الأربعاء، محرم 07، 1426

العمال وراس المال والدولة - الحلقة الاولى - سامح سعيد عبود

الجوهرى فى أى إنسان هو الطريقة التى يشبع بها احتياجاته المادية، هل من عمله أم باستغلال عمل الآخرين، وهذا هو ما يحدد مصالحه الحقيقية، و من ثم يحدد مواقفه و أفكاره عادة، مع ملاحظة أن الكثير من الناس يحصلون على دخولهم من مصادر متعددة، وبطرق متنوعة مما ينوع من مصالحهم ومواقفهم و أفكارهم فى الحياة، وباعتبار أن البشر لابد وأن يشبعوا هذه الاحتياجات المادية من خلال علاقات اجتماعية مع الآخرين، فأن الجوهرى فى أى مجتمع هو الطريقة التى يشبع بها البشر احتياجاتهم المادية المختلفة، و كيف تتوزع هذه الاحتياجات فيما بينهم، وبتعبير أدق العلاقات الاجتماعية التى يتم بها إنتاج احتياجاتهم المادية.

***

الرأسمالية السائدة حاليا على الأرض هى علاقة إنتاج عالمية بطبيعتها بخلاف غيرها من علاقات الإنتاج التى سبقتها عبر التاريخ، و لا يمكن أن يفهم المجتمع البشرى فى ظل سيادة العلاقة الرأسمالية للإنتاج إلا كمجتمع واحد ينقسم لمجتمعات محلية، و لا يمكن فهم أى مجتمع محلى دون فهم أنه جزء لا يتجزأ من المجتمع البشرى ككل، رغم أننا ندرك بالطبع أن الأوضاع الاجتماعية تختلف نسبيا فى المجتمعات الأكثر تقدما عن الأوضاع فى المجتمعات الأقل تقدما، فكلما توجهنا نحو المجتمعات الأكثر تقدما من كوكب الأرض كلما زادت الملامح الرأسمالية الحديثة وضوحا، وعلى العكس، فكلما توجهنا إلى المجتمعات الأقل تقدما، كلما تشوهت الملامح الرأسمالية بفعل بقايا علاقات الإنتاج غير الرأسمالية، كما يتكرر هذا فى كل مجتمع محلى على حدة، باعتبار أن المناطق الحضرية فى كل مجتمع محلى هى الأكثر تقدما فى هذا المجتمع، كما أن المناطق الريفية هى الأقل تقدما، إلا أنه وبالرغم من الاختلافات فى الأوضاع الاجتماعية بين مجتمع وآخر، إلا أنه لا توجد اختلافات جوهرية فى كل مجتمع محلى على مستوى القواعد العامة التى تميز المجتمعات الرأسمالية من أكثرها حداثة لأكثرها تقليدية، باعتبار أن الرأسمالية هى علاقة الإنتاج السائدة حاليا فى كل هذه المجتمعات.

***

خلال العقود القليلة الماضية ظهر نوع جديد من تقسيم العمل فيما بين المجتمعات المحلية فى الأرض، ففى حين أن التقسيم القديم كان يقسم المجتمعات المحلية لمجتمعات صناعية و مجتمعات منتجة للمواد الخام الزراعية والتعدينية، فإن التقسيم الحديث يرى أن كل مجتمع محلى ينقسم بحدة بين قطاعات صناعية أكثر تطورا و قطاعات منتجة للمواد الخام الزراعية والتعدينية أقل تطورا، قطاعات منظمة و قطاعات غير منظمة، مع ملاحظة اختلاف الوزن النسبى لكل قطاع من مجتمع محلى لمجتمع آخر، و تتضح ملامح هذا التقسيم الجديد على نطاق العالم بمعدلات أسرع وأعمق من ملامح التقسيم القديم، حيث تتزايد الفجوة اتساعا، فى كل مجتمع محلى على حدى، بين القطاعات المتطورة و القطاعات الأقل تطورا، وبين القطاعات المنظمة والقطاعات غير المنظمة، وبين القطاعات الحديثة والقطاعات التقليدية، و فى حين يزداد اندماج القطاعات المتطورة والمنظمة والحديثة عالميا فإن القطاعات الهامشية والتقليدية والأقل تطورا تحاول التشبث بحدود مجتمعاتها المحلية، و مقاومة عملية الاندماج بين القطاعات الأكثر تطورا فيما يطلق عليه العولمة[1].

