الأربعاء، محرم 07، 1426

الباحثات عن الحرية لا قصة ولا مناظر - محمد هشام عبيه

بعض الأفلام يمكنك أن تتنبأ بمستواها من الأفيش ، صحيح أن هذا الأسلوب لايصلح للتعميم في كل الأحوال لكنه مقياس لابأس به، فألأفيش واحد من أهم وسائل الدعاية للفيلم – إن لم يكن اهمها- وإذا اطمئننت إلي أن صناع الفيلم اهتموا بأفيش الفيلم فهو يعني أنهم سيهتموا بباقي التفاصيل الفنية الأخري والعكس صحيح.

إذا طبقنا هذه الطريقة علي "الباحثات عن الحرية" فالتصرف الذي ستقوم به فور أن تشاهد الأفيش هو أن تدخل النقود التي اخرجتها لدفع ثمن التذكرة إلي جيبك مرة أخري بعد أن تصاب بـ"الصدمة والرعب" لأن صناع الفيلم أخرجوا الأفيش علي طريقة الأفلام الهندية التي راجت في أوائل التسعينات حيث "اللطع" الحمراء والسوداء والصورة الضخمة لـ"أحمد عز" و"داليا البحيري" عاريا الأكتاف و"نيكول بروديل" وهي تداعب خصلات شعرها كل هذا برسوم ردئية وإخراج فني فقير الأمر الذي يجعلك تبحث عن اسم "أميتاب باتشان" لعله هنا أو هناك!

دعونا لانكون سيء الظن ولندخل معا دار العرض لنشاهد الفيلم لعلنا نجد فيه مايهدم فكرتنا عن الأفيش السيء ..

ثلاث فتيات عربيات "داليا البحيري" فنانة تشكيلية مصرية هاجرت إلي باريس بحثا عن الحرية التي يقيدها زوجها الفظ الذي يري في تميزها الفني عائقا أمام اهتمامها بولدها لتواجه وحدها قسوة الغربة ومرارة البعد عن ابنها، "نيكول بروديل" صحفية لبنانية هربت من أتون الحرب الأهلية اللبنانية إلي باريس لتقع بين براثن رئيس تحرير يتعامل مع المرأة كسلعة فقط ، ثم "سناء موزيان" المغربية الهاربة إلي فرنسا بعد أن ذاقت كل صنوف العذاب علي يد أخوتها الرجال الذين يضربونها فقط لكونها إمرأة.

إلي هنا ولابأس نماذج الفتيات الثلاث من الممكن أن يكونوا موجودين بصدق في المجتمع العربي ،وإن كان لم يتضح السبب وراء اختيارهم جميعا لـ"باريس" مكانا للمهجر ، إلا أن تفاصيل الفيلم بعد ذلك ذهبت في اتجاه أخر..

فـ"داليا البحيري " تتعرف بطريقة ساذجة جدا علي مصري أخر"أحمد عز" مهاجر إلي باريس ولايضيع الاثنان وقتهما في التعارف التقليدي فاللقاء الأول تم إيجازه في رقصة في احد شوارع باريس وقبلات طويلة ممتدة بأعتبار أن القبلة هي "افضل وسيلة للتعرف" بحسب رأيهما، ثم كان اللقاء الثاني في غرفة نوم" أحمد عز" بطلب خاص من" داليا البحيري"!

ثم وفي واحد من أكثر مشاهد الفيلم كوميدية نجد "داليا البحيري" تستغيث بعشيقها "أحمد عز" لتبلغه بأنها عرفت بأن ابنها هنا في باريس وانها لابد وأن تراه، كيف جاء الطفل ذو الست سنوات إلي باريس؟ في رحلة مدرسية؟! ولاأعرف ماهي تللك المدرسة المصرية التي تنظم لتلاميذها رحلة إلي باريس خاصة إذا علمنا أن احداث الفيلم تدور في أواخر الثمانينات؟!

وطبعا – حتي يتأثر المشاهد- يجوب الحبيبان شوارع باريس – وكأنها حي شبرا- بحثا عن الطفل المعجزة-الذي يالشقاوته- لايمكن امه وعشيقها من أن يعثروا عليه!

اما الصحفية اللبناينة فأعتقد أنها كانت اغني شخصيات الفيلم إنسانيا وبالرغم من أن أداء "نيكول بروديل" شابه بعض الجمود إلا انها الشخصية الأقدر علي تجعلك تتعاطف معها خاصة وهي تتذكر مشاهد الحرب في بلادها – والتي جاء إخراجها للأسف الشديد بطريقة فقيرة جدا- وتتذكر حبيبها الذي فرقتهم الحرب والغربة، وإن بدا غير واضح أو مفهوم كونها في الصباح صحفية نظيفة ترفض إغراءت رئيس التحرير بينما تتحول في المساء إلي فتاة ليل تجوب الأماكن المشبوهة في باريس لتصطاد الرجال !

