أن يعلم سيادة النائب العام ومن معه أن بلنسكي هذا أو بيليسكي الذي يتعاون مع أطراف فلسطينية ارتضت العمل كوسطاء لتوريد الأسمنت المصري إلي حكومة شارون ينتمي إلي حزب الليكود الإسرائيلي وتبرع بمبلغ مليوني دولار لحساب إزالة آثار الانتفاضة الفلسطينية علي الاقتصاد الإسرائيلي، كما أنه كان يعمل في عمليات تهريب من خلال الأراضي اللبنانية وله علاقات بالعميل أنطوان لحد والذي تبرع له بسيارة مرسيدس مجهزة ضد عمليات التفجير والرصاص، وشارك بيليسكي في العمليات الخاصة وفي جميع الحروب منذ عام 1948 وحتى أكتوبر 1973، وللتذكير أيضاً فإن جمال الطريفي وشقيقه جميل وزير الشئون المدنية بحكومة قريع، الذي كان مدير عام شئون الاستيراد بوزارة الاقتصاد الفلسطينية حضرا إلي القاهرة ونزلا بنفس الفندق الذي ينزل فيه بيليسكي وتم تحرير خطاب موجه من السلطة الفلسطينية إلي الشركة يفيد أن الأسمنت المصري يدخل إلي الأراضي الفلسطينية، وتم إنهاء إجراءات الترخيص لشركة الطريفي نيابة عنه، وكل ذلك موثق بالكامل!

· أما وزارة الإقتصاد وتلاعبها بأذون الصرف والإقتصار قي تدوين الكميات بالأرقام دون الحروف وبإعتراف أبو عاصي (لا يمكن لموظفي وزارة الإقتصاد متابعة ما إذا كانت الكميات الصادرة بها أذون الإستيراد قد استوردت فعلاً)، مع كل ذلك يصر أبو عاصي أنه خلل إداري داخلي بسيط، ولا توجد أدلة على أن الكميات تم التلاعب بها، كيف بالله عليك وأنت لا تعرف أين ذهبت؟

· لم يحقق سيادته مع أي مسؤول ممن وردت أسماؤهم في التحقيق، ولم ترفع الحصانة عن أي منهم لإستجوابه، ولم يستدعى أحد على خلفية القضية الجريمة!



أستعير من مقال "ومضات/سلطة كل من ايدو ايلو" للكاتب يعقوب القورة هذه الفقرة:



"ولماذا يا حضرة النائب العام هذه البراءة ..؟ يرد حضرته ..لأن لا دليل .( ولاحظوا كلمة (حاليا) التى ذكرها على تورط هذه الشركات التى تم اتهامها بذلك .. ..؟! ومتى سيتم ذلك ..الله اعلم .

انها مأساة يا حضرة النائب العام ..رغم كل ما نشر من تحقيقات في ام الدنيا مصر العربية عن هذا الموضوع والذى قدم الكثير من الأدلة على هذا التورط ..تقول انهم براء ثم هل تكذّب يا سيادة النائب كل تقارير وشهادات المجلس التشريعي واعضاؤه ممن شهدوا في هذه القضية ..وبذلوا الجهد في اثبات المطلوب اثباته ..؟

ثم ثمة سؤال قانونى ..كيف يمكن قبول وجود احد افراد عائلة متورطة في هذه القضية في موقعه الوظيفى وخاصة احتلاله لموقع (نائب عام) وخلال بحث القضية أليس هذا مخالفاً للعرف القانونى ..وكيف له ان يحضر مؤتمرك الصحفى ..اليس هذا ما يمكن ان يفتح الباب لمزيد من الشك في هذه البراءة .. ؟

ان هذه البراءة (البراءة الغير بريئه) تضع عشرات علامات الأستفهام عن حقيقة ومجريات الأوضاع القانونية في سلطة كل من ايده ايلو ...فأذا كان هؤلاء براء ..رغم كل ما كان ..فعلى القانون السلام في حارة هذه السلطه ..؟"



رغم عشرات المقالات التي كتبت والأصوات التي علت مطالبة بمعاقبة المسؤولين، حتى من الكتاب المحسوبين على "السلطة"، إلا أن هذه الأصوات والأقلام خفتت واختفت مع صدور تقرير "البراءة"، فأين أنتم يا أصحاب الأقلام الحرة من هذا الإعتداء على العدالة والمنطق وعلى عقولنا؟



هل أزيد يا سيادة النائب العام الموقر أم يكفي؟ أعدك وسلطتك أن لا تموت هذه الجريمة وأن لا تسجل القضية ضد مجهول.

د.إبراهيم حمامي 15/02/2005