الثلاثاء، محرم 06، 1426

القذافي في المصيدة - محمد عبد المجيد - النرويج

خمسة وثلاثون عاما يركب فيها العقيد ظهورَ شعبنا الليبي، ويدوس على رؤوسهم، ويفلسف الحماقة، ويجعل من الجهل منطقا، ومع ذلك فلا يزال هناك إن مَدَّ اللهُ في عمر القائد مستقبل مظلم وكئيب ومهين ومُذِل ينتظر على أحر من الجمر استمرار صمت الشعب الليبي، وأفراده ينصتون بشغف شديد إلى صوت الجهل والحماقة والاستخفاف قادما من خيمة ملونة يجلس في وسطها واحد من أشد مستبدي وطغاة العصر الحديث قسوة وغلظة ووحشية.
كُتُبُ التاريخ مليئةٌ بحكايات جهل الطغاة، وكان لجيران العقيد في أفريقيا نصيبٌ كبيرٌ من المأساة الموغلة في الضحك والبكاء على حد سواء، وربما كان الإمبراطور هيلاسلاسي حاكمُ إثيوبيا المستبد أُمْيّا طوال أربعة وثلاثين عاما رفض خلالها وضع توقيعه على وثائق، وكان لا يلجأ لكتاب أو صحيفة أو مقال أو تقرير، فهو يسير وخلفه مُلقن تقترب شفتاه من أذن الامبراطور.
وكان عيدي أمين دادا ديكتاتور أوغندا أكثر الجهلاء حماقة، وكانت قيمة المواطن في عهده أقل من حشرة، وقام بتصفية ثلاثمئة ألف أوغندي وعندما دعاه الرئيس السادات لزيارة مصر اشترط أن ينتظره الرئيس الراحل على الضفة الأخرى من القناة وهو سيأتي سابحا ليستعرض قوته ومهارته في السباحة.
وكان جان بيدل بوكاسا امبراطور أفريقيا الوسطى نموذجا لخلطة من الجهل والقسوة جعلته ينفق ميزانية بلده على تنصيب نفسه امبراطورا، وقام بعملية اعدام تلاميذ مدارس ولا يزال من غير المؤكد أنه قام بأكل لحوم الأطفال.

في خطوة بدت كمصيدة من ( الجزيرة ) استضافت القناة القطرية قائدَ ثورة الفاتح من سبتمبر على الهواء مباشرة فالقائمون على القناة يعلمون جيدا أنهم سيكشفون سوءاته، ويقومون بتعرية ضحالة فكره، وينفخون فيه حتى تمتلأ الشاشة الصغيرة عفنا فكريا هابطا.
كان العقيد وقحا كعادته عندما اتهم الأستاذ فهمي هويدي بالجهل في معرفة فلسفة الكتاب الأخضر، وأكثر وقاحة وهو يحاول اهانة المفكر الكبير مستخدما تعبير ( يا ابني ) رغم أن الكاتب الصحفي أكبر منه سنا.
وكانت الأسئلة التي وجهتها جمانة نمور أكبر من عقل العقيد، وأكثر صعوبة على قدرته في الفهم، فكان يسرح .. وينظر ببلاهة شديدة إلى ما حوله.. ثم ينسى السؤال ويجيب على موضوع آخر لا علاقة له ألبتة بما تم طرحه.
لم يستطع القذافي أن يخفي الصدأ في أفكاره، وأدّعى أنه ليس زعيما أو رئيسا أو مَلِكاً لكنه قائدٌ لا يملك أي سلطة، فالسلطة الحقيقية في أيدي الشعب وهي أعلى درجات التقدم والتمدن.
وكأن الرئيس الفرنسي أو الايطالي أو أي مسؤول كبير يصل إلى الجماهيرية يستقبله أمين اللجنة الشعبية في العزيزية أو غدامس أو طبرق أو مصراتة ثم يجري معه مباحثات ثنائية في الصحراء أو في خيمة متواضعة دون أن يلتقي بالعقيد!
هزلٌ يصيب النفسَ العفيفةَ بالغثيان ومع ذلك فالعقيدُ أحدُ صُنّاع الإرهاب ومطاردة المعارضين وتصفيتهم، ودعم حركات الانفصال، ومفجّر الطائرات الآمنة بركابها الأبرياء، وداعم الجيش الجمهوري الايرلندي في تفجيرات لندن، وقاتل مئات في سجون ليبيا، أصبح بين عشية وضحاها مضيفا عزيزا وكريما على ممثلي القيم والمباديء الغربية الديمقراطية والحرة.

