الثلاثاء، محرم 06، 1426

حرية من ضد من - د. ابراهيم علوش

ماذا يعني كل هذا الضخ الإعلامي والبرامج التثقيفية والندوات والمؤتمرات حول حقوق الإنسان وأولوية حقوق الإنسان؟ ولماذا تُهمل حقوق الشعوب والأمم، أو حقوق الأغلبية في المجتمعات التابعة والمحتلة؟



من صاحب المصلحة بالتركيز على الحقوق الأولى الفردية، وبتجاهل الحقوق الثانية الاجتماعية؟ هل يعيش الفرد حراً ضمن كتل بشرية خاضعة لأنظمة محلية أو لعلاقات دولية جائرة، أو في بلدانٍ مدينة بالمليارات؟! هل تصان حقوق الطفل والمرأة مثلاً، أو الفرد، في المجتمعات المستعبدة؟! هل ينعم الفرد بحقوقه فعلاً في نظم اجتماعية تقوم على الاستغلال والاضطهاد، وفي بلدانٍ تتمرغ تحت البسطار الأجنبي؟!



بل أننا نجد وعي الحرية في المجتمعات الغربية منبثقاً بالأساس من الفرد وأولوية حقوقه، بينما نجد الحقوق الجمعية، حقوق الأمة وأوسع شرائحها، حقوق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال مثلاً، والحقوق الكلية عامةً، إذا صح التعبير، مهملة وغير ذات شأن، أو في المقام الثاني في أحسن الأحوال.



على سبيل المثال، تجد منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس واتش، وغيرها من منظمات حقوق الإنسان عابرة الحدود يجن جنونها إذا أعتدي على حقوق فرد، ولكنها ترفض تبني قضية الشعب الفلسطيني أو العراقي كمبدأ، أو أي قضية أخرى ذات طابع جمعي... وقد حدثت خلافات حادة في التسعينات بين قيادة منظمة العفو الدولية مثلاً وبعض أعضائها حول تبني أو عدم تبني قضية الحصار على العراق...



هذا النمط من وعي الحرية، ليس مجرد رأي أخر، والتركيز على حرية وحقوق الفرد، على حساب، أو على الأقل قبل، حرية وحقوق المجتمع، ليس مجرد خلاف فلسفي، بل نتاجٌ عريق للنظام الرأسمالي في أوروبا الغربية منذ قرون إذ جعل من حرية وحقوق الفرد، وحقه في التملك والتجارة والسعي لتحقيق أقصى الأرباح، وعدم تدخل الدولة في شؤونه، خرم الإبرة الذي يُنظر عبره للحياة السياسية للأمة، تحت شعار: دعه يعمل، دعه يمر.



فهم هذه المعادلة لا غنى عنه لفهم التعاطف الغربي مع حالة معاناة فردية، مثلاً معتقل واحد في أبو غريب، أو قطة تقع في بئر، مقابل برودة المشاعر تجاه قضية شعب، أو علاقات دولية ظالمة، أو نظام اجتماعي-اقتصادي ظالم.



هكذا قامت ثنائية الفرد/ المواطن مقابل الدولة الرأسمالية الغربية التي يصبح مقياس نجاحها هنا مدى رعايتها لحقوق فرد بلا جذور مقطوع عن أي امتداد اجتماعي أو تاريخي. فالفرد في هذا السياق مجرد ذرة، والمجتمع، من هذا المنظور، مجرد ركام ذرات، وليس هيكلاً وبنية لها تفاعلاتها وقوانينها المستقلة عن رغبات الأفراد.



الفرد/ المواطن إذن يصبح مقطوعاً عن التاريخ والتراث ومنظومة القيم والمفاهيم والشريحة الاجتماعية وكل ما يحوله إلى كيان اجتماعي-تاريخي. وكما قالتها رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت ثاتشر مرة: ليس هناك شيء اسمه مجتمع! There is no such thing as society



التوجه المحافظ في الفكر الغربي، توجه الحزب الجمهوري في أمريكا مثلاً، وتوجه ادم سميث أبو الاقتصاد الكلاسيكي، يعتبر أن تحقيق الأفراد لأقصى مصالحهم دون عوائق هو المعنى الحقيقي لسعادة المجتمع. فالوعي الاجتماعي أو العام يصبح فائضاً لا ضرورة له هنا. وهذا الموقف، بالطبع، يخالفه جزئياً الحزب الديموقراطي والليبراليون الاجتماعيون الذين يرون رعاية مبدأ أولوية حقوق الفرد أيضاً، ولكن ضمن بعض الضوابط الاجتماعية.



من يتابع وسائل الإعلام الغربية، خاصة في الدول الأنغلوساكسونية، مثل أمريكا وبريطانيا، يلاحظ كيف تبدأ المقالات أو التقارير الإخبارية عادةً بقصة شخص عمره كذا يقطن المكان الفلاني، ويعاني من المشكلة الفلانية. وإذ يبدو هذا النمط من الكتابة الصحفية أقرب للإسفاف في العربية، يبدأ الصحفي الغربي بالحالة الفردية ليصور حالة عامة، هذا إذا رغب بتجاوز مشكلة ذلك الفرد إلى طرح قضية عامة أصلاً...



ولكن اليوم بات خط حقوق الفرد هو راية العولمة، أي الوجه الأخر للرأسمالية المتوحشة، فالشركات متعدية الحدود تحقق من خلاله وعياً معولماً وتفكيكياً يتجاوز الدولة ككل، خاصة في العالم الثالث. فحقوق الإنسان هي في الواقع حقوق الفرد، وحرية الفرد هي حرية الرأسمالية العالمية، وفي ظل العولمة، حريتها على حساب حقوق الشعوب. هكذا نضع مسألة التمويل الأجنبي الأوروبي والأمريكي، العام والخاص، لمنظمات حقوق الإنسان في سياقها التاريخي... نحن مع حقوق الإنسان، إذن، ولكن ليس هكذا!