الأربعاء، محرم 07، 1426

هؤلاء ... - طارق جابر

صيف 2004.كنت أسير بمحاذاة جدار البنك المركزي المصري متأملا في شموخ بنائه وجمال معماره حين وقعت عيناي على إحدي بواكي نوافذ البدروم وقد إستلقى فيها ممددا طفل في نحو العاشرة، كان مستغرقا في نوم عميق رغم ضوضاء شوارع وسط البلد من سيارات ومارة، وغطى جسده بقطع من الكرتون المقوى ربما ليتقى بها أشعة الشمس الحارقة، وبدت من تحت ورق الكارتون ملامحه السمراء وشعره الأشعث وملابسه الرثة البالية.



شتاء 2003. كانت ليل القاهرة على وشك الإنتصاف، متدثرا في معطفي الثقيل من برودة الليل في طريق عودتي للبيت مررت ببائع الجرائد لأشتري منه صحف الصباح التالي، على مرمى خطوات كانت إحدى محطات مترو مصر الجديدة، عندما إقتربت من محطة إنتظار المترو تبينت جسدا مستلقي على منضدة إنتظار الركاب، متلفع في بالطو مهتريء قاتم اللون، أسود أو كحلي، أشبه بأغطية الجنود في الجيش، وقد إنكمش جسده في أعطاف البالطو ولم يبدو على الصبي أنه شعر حتى بمروري من جانبه، كان أيضا يغط في نومه.



صيف 2004. كنت أراها كلما خرجت من محطة مترو شارع الدقي متجها إلى عملي، في البداية لم أتبين ملامحها بدقة، كل ما لفت نظري إليها هو شعرها الطويل الأشعث الأغبر، وملابسها الرثة وبشرتها السمراء.

لما تكرر مروري من ذات المكان لاحظت أن هذه المرأة تقيم بصفة مستديمة على ذلك الريف، تفترش قطعا من الكرتون وتلتحف ببطانة رقيقة باهتة اللون، يبدو أنها تستخدمها لتستر نفسها عن الأعين لا لتفع عن جسدها عوارض الطقس. عاينت مع كل مرة مررت بها حال مختلفة لها، مرة أجدها جالسة تغمس الطعام من علبة أو كيس بلاستيك أمامها، مرة أجدها متكئة إلى جدار المبنى أو هواية المترو في غمرة تأمل عميق، مرة أجدها وقد إستلقت وتتمددت بجوار الرصيف وراحت في نومها، ومرة أجدها متربعة في جلستها على ورق الكارتون تتابع المارة وحركة الطريق، رأيتها في أحوال كثيرة حتى تولد لدي شعور أنني أمر – إذ أمر – ببهو بيتها أو حجرة نومها لا بطريق عام ورصيف شارع.

لم أتبين ملامحها الحسناء إلا عندما رأيتها يوما وقد حلقت شعرها كهيئة الرجال، عندها بانت ملامح أنوثتها أجلى وأوضح، بدت بشرتها سمراء صافية رغم تراب الشارع، وعيناها نجلاوان رغم الحيرة والزيغ الواضح في نظراتها، وبدت في ألفة عجيبة مع كل ما حولها، بداية من المحلات وبائع الصحف المجاور لها ونهاية بالمارة الذين شعرت أن جميعهم يعرفونها، وحتى عساكر المرور الواقفين على بعد خطوات عن ناصية التقاطع القريب.



شتاء 2002. ظلام دامس يكتنف ليل القاهرة، كنت جافلا من زيارة أحد الأصدقاء، يقطن قريبا من مسكني، الشوارع الجانبية في مصر الجديدة تبدو خاوية ومرعبة، أنفاس برد كالصقيع تثقل الهواء من حولي، على عطفة أحد الشوارع قبل أن أصل إلى الطريق الرئيسي وجدت أحد صناديق القمامة الكبيرة المتروكة في الشارع لجمع قمامة سكان كل شارع قبل أن يفرغها عمال شركات جمع القمامة، لقطت أذناي صوت نبش وخربشة صادر من ناحية الصندوق الكبير، تخيلت أنها قطة تعبث بالقمامة بحثا عن طعام، عندما إقتربت وكان في مقدورى الإبصار من عتمة الليل وجدت إمرأة أربعينية على ما قدرت ومعها صبية ربما في الخامسة أو السادسة عشر من عمرها، كانتا قد إستخرجتا بعض الأكياس من الصندوق وطفقتا في نفض محتوياتها قبل أن يضعا ما يقع عليه إختيارهما في كيس منفصل، في اللحظة التي كنت أسير خلالها بمحاذاتهما رأيت المرأة الكبيرة تلتقط بعض أرغفة الخبز الجافة وتلقمها للكيس الكبير.

الصورة إستدعت من ذاكرتي صورة رأتيها ذات مرة وأنا أسير أسفل أحد الكباري في حي الزمالك وكانت بعض صناديق القمامة توضع أسفل الكباري، كانت صورة صبي يجلس مطرقا رأسه بجوار صندوق القمامة وفي يده سيجارة مشتعلة بينما تنفث شفتيه دخان التبغ المحترق، مررت بمحاذاته ولاحظت أنه حتى لم يرفع عينيه ناحيتي وكأن أحدا لم يمر من جانبه.



تواريخ متباينة ومتعددة. بدأت عيناي تلاحظ هذه الظاهرة، في شوراع وسط البلد، وأحياء العاصمة الراقية، على الأرصفة وفي إشارات المرور، أطفالا صغار، شباب، رجال ونساء، مسنين من الجنسين، بعضهم بلغ من العمر أرذله ويكاد قلبك ينفطر وأنت تراه يمر بين السيارات في إشارات المرور الحمراء يبيع المناديل الورقية أو بعض المنتجات الصينية الرخيصة. لا يهم إن الجو حارا أو باردا، صيفا أو شتاءا، معتدلا أو سيئا، هم دائما على قارعة الطريق، منهم من يجلس على صندوق على الرصيف وأمامه فرشة صغيرة عليها المناديل وقطع الحلوى والشيكولاته، ومنهم من يجلس على الرصيف عند الإشارات منتظرا لحظة غلق إشارة المرور ووقوف السيارات ليبدأ في السعي بينها والطرق على زجاج النوفذ المغلقة بأنامل منهكة حتى إذا تحولت الإشارة إلى اللون الأخضر وبدأت السيارات في الحركة والإنطلاق وجدته يتقافز ويتلوى - حدثا كان أو مسنا - كالبهلوان حتى يجد طريقه إلى الرصيف بين السيارات.



في يوم كنت أركب جوار صديقي في سيارته، وقبل أن ينطلق من إشارة المرور لحظ صمتي المفاجيء وإستشعر غما وهما أصابني فسألني عن السبب، قلت له هؤلاء.

رد صديقي قائلا، ظروفهم صعبة وقاسية نعم، ولكن لا شيء يعيب العمل، وهذه هي الحياة.

أجبته، ليس ما يغمني قسوة حياتهم وصعوبة ظروفهم، وإن كان هذا وذاك قد بلغ مدى كفيلا بجرح إنسانية أي بشر وهتك آدمية أي إنسان، إنما مصدر الغم والهم الأكبر هو نظراتهم...نظرات اليتم والإنكسار في عيونهم.



لم يحر صديقي ردا ولم يبد على أي منا أنه يعرف أين نتجه، وخيم صمت لم يقطعه سوى أزيز المحرك وضوضاء الطريق.