الثلاثاء، ذو الحجة 28، 1425

شهادة من داخل المظاهرة - Egypt Camapaign for Change

يبدو أن الأمن المصري قد قرر أن يستلهم الجزء الثاني من مشهد عرابي وهو يصرخ في وجه الخديوي بمطالب الشعب المصري.. فكما استلهمت الحملة الشعبية من أجل التغيير كلمات عرابي بأننا قد ولدنا أحرارا ولن نورث بعد اليوم، لعبت قوات الأمن المصرية بالأمس دور رجالات الخديوي.. ليس في ميدان عابدين وإنما أمام وخلف وداخل معرض القاهرة الدولي للكتاب.. فقد امتطت رجالات حبيب العادلي الخيول وراحت تجوب أرض المعرض بالطول والعرض.. غير عابئة بأنها تسير وسط البشر الذين جاءوا ليشتروا الكتب، أو ليستمعوا إلى حفلة محمد منير التي تم إلغاؤها حرصا على "أمن محبي منير" أو ليتسوقوا من "زنفة الستات" التي زرعت في وسط معرض الكتاب تبيع الأدوات المنزلية والملابس الداخلية والعطارة وسط مؤلفات الكتاب المصريين والعرب والدوليين!!

بالأمس، الجمعه 4 فبراير، تفوقت الداخلية على نفسها.. منطقة المعرض لا يكفي بأن توصف بانها ثكنة عسكرية لكن احتلا بوليسي واضح استولى على الأرض وما حولها.. وأعاد تقسيم أرض المعارض لا تبعا لسرايا العرض كما تعود المترددين على المعرض وإنما تبعا لم توقعه البوليس من مصادر "بلبلة" .. آ\لاف من البوليس بأنواعه المختلفة.. رتب عالية اختارت لها عددا من المواقع أقامت فيها كافيتريات صغيرة.. أربع أو خمس كراسي، على كل منها رتبة ترزح أكتافها تحت وزن النسور والنجوم النحاسية الصدئة .. يحملون في أياديهم الهواتف المحمولة ويشربون الشاي والقهوة، طبعا على حساب صاحب المحل.. ثم الرتب التي تصبو إلى أن تصبح عالية في وقت ما، تتحرك في المكان ذهابا وإيابا وكأنها تستعد لمعركة التحرير.. ثم الوجوه الحليقة الوقحة لضباط مباحث أمن الدولة.. يرتدون الملابس المدنية ويرفعون نظاراتهم الشمسية فوق جبينهم ويحملون دوما هواتفهم على آذانهم سواء كانوا يتحدثون فيها أو لا يتحدثون.. يحاولون إرهاب من يعرفوهم من النشطاء، ثم يسرعون بالنظر بعيدا لو أن نفس أحدنا واتته أن يواجه النظرة بمثلها.. ثم جحافل من المخبرين وجنود الأمن المركزي.. ما يفرق بينهم هو الزي. فبعضهم يرتدي الملابس المدنية لكنه يقف مثله مثل الآخرين في صفوف على أرصفة المعرض ينتظرون الأوامر بالانتشار.. والآخرين يحملون الدروع والعصي، يبدو على وجوههم تعبيرات الملل والبؤس.. فالأرجح أنهم يقفون تلك الوقفة منذ فجر اليوم المشهود ولا أتصور أن أحدا جاء لهم بكوب شاي أو اهتم إذا كانوا قد تناولوا فطورهم.. أدوات قمع مقموعة.. عيونهم خاوية.. وجوههم مسودة .. "عبد المأمور" على حد تعبيرهم..