كان مشهد العقيد على شاشة ( الجزيرة ) يحمل بين طياته جبلا من الإذلال لشعبنا الليبي، فالرجل ينطلق في فلسفته من عاهة فكرية وتخلف عقلي وجهل سحيق ، لكنه يمسك كل أطراف ليبيا الشاسعة، وأجهزة مخابراته تقتل المئات في عملية واحدة دون أن يرف لها جفن، ويستطيع الرجل الذي ينفي أي سلطة بين يديه أن يكتب شيكا مصرفيا بكل ما في خزينة الدولة ويدفعه تعويضا عن جريمة يدعي أنه لم يرتكبها، ثم تخرج الجماهير المُغَيّبة والمُخَدّرَةُ ترقص في شوارع الوطن البائس معبرة عن بهجتها وغبطتها ولذة الاغتصاب التي زرعتها ثورة الفاتح في نفوسها، وتستجدي العقيدَ أن يضربها على قفاها مرة ثانية وثالثة وعاشرة.
سقط القذافي أمام خبراء الاعلام في قناة ( الجزيرة ) وشاهده الملايين، لكنه لا يزال يملك رقاب شعبنا الليبي، ويحقق له أقصى درجات البؤس.
كتب لي شاب ليبي وهو طالب جامعي يعترض على ظني بأن الليبيين مُغَيّبون تماما، ويقص علي حكاية كان هو أحدَ أطرافها عندما حاولت أجهزة الأمن اقناعَ الطلاب في الجامعة بالحضور الكثيف لأن العقيدَ سيحضر اللقاءَ السنوي.
ماذا كانت النتيجة؟
تم الغاءُ الزيارة قبيل وصول القذافي بساعة زمن عندما امتنع معظمُ الطلاب عن الحضور.
هل يعني هذا أن هناك حركةَ تمرد في الجماهيرية وأن العقيد في أيامه الأخيرة؟
المشهدُ الليبي يؤكد عكسَ ذلك، وأجهزة مخابرات الطاغية بعدد رمال الصحراء الليبية، والداخل إلى ليبيا مفقود والخارج مولود.

كل الأنظمة المستبدة قد تسعد بتوبة المعارضين، وتغتبط بعودة القطيع إلى الحظيرة بل تكافيء بعضَهم في مناصب هامة أو تُقرّبهم إلى القصر ( أو الخيمة )، ماعدا نظام الحكم المستبد للفاتح من سبتمبر ففي تركيبته غدرٌ يناهض كلَ القيم والمُثُل والمباديء.
اللهُ يقبل التوبة من عباده مهما كانت ذنوبهم، أما العقيد فيتساوى لديه الأمران، الاستمرار في المعارضة أو العودة الذليلة للمعارض أو المناهض لحكمه. الآن يصعب التخلص من العقيد فهو في حماية كل أجهزة الأمن الغربية والأمريكية وطبعا بعض الجيران.
جرائم العقيد تم اسدال الستار عليها، وأصدر الغربُ والعالمُ العربي وسيّدُ البيت الأبيض عفوا عاما واعتبار تصفية الآلاف وتخريب دولة وجعل ليبيا سجنا كبيرا واهدار ثروة وطن واذلال شعب والتآمر على الجيران أمورا في طيّ النسيان، ومن صغائر الإثم، ومن الجُنَح التي لا ترقى لمرتبة جرائم.
كان العقيد بهلوانا على الشاشة الصغيرة، ولم يفهم أسئلةَ مقدمة الحلقة جمانة نمور، وكان العرب كلهم من مائهم إلى نهرهم يتصببون عرقا من هول الخجل، فهذا أحد طواغيتهم وحكامهم ومستبديهم يكاد يتساوى مع أهل الكهف، لكنه يدوس بحذائه فوق رقاب أحفاد عمر المختار.المعارضة الليبية تُصَعّد حملاتها منذ ربع قرن في الغرب وفي أمريكا لكنها لم تتقدم خطوة عملية واحدة لازاحة الكابوس.
لا يكفي أن تُصْدِر المعارضةُ نشرةً أو عدة نشرات، وتوزع مطبوعة ملونة، وتعقد ندوة لا يحضرها إلا عجائز الغربة وتقاطعها وسائل الإعلام.
إذا أراد المعارضون تحرير شعبهم الليبي فليس أمامهم إلا الدعوة لعصيان مدني في وقت محدد يقوم قبله بعدة أشهر مناهضو الطاغية بحملة ذكية وموَحَدة وليست مرتبطة مع أي جهة غير ليبية، وحينئذ سيكتشفون أن نظام العقيد كان أوهن من بيت العنكبوت!