الاثنين، محرم 19، 1426

معركة لبنان على الابواب - د. ابراهيم علوش

قبل يومين نبهني أخي محمد أبو النصر، الذي يتابع التفاصيل الميدانية في العراق يومياً بحكم إشرافه على تقرير المقاومة العراقية بالإنكليزية كما تعلمون ربما، إلى أن 25 ألف جندي أمريكي سحبوا من العراق قبل أسبوع تقريباً لم يعلن عن وصولهم بعد إلى الولايات المتحدة كما هي العادة، ولم تُعد لهم احتفالات العائدين من المعركة كما جرى التقليد العسكري.



فأين هم؟



كنا نناقش أن 25 ألف جندي لا يكفون لغزو سوريا، فاقترحت أن فرنسا ربما تشارك، فهذا يحسن وضعها في المنطقة حتى إزاء الأمريكيين، ولكن تساءلنا أين هي الأساطيل الأمريكية والفرنسية في هذه اللحظة، هل هي متواجدة أكثر من العادة على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط؟ فخمسٌ وعشرون ألفاً قد لا يكفون لغزو سوريا، ولكنهم يكفون لغزو لبنان، خاصةً إذا تعاونت فرنسا، وخاصةً إذا قدر التحالف الأمريكي-الصهيوني-الفرنسي أنهم سيلقون دعماً لبنانياً داخلياً كافياً.



وهو سيناريو على المخابرات العسكرية السورية وكل الدول العربية أن تراقبه جيداً، وكذلك حزب الله، فاتجاه الضربة سياسياً يبدو أنه لبنان، وكل الضغط على إيران يصب في سياق دفعها لتقديم تنازل فيما يتعلق بحزب الله، فحزب الله هو القوة اللبنانية المنظمة الأكبر التي يمكن أن تعيق المشروع الإقليمي وترتيب الأوضاع اللبنانية الداخلية، وإسقاط لبنان يطبق الخناق على سوريا ويضعها في موقف ضعيف، فدمشق لا تبعد إلا بضع عشرات الكيلومترات عن الحدود اللبنانية.



العصا تلوح في الهواء الآن، وقد تقع وقد لا تقع، وكما قال كيسينجر مرة: تضطر عملياً لاستخدام القوة مرة واحدة من كل عشرة تلوح فيها باستخدام القوة، ولكن التهديد يجب أن يبدو دائماً حقيقياً وذا مصداقية.



وهذا هو التهديد لسيادة لبنان، قبل أن يكون تهديداً لسيادة سوريا والأمة العربية، أما العلاقة اللبنانية مع سوريا فهي الضمان الحقيقي لسيادة لبنان ولمنع تحول لبنان إلى موطئ قدم لقوى الهيمنة الخارجية ضد كل الأمة، وليس فقط ضد سوريا.



وبالرغم من براعة الديبلوماسية السورية وخبرتها الأموية العريقة بتجنيب سوريا المطبات الموضوعة أمامها، فإن افتعال قصة تورطها باغتيال الحريري جاء ليثبت أن الطرف المعادي لا يعجز عن اختلاق الذرائع عند الحاجة، كما كان يؤكد الحريصون على الأمة دوماً أن الهجمة على العراق تنطلق من استهداف استراتيجي وتاريخي للعراق والأمة، وليس بسبب هذا الخطأ أو تلك الهفوة من القيادة العراقية. وكذلك لن يعجز الطرف المعادي عن افتعال قصة تتبناها وسائل الإعلام العالمية مع أي قطر عربي يرغب باستهدافه، من مصر إلى السعودية إلى المغرب إلى الأردن إلى من يأتي دوره.



المهم أن التحالف الأمريكي-الصهيوني-الفرنسي يضع سوريا الآن في حقل من التوتر المتصاعد الهادف لفرض تنازلات عليها في الملفات العراقية واللبنانية والفلسطينية على المدى القريب، والهادف لتكسير المركز الإقليمي السوري على المدى البعيد، فهذه التنازلات نفسها، لو تمت، تحسن موقف الطرف المعادي استراتيجياً، فلو وافقت سوريا على تفكيك حزب الله مثلاً أو على التضحية برأس المعارضة الفلسطينية وكف اليد تماماً عن الملف الفلسطيني أو على طرد البعثيين العراقيين، فإن موقفها هي يصبح أسوأ في ميزان القوى الإقليمي بأي حساب بارد.



وبغض النظر عما تبديه القيادة السورية من ليونة أو تشدد، فإن الاتجاه العام هو اتجاه التصادم مع سوريا وحلفائها في لبنان، حتى لو نجحت الديبلوماسية السورية بتأجيل ذلك الصدام مؤقتاً. والموقف العقلاني هنا، الموقف الذي يحمي الأمة وسوريا، هو الاستعداد للمواجهة، وليس التمني أنها لن تقع! فكلما تعزز موقف قوى المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين، كلما تعزز موقف سوريا، والعكس صحيح.



بالمقابل، تصب المطالبة بخروج سوريا من لبنان، في وقتٍ يُطرح فيه التدخل الدولي ووضع لبنان تحت الوصاية، مباشرة في خدمة التحالف المعادي للأمة بغض النظر عن حسن أو سوء النوايا.



مصلحتنا كأمة إذن بدعم سوريا ولبنان وحزب الله بالكامل وليس التلهي بعناوين مشبوهة مثل "الديكتاتورية" مقابل "الاحتلال"، أو "تصحيح العلاقة بين لبنان وسوريا"، الخ... بل علينا التفكير بطرق الدفاع عن سوريا ولبنان سياسياً وإعلامياً، وحتى بالتطوع للقتال لمن يقدر، دون التخلي عن حقنا بنقد السياسات والتجاوزات في الوقت والمكان المناسبين. فالمعارضة الصحيحة تبدأ بمقاومة التدخل الدولي.