***

علاقة الإنتاج الرأسمالية، هى العلاقة القائمة بين العمال المضطرون إلى تأجير قوة عملهم اليدوية والذهنية، و الرأسماليون الذين يشترون تلك القوة مقابل أجر، وفق علاقة تعاقدية بين الطرفين تخلو من القهر و الإذعان، لإنتاج السلع والخدمات المختلفة،و من هنا فإن هذه الدراسة تطمح لتقديم صورة عامة عن هذه العلاقة، مع إلقاء الضوء على بعض القضايا ذات الصلة التى تزيد هذه الصورة وضوحا، ذلك أن نسبة لا يستهان بها من السكان فى كل المجتمعات المحلية،لا يشاركون فى هذه العلاقة لا كعمال ولا كرأسماليين كما سنرى خلال هذا البحث، أو يدخلون بالإضافة إليها فى علاقات إنتاجية أخرى غير سائدة، بعضها ينتمى لما قبل سيادة الرأسمالية على الأرض، و بعضها مرشحة لتكون علاقات إنتاج سائدة فى المجتمعات ما بعد الرأسمالية فى المستقبل، أما عن علاقات إنتاج مرحلة ما قبل سيادة الرأسمالية فلم تزول فى شتى أرجاء العالم، جنوبه وشماله وشرقه وغربه، وهو ما قد يفاجىء به القارىء و تم إثباته فى هذا البحث مع الإقرار أنها علاقات هامشية فى معظم الأحوال.

***

من الضرورى أن ندرس العلاقات الأخرى من الإنتاج، لأن هناك تأثير متبادل بين ما هو سائد من علاقات إنتاج وما هو هامشى منها، وهو ما يقسم المجتمع لطبقات وشرائح وفئات اجتماعية عديدة بعيدا عن القسمة التبسيطية التى تقسم المجتمعات الحديثة إلى عمال و رأسماليين فقط.

***

علاقات الإنتاج ما قبل سيادة الرأسمالية والتى نشأت من قلب المجتمعات المشاعية العشائرية، بعضها كانت علاقات سائدة للإنتاج فى لحظات تاريخية معينة، مع تجاورها أحيانا مع علاقات إنتاجية أخرى هامشية، وعندما تسود علاقة إنتاج معينة فى المجتمع فى فترة تاريخية، فأنها تحدد أسلوب الإنتاج فى المجتمع القائم، فعلاقات الإنتاج إذن هى عنصر من العناصر التى تكون نمط الإنتاج، أما العنصر الآخر الذى يشارك فى تكوين نمط الإنتاج فهو قوى الإنتاج التى تضم بدورها عنصرين آخرين هما قوة العمل البشرى اليدوية والذهنية و وسائل الإنتاج من أدوات وآلات ومواد خام وغيرها، فإذا كانت علاقات الإنتاج تحدد علاقات البشر فيما بينهم و هم ينتجون احتياجاتهم المادية، فإن قوى الإنتاج هى التى تحدد علاقة البشر بالطبيعة وهم يؤثرون فيها لإنتاج تلك الاحتياجات المادية.

