الثلاثاء، محرم 20، 1426

كفاية ومؤشر ايجابي في العالم العربي - امير اوغلو - الدنمارك

كل أخبارنا في الوقت الحالي ومنذ سنوات عديدة لا تسر صديقا ولا تحزن عدوا, فهي سلسلة من المهانات والكوارث والمذلات والتنازلات من قبل الأنظمة , مع ما يقابلها من خنوع وذل وعبودية من قبل الشعوب المغلوبة على أمرها والمستكينة إلى قدرها والساكنة سكون المقابر والهادئة هدوء الأموات.



في الأسبوع الماضي حدثت تحركات كأنها محاولات خجولة تريد أن تخرق جدار الذل والصمت العربي وأن تعيد الروح والحياة إلى هذه الشعوب الميتة الساكنة مما يعطي بعض الأمل ويجعل الإنسان العربي قادرا على التمسك بهذه الحياة التي لم تعد تستحق أن يتمسك بها أحد, فالموت لابد ولا ريب أرحم منها بكثير وأشرف منها بكثير وأعدل منها بكثير.



الحدث الأول كان خروج أول مظاهرة علنية في شوارع مصر تطالب بتعديل الدستور وعدم التمديد لمبارك وعدم التوريث لابنه جمال سليل النبوة وابن إله الشمس الذي لايوجد في الملايين الثمانين في مصر من يعادله فهما وعلما وحنكة ودراية بمصلحة الأمة . هذه الجماهير التي خرجت تصرخ "كفاية" هي نواة الثورة المصرية الجديدة والتي نعلق عليها الآمال الكثيرة أو بالأحرى الأمل الوحيد في مصر, فهذه الجماهير بعيدة عن أحزاب المعارضة التائهة بين موالاة الحاكم وانعدام المشروع البديل, وبعيدة عن القوى التي تستعين بالخارج وتريد أن تستبدل الإستعمار العربي الحالي باستعمار غربي. هذه المظاهرة أو الظاهرة الجديدة تحمل أبعادا وآفاقا لم نكن نصدق أنها ستوجد في أمتنا في وضعها الحالي فهي تخرج على كل المألوف وتتجاوز كل الحدود والسدود وهي كأول برعم يظهر في الشجرة بعد شتاء طويل بارد بدت فيه هذه الشجرة وكأنها قد ماتت منذ عهد طويل. هذا البرعم يحتاج منا كجماهير ونخب ومثقفين وعلماء الكثير من الرعاية والحنان والدعم لكي لايموت قيل أن تتفتح أوراقه وتزهر وروده. علينا كلنا أن نرعى هذا البرعم الوليد أو نبتعد عنه ولا نؤذيه إن لم نستطع أن ندعمه وأن نحميه لأنه أمل الأمة للسنوات القادمة , على المعارضة التي تقف الآن مع الحكومة في تأجيل تعديل الدستور رهبا أو رغبا أن تصمت إن لم تستطع قول الحقيقة وعلى الشعب أن يعلن تآزره وتضامنه مع هذه الحركة بكل ما يستطيع من دعم وتأييد وعلى النخب ألا تألوا جهدا في الوقوف إلى جانب هؤلاء وأن تصعد من هذه المقاومة .



اليوم أعلن الرئيس مبارك عن نيته في تعديل الدستور استجابة للمعارضة ومطالبها, وهذه خطوة إيجابية ترمي الكرة في ملعب المعارضة التي يجب أن يكون ردها وخطوتها التالية مدروسة بدقة وعناية فالوقت المتبقي للإنتخابات قصير, والمعارضة مشرذمة ومقسمة, والنظام يملك كل إمكانيات الإعلام والتأثير والتوجيه والتزوير, كما أن أخشى ما نخشاه أن تكون هذه هي الخطوة الممهدة لانتخابات يأتي من خلالها جمال مبارك للحكم مما سيعطيه شرعية يصعب على المعارضة مواجهتها فيما بعد. ونكون قد حفرنا قبورنا بأيدينا ورضخنا لحكم وراثي جديد جاء عن طريق الدستور الذي غيرناه بأيدينا ولكننا لم نحسن الإستفادة من هذا التغيير.



الحدث الثاني كان في سوريا حيث قدم مائتي صحفي وفنان ومثقف عريضة يطالبون فيها بخروج سوريا من لبنان, وهو حدث ينم عن جرأة كبيرة وعن خروقات في حاجز الخوف الذي زرعه النظام الديكتاتوري خلال سنواته الأربعين في قلوب الناس فالإختلاف عن الطلبات السابقة والعرائض القديمة أن الموضوع هنا خط أحمر بالنسبة للنظام لم يجرؤ أحد أن يتخطاه من قبل أما ماسبق من مطالبة بالحريات العامة وإطلاق الأسرى من السجون والتغييرات الديمقراطية وحرية الصحافة فهي أمور كان النظام يتحدث عنها ويحاول أن يركب موجتها وأن يجري فيها بعض التغييرات التي تناسب عمر الرئيس