اما المغربية "سناء موزيان" فحظها العثر هو الذي يوقعها بين يدي رجل مغربي طاعن في السن يأويها في منزله و يجعلها تعمل في محل الملابس الذي يملكه ، ويحيطها بسوار قوي ويملك جسدها وحريتها بالكامل فتشعر انها لم تخرج من سجن المغرب إلا لترتمي في سجن باريس ، وعلى الرغم من انها تمتلك صوتا جميلا يمكنها من احتراف الغناء إلا انها تكتم هذه الموهبة بداخلها ولاتخرجها إلا لصديقتيها المصرية والمغربية مع أن المنطقي أن البحث عن فرصة للغناء كان يجب ان يكون أول ماتفعله فور وصولها إلي فرنسا وإلا لماذا هاجرت أصلا!

ولأن الباحثات عن الحرية فيلم عربي حتي لو تم تصوير معظم مشاهده في فرنسا ، فلابد أن ينتهي بنفس النهاية المصرية السعيدة ، فـ"داليا البحيري" تقرر فجأة العودة إلي مصر من اجل استعادة ابنها ثم العودة مرة اخري إلي عشيقها في فرنسا وفي مشهد كوميدي أخر نجدها تعود إلي منزلها لتقول لزوجها المتصلب أنها ستأخذ ابنها ولن يستطيع منعها ثم تخرج من الباب ويقف الزوج حائرا ماذا يفعل مع انه يستطيع منعها بالقوة خاصة أن القوة الجسمانية للممثل الذي قام بهذا الدور" تامر هجرس" كافية لهد جبال!

وبينما تقرر المغربية التمرد علي العجوزالذي يأويها وتذهب لإحتراف الغناء في كازينوهات باريس ثم تتعرض لمحاول أغتصاب من مدير اعمالها بعد أن رفضت أن ترضخ لرغبات ثري عربي – ظهر بطريقة فجة للغاية- فنراها تهرب إلي حبيبها الفرنسي الذي نكتشف انها كانت تحبه من أول الفيلم ، ويتركان معا باريس ليذهبا إلي مكان مجهول ليتوجا قصة حبهما بالزواج.

في حين أن الصحافية اللبنانية بعد أن فرغت من قتل ثري لبناني كان يشتهيها وتسبب في اضرار بالغة لها ، نراها تعود إلي لبنان حتي تتزوج من زميلها المصري الذي تحبه "هشام سليم" الذي وبمنتهي "الجنتلة" يقدم لها حبيبها اللبناني السابق الذي لاتعرف كيف عثروا عليه حيا أصلا بعد كل هذه السنوات!

لايعرف المرء مالقيمة التي تريد "إيناس الدغيدي" أن تقدمها لنا من خلال هذا الفيلم؟ فالأفكار الذي يقدمها الفليم مشوهة ومضطربة وغيرواضحة المعالم ، ، فأنت لاتعرف هل كانت تريد أن تقول أن الحرية الوحيدة التي يملكها المرء في هذا العالم هي حرية جسده فقط أم انها تقصد شيئا أخر خفي علي معظمنا؟

ومع اعترافنا بأن المرأة في العالم العربي تواجه في احيانا كثيرة صعوبات متعددة فهل يكون الحل هو الهجرة او الانخراط في علاقات جسدية فحسب؟

اللافت أنه بالإضافة إلي سيناريو الفيلم غير المنطقي والحوار التقليدي فإن الإخراج جاء بدوره عاديا جدا لايحمل اي ابتكار أو تميز ولم تستفد المخرجة من كون باريس مكان لمعظم الأحداث ذات الأمر تكرر في باقي عناصر الفيلم من تصوير وديكور وإن تميزت موسيقي "راجح دواد" ومونتاج "مها رشدي" . وهو الأمر الذي أنسحب على الممثلين بدورهم حيث شاب اداء "داليا البحيري" و"نيكول بروديل" جمودا غير طبيعي بينما كانت "سناء موزيان" الأفضل ، وإن كان أداء "تامر هجرس" يصلح كشرير في قصص الأطفال ، فلا احد يعرف مالذي أجبر "هشام سليم" علي قبول دور لايقول فيها اكثر من أن "بيروت أحلى بلد في الدنيا" لأنه يحب الصحفية اللبنانبة!

يبدو أن الجمهور الذي اتهمه الكثيرون بأنه غير واعي قال رأيه بصراحة شديدة في الفيلم الذي شاهدته في دار العرض ومعي عشرون شخصا لا أكثر ، ولعل الرأي الذي قاله أحدهم وهو خارج من درا العرض ساخطا "الفيلم ده لاقصة ولا مناظر" أفضل رسالة يمكن أن نقولها لصناعه!