***

أن ما هو جوهرى فى أى علاقة اجتماعية، هو مدى ما يتمتع به الطرفين الداخلين فى تلك العلاقة الاجتماعية من السلطة و من الحرية معا، مع ملاحظة أن هناك نوعان من السلطة، أحدهما نابعة من الإرادة الحرة للخاضعين لها، والأخرى منفصلة عن إرادة الخاضعين لها . و لا شك أن علاقة الإنتاج هى أهم تلك العلاقات الاجتماعية التى يدخل فيها البشر عموما، و فى الحقيقة نحن نمارس جميعا إلقاء الأوامر على من هم أدنى منا، والطاعة لأوامر من هم أعلى منا عشرات المرات يوميا، و نحن نمارس علاقتنا الاجتماعية المختلفة، و هذا يخلق صراعات اجتماعية بين من يأمرون و بين من عليهم الطاعة، أفرادا وجماعات، كما تخلق صراعات نفسية داخل كل إنسان، ما بين الاضطرار للرضوخ للأوامر والرغبة فى التمرد عليها، إلا أن ممارسة الأوامر والطاعة اليومية، وتبادل مواقع السلطة بين الآمرين والمأمورين فى شتى العلاقات الاجتماعية فيما بين البشر، لا ينفى الأهمية القصوى للانقسام الطبقى فى علاقة الإنتاج الرأسمالية، و فى كل علاقة إنتاج طبقية أخرى لمعسكرين طبقيين رئيسيين، وهما معسكرين متناقضين فى مصالحهما الأولية والنهائية، ومتصارعين فيما هو جوهرى فى العلاقة فيما بينهما، وبسبب هذا التناقض المستقل عن إرادتهما و وعيهما به، فإنهما يتصارعان فيما بينهما لتحقيق مصالحهما المتناقضة، سواء شاء البعض ذلك أم لم يشاءوا، خفت لهيب هذا الصراع أم اشتعل، اختفى هذا الصراع عن الأنظار أم ظهر للعيان، وهذا الصراع الطبقى هو اكتشاف لحقيقة واقعية، و ليس دعوة تقبل أو ترفض، و هو بديهية لا ينكرها إلا أصحاب المصلحة فى استمرار السيطرة والاستغلال فيما بين البشر.

***

فى العلاقات الرأسمالية من الإنتاج، كما فى كل العلاقات الإنتاجية الطبقية التى سبقتها، ينقسم البشر لمعسكرين رئيسيين، وفقا للإجابة على السؤال الآتى: من هم الذين يسيطرون علي المصادر المادية التى تمنح حائزيها السلطة فى المجتمع، و هى بالتحديد وسائل كل من الثروة والعنف والمعرفة؟، ومن هم المحرومين من السلطة فى المجتمع وفقا لحرمانهم من السيطرة على مصادرها المادية؟، ذلك أن السيطرة أو عدم السيطرة على مصادر السلطة المادية هى التى تحدد موقع كل فرد منا فى العلاقات الاجتماعية المختلفة، وموقعنا بالنسبة للسلطة، سواء أكنا ممن يأمرون فيطاعوا، أو ممن يتلقون الأوامر فيطيعوا، فمن يسيطر على الثروة والقوة والمعرفة يحكم، وما على الذى لا يسيطر على أى منهم سوى الطاعة.

***

حتى تكتمل دقة فهمنا لواقع علاقة العمال مع كل من رأسالمال و الدولة الآن، سيتم تكريس النصوص الأولى لتحديد علاقات الإنتاج غير الرأسمالية، و آثارها الباقية حتى هذه اللحظة فى المجتمعات المحلية المختلفة، وبناء على هذه الدراسة سنرى أثر علاقات الإنتاج الأخرى على مدى نقاء و هيمنة علاقة الإنتاج الرأسمالية فى تلك المجتمعات، أما علاقة الإنتاج الرأسمالية فستفرد لها مجموعات أخرى من تلك النصوص.