دخلنا من باب المعرض وتوجهنا سيرا على الأقدام إلى داخله.. نكاد أن نضحك من منظر البوليس المنتشر في كل مكان.. ثلاثة رجال يأتون في الاتجاه المعاكس في وسطهم وليد الدسوقي، ضابط أمن الدولة الذي تلوثت يداه بدماء المئات الذين عذبهم وعلقهم وكهربهم وركلهم.. ينظر إلينا ويقول لزميليه.. "وآدي حباينا كلهم جم" .. وكأنه يمني نفسه بوليمة جديدة من الوحشية المرضية التي يستحق، لو كنا في زمان ومكان آخر، أن يعالج منها في واحدة من مستشفيات الأمراض العقلية بعد أن يدخلها مسجلا "خطر".. لازال هناك وقت قبل أن تأتي الساعة الواحدة.. موعد المظاهرة التي دعت إليها الحملة الشعبية من أجل التغيير.. فلنشرب القهوة ولنسير قليلا في اتجاه المقهى الثقافي.. بوليس في كل مكان.. ندخل إلى شارع المقهى الثقافي ونشهد الرتب المتوسطة تدفع في الناس ليخلو المكان ونرى خطا أسودا يتبين لنا أنه صف ثلاثي من عساكر الأمن المركزي يتحرك كجسم واحد على وشك أن يغلق شارع المقهى الثقافي.. نعود أدراجنا كي لا ننعزل عن جسم المظاهرة.. في ثلاث دقائق.. هي الفترة التي مشيناها.. عدنا لنجد منطقة السلم قد حوصرت من الجانبين.. ضباط وعساكر وسيارات أمن مركزي ومصفحة (احتياطي).. وتجمع من استطاع أن يصل إلى المكان .. وفي الساعة الواحدة.. كما اتفقنا حدث كل شيء في ثوان معدودة.. مائتين من المتظاهرين.. أو ممن جاءوا إلى المعرض استجابة لدعوة الحملة الشعبية من أجل التغيير.. يتوجهون إلى منتصف الشارع ويهتفون.. إرحل.. كفايه .. ليطوقوا فورا بعشرات من عساكر الأمن المركزي .. عساكر الأمن المركزي تقف وراءنا مباشرة.. لم يعد الشارع هو الذي يحدد مكانها.. بل مكاننا نحن.. علامات التردد تبدو على وجه العساكر.. فهم من فقراء المدن والريف.. ليس من عاداتهم ولا أخلاقهم ولا دينهم أن يقتربوا كل هذا القرب من أجساد النساء ، فما بالك بالتماس معه.. لكن هناك من يحسم ترددهم.. فهناك صف آخر.. أقل عددا من ضباط أمن الدولة والقوات الخاصة يقف ورائهم يدفع أجسادنا بأجسادهم.. يستخدمهم متاريس بشرية ليدفعنا إلى داخل دائرة أرادوا أن يضيقوها علينا قدر المستطاع لنصبح غير مرئيين بالنسبة لمن هم خارج الحصار.. العساكر تعتذر.. "عبد المأمور".. "هنعمل إيه" .. الضابط يدفعهم ونحن ندفع في الاتجاه المعاكس لكي لا نقع على من هم أمامنا.. متظاهرة تصرخ في الضابط أحمر الوجه، عريض الابتسامة.. "ما تبطل تزق، هو فيه إيه".. الابتسامة على وجهه تزداد اتساعا: "وانتي ايه اللي موقفك لازقة في الرجاله.. ابعدي انتي لو مش عاوزه تتلزقي في الرجاله" "هم فين الرجاله.. أنا مش شايفه رجاله؟" ويأتي الرد متوعدا مدعوما بسياسة حبيب العادلي ومحميا بقانون الطوارئ: "هتشوفيهم بكره!".. وجاء الرد عليه ترديدا للهتاف: "أمن الدولة.. كلاب الدولة".. عدد من الناس يحاول الدخول إلى المظاهرة.. يفشل البعض وينجح البعض ممن رفضوا إبعاد البوليس لهم.. وتتعالى الشعارات وتستمر دون انقطاع.. من أجل الإفراج عن المعتقلين.. كل المعتقلين.. شعارات تهتف باسم إبراهيم الصحاري ومروة فاروق.. شعارات تهتف باسم أيمن نور.. شعارات تهتف باسم عبود الزمر و20 ألفا من المعتقلين في سجون مبارك.. وشعارات تهتف باسم أبناء العريش المعتقلين بدون تهم، بدون قانون، وبكثير من القمع والتعذيب والموت.. شعارات بأن ارحل يا مبارك يا عميل الأمريكان.. طهقنا.. زهقنا.. ارحل.. والمتظاهرين يرددون الشعارات والابتسامة لا تفارق وجوههم.. وبعد ساعتين ونتصف من الهتاف ارتفع نشيد بلادي.. لسه فيك الاضطهاد.. في السياسة والاقتصاد.. عاوزه ثورة يا بلادي. لكن الحصار لا ينتهي.. "مش عاوزينا نخرج.ز طيب احنا قاعدين" هكذا تحدث شباب المظاهرة وانطلقت الأصوات تشدو بأغاني الشيخ إمام!! الأمن "ينظم" للمتظاهرين أن يخرجوا كل اثنين في المرة.. يصطحبونهم بالبوليس إلى خارج المعرض، يوقفون لهم التاكسيات، يضعونهم فيها ثم يعودون لاثنين آخرين.. بعد عدد من الرحلات يتذمر الباقون.. سوف نبقى في المعرض.. "لن يقرر لي ضابط أمن دولة متى وأين أترك المعرض.. سوف أتركه متى أشاء".. هكذا يعلو صوت أحد المتظاهرات وتجلس على رصيف الشارع المحاصر وترفض أن تتحرك.. ويبقى معها حولي عشرون .. ربكة قصيرة في وسط الضباط.. يرفعون الهواتف ويتحدثون فيها.. من ذا الذي يستطيع وحده أن يتخذ قرار أن يترك 20 من المدنيين يتجولون في المعرض بحرية بعد أن هتفوا برحيل مبارك وعدم توريث البلاد لابنه؟ قرار خطير كهذا قد يكلفه ترقية محتملة أو رضا أولي الأمر عنه.. لكن يبدو أن ولي الأمر كان قد مل انتظار أن ينفرط الشمل.. فليخرجوا خمسه خمسه وليبقوا في المعرض إن شاءوا.. وخرجنا.. وفي انتظار إحدى الصديقات أن تخرج هي الأخرى التفتنا وراءنا نبحث عنها لنفاجأ أن وراء كل خمسه منا عشرون من المخبرين.. يقفون على بعد مسطرة منا.. ويطلبون منا أن نتحرك.. فمن غير المسموح أن نقف!!! لا نستجيب فتأتي رتبة أعلى ثم أعلى منها لتقول لنا أن نتحرك! ننظر إليهم ولا نكاد أن نصدق. ألا يشعرون بالخزي؟ موقف لا يحتاج إلى الغضب.. فلمثل هذه المواقف اخترع الإنسان السخرية.. بعضنا سخر بالكلمة وذهب.. والبعض الآخر سخر بطريقته الخاصة.. تجول في المعرض مصحوبا بكتيبة من المخبرين.. تجوال من أجل التجوال.. وهم وراءهم.. يذهبون فيذهبون وراءهم.. يعودون فيعودون وراءهم.. وحين تأكدوا أن الرسالة قد وصلت.. ذهبوا..

ترى ماذا كانت حكايات هؤلاء العساكر حين انتهى يومهم في ثكنات جيش الأمن المركزي.. هل كانوا يكيلوا علينا اللعنات.. أم كانوا يسترجعون هتافات الحملة العشبية من أجل التغيير.. "لا مسوس ولا مساس.. يا شباب مفيش جواز!