***

أن انقسام كل معسكر اجتماعى كبير كما تحدده العلاقة الرأسمالية (العمالى والرأسمالى) إلى معسكرات فرعية يكون وفق مجال النشاط الإنتاجى التى تمارس من خلاله هذه العلاقة فيما إذا كان نشاطا صناعيا أو زراعيا أو خدميا أو تجاريا، و لكن لا يدخل فى شروط الانضمام لمعسكر ما دون آخر،عوامل لا علاقة لها بمعيار تحديد الإنتماء الطبقى و هو الموقع فى علاقة الإنتاج الرأسمالية ،هل هو العمل المأجور أم الملكية الرأسمالية.

***

مستوى معيشة الإنسان لا علاقة له بانتمائه الطبقى حيث أنه متغير نسبى من مجتمع لآخر، ومن زمن لزمن آخر، ومن مكان لمكان آخر، فمن زوايا كثيرة فإن فقراء اليوم أكثر ترفا من أغنياء الأمس، ولا شك أنه مع المزيد من التقدم العلمى والتكنولوجى، سيصبح أثرياء اليوم بؤساء من زوايا كثيرة بالمقارنة بفقراء الغد، فالصراع الطبقى لم يكن أبدا عبر التاريخ بين الفقراء والأغنياء، كما يصور المبتذلون ذاك الصراع، و الذين يحلوا لهم تقسيم المجتمع طبقيا وفق مستوى المعيشة و الدخل الفردى لطبقات غنية ومتوسطة وفقيرة، كما لو كانت المشكلة الاجتماعية محصورة فقط فى توزيع الدخل لا فى مصدره، و من ثم يقترحون حلها فى رحمة الأغنياء بالفقراء، إلا أن الحقيقة هى أن الصراع الطبقى هو صراع حول درجة السيطرة على مصادر السلطة المادية، بين من فى مصلحتهم أن تكون حقا للجميع، و بين من فى مصلحتهم أن تظل حكرا للأقلية، هؤلاء الحريصين فى نفس الوقت على حرمان الأغلبية منها، فالانقسام الجوهرى بين البشر ليس قائما بسبب الفوارق بين ما يحصلون عليه من دخل، ولكن بسبب الاختلاف فى مصادر هذا الدخل، وهو ما يحدد مصالحهم الأولية والنهائية التى بسبب تناقضها يشتعل الصراع بينهما.

***

الوعى الاجتماعى لهذا الفرد أو ذاك أيضا لا يحدد الانتماء الطبقى، حيث أن الوعى الفردى غالبا ما يكون هو وعى الطبقة المهيمنة اجتماعيا فى لحظات الاستقرار الاجتماعى، فالعبيد كأفراد دائما ما يتبنون آراء سادتهم ومواقفهم، و يتطلعون فرديا لأن يحلو محلهم فى موقع السيادة، و ذلك بسبب أن الطبقة المهيمنة اجتماعيا تسيطر على وسائل التعليم والثقافة و الإعلام التى تشكل فى النهاية هذا الوعى، أما الذين لا يسيطرون على تلك الوسائل فلا يملكون التحرر من تأثيرها التضليلى عليهم إلا أثناء التحولات الاجتماعية الكبرى، و ذلك عندما يتمرد المقهورون جماعيا على وضع الخضوع، عندما يكتشفون الخداع التى أغرقتهم فيه تلك الوسائل، و عندما ينزعون غشاوة الأكاذيب عن عيونهم التى ضللتهم بها.

***

المؤهل الدارسى أيضا هو مجرد إمكانية تعطى من يحوزها الفرصة لممارسة عمل معين دون سواه، سواء أكان هذا العمل يدويا أو ذهنيا، ماهرا أو غير ماهر، مع الأخذ فى الاعتبار أن بعض المؤهلات الدراسية بطبيعتها توفر لبعض الحاصلين عليها، فرص السيطرة على بعض مصادر السلطة المادية دون غيرهم، أو أنها تساعد بعضهم على شغل المراكز الإدارية فى المجتمع والدولة والإنتاج كالعسكريين والقانونيين والاقتصاديين والمهندسين والمعلمين.

***

طبيعة العمل فيما إذا كان يدويا أو ذهنيا هو تقسيم لا علاقة له بعلاقات الإنتاج، وما تفرزه من طبقات، فلا عمل يدوى دون عمل ذهنى، والعكس صحيح أيضا، فعمل العتال والخراط و الميكانيكى ومصمم الماكينات والمبانى وحتى علماء الطبيعة، يتضمن نشاطا ذهنيا يستند إلى معلومات سابقة وتخطيط للمستقبل، كما يستلزم بعض العمليات اليدوية من تشغيل الماكينات إلى إجراء التجارب العلمية، كبرت أم صغرت تلك العمليات فى كل حالة على حدة فتزيد عند البعض وتقل عند البعض الآخر، أما العمل البدنى البحت الخالى من الجهد الذهنى فهو عمل الثيران التى تدير السواقى و حيوانات الجر، وأما العمل الذهنى المحض الخالى من كل عمل يدوى، فلا يوجد سوى لدى الفلاسفة والمفكرين، ومن هنا فالمهم فى تحديد الانتماء الطبقى هو العلاقة بمصادر السلطة، السيطرة عليها أو الحرمان من تلك السيطرة، إنتاج الاحتياجات المادية أو الاستيلاء عليها، سواء نتجت تلك الاحتياجات المادية من عمل يدوى أم من عمل ذهنى، و سواء أكان مجال النشاط الإنتاجى هو الصناعة أم الزراعة أم الخدمات.

***

نشأ استغلال الإنسان للإنسان من طبيعة السلطة المنفصلة عن إرادة البشر الخاضعين لها، و التى يمارسها الإنسان المتسلط على الإنسان المتسلط عليه، ذلك لأن كل سلطة هى مفسدة، و كل سلطة مطلقة هى فساد مطلق، فالسلطة فى حد ذاتها تمنح الفرصة للإنسان المتسلط لأن يمارس استغلاله للإنسان المتسلط عليه، كما نلاحظ أن كل من الأديان وفلسفات الحياة وحكمة القناعة و التصوف والزهد، فشلت فى ان تكبح استغلال الإنسان للإنسان مع الحفاظ على تلك السلطة المنفصلة عن إرادة البشر فى نفس الوقت، كما لم ينجح العقاب الدنيوى مهما بلغ من قسوة فى ردع التنافس الوحشى بين البشر على مصادر السلطة المادية التى تمنح السلطة لمن يملكها على المحروم منها، و هى وسائل كل من الإنتاج والعنف والمعرفة، ولم يستطع كل هذا التحذير بالعقاب الأخروى من التخفيف من تجليات ذلك الصراع بين البشر، أما عن الأوهام الخيالية والتى تخدرنا لكى لا نناضل من أجل التحرر من الاستغلال، والتى تفترض فى المتسلطين حسن الأخلاق أو تناشدهم الرحمة بالواقعين تحت تسلطهم، أو تشترط فيهم القداسة عند توليهم السلطة، فلم تكن أقل فشلا، فالقضاء على الاستغلال لا يمكن أن يتحقق إلا فى إلغاء أساسه المادى، و هو السلطة المنفصلة عن إرادة البشر وحريتهم، فلن يتم إنهاء العلاقات الاستغلالية بين البشر، بالوعظ أو بالقمع، و أوهام المستبد العادل،و انتظار تحلى البشر بالحكمة وحسن الخلق، والحكمة تقتضى أن عليك أن تقضى على الجرثومة المسببة للمرض بدلا من مجرد تخفيف الأعراض الناتجة عنها.

***

وسائل الإنتاج كلها من عقارات وآلات وأدوات و أموال، ما هى إلا نتاج و محصلة تراكم هائل من العمل البشرى الذهنى و اليدوى لبلايين البشر عبر عشرات آلاف من السنين، وبعبارة أخرى وسائل الإنتاج هى عمل ميت، تمييزا لها عن العمل الحى أو قوة العمل البشرى، إلا أن الطبقة المهيمنة على مصادر السلطة المادية فى علاقات الإنتاج الطبقية، تسيطر على وسائل الإنتاج، أو هذا العمل الميت لنفسها سواء بامتلاكه أو بإدارته، و تحرم الطبقة المقهورة فى نفس الوقت من السيطرة علي تلك الوسائل، وبناء على ذلك تسيطر تلك الطبقة المهيمنة على الطبقة المقهورة، والتى تضم كل هؤلاء الذين يبذلون قوة العمل الحية سواء أكانوا عمالا أو عبيدا أو أقنان، لإنتاج المزيد من تلك الثروات سواء أكانت للإنتاج أو للاستهلاك، بعد أن تجرد كل هؤلاء من السيطرة عليها، و بهذا تستولى الطبقات المتسلطة فى النهاية على الفائض من الثروة الاجتماعية، ذلك الذى ينتجه العاملون بقوة عملهم، بحكم تسلط تلك الطبقة عليهم، هذا هو جوهر الاستغلال فى كل علاقات الإنتاج الطبقية، و الذى يأخذ أشكالا مختلفة من علاقة إنتاج استغلالية لعلاقة أخرى.

***

السلطة بطبيعتها تمنع الإنسان المتسلط عليه من الفرار من واقع هذا الاستغلال، فهى تشده إليها بحسم ليخضع لها بشتى الوسائل، بالحاجة إليها أو بالخوف منها أو بما تطرحه من أوهام. فالمحروم من الطعام والمحتاج إليه للاستمرار فى الحياة، مضطر للرضوخ لشروط من يملك الطعام، ذلك القادر على تلبية احتياجه الحيوى، و من موقع ملكية الطعام يستطيع مالكه أن يحقق مصالحه على حساب هذا المحروم منه، والمالك للطعام قد يقبل ببعض التنازلات عن طعامه دون مقابل أحيانا للطرف المحروم من الطعام، و التى تبدو للبعض أنها صورة من صور رحمة المالك بالمحرومين ، أو تبدو للبعض الآخر أنها قدرة المحروم من الطعام على فرض كامل شروطه على من يملكها، إلا أن هذه التنازلات ومهما تضخمت لن تقضى على قدرة مالك الطعام على فرض الشروط التى تحقق مصالحه فى استغلال الطرف المحروم من الطعام، والمسألة لن تتجاوز سوى التقليل من الاستغلال فحسب لا القضاء عليه.

***

إن هذه النصوص فى النهاية تلخيص لقراءات وأفكار ومعلومات تم تجميعها من مراجع بعينها، و هى محاولة لتقديم خلاصة مكثفة موجزة، ومن ثم فهى تحتاج لقدر من التركيز والانتباه عند القراءة، و فى نفس الوقت هى نصوص مبسطة بقدر الإمكان لتتناسب مع القارىء غير المتخصص، و لتتناسب مع ظرف معاصر آخر هو غزارة الإنتاج فى الكتابة، وعدم توفر الوقت للقارىء للإلمام بكل هذا الإنتاج حتى لو اهتم، وإن كان هذا لا يعنى التخلى عن طابع الدراسة الملتزم بقواعد البحث العلمى، وهذه النصوص مصاغة أحيانا بمصطلحات مختلفة عما هو شائع أو مستخدم فى الكثير من الدراسات والكتابات، و ما هو شائع فى أذهان الناس وعلى ألسنتهم، و قد رأيت أن استخدمها للدقة العلمية والوضوح وهو ما أرجوا من القارىء الانتباه إليه، فعلى سبيل المثال فأن صياغة هذه النصوص هجرت الألفاظ و المصطلحات الملتبسة المعنى مثل الاشتراكية والشيوعية على سبيل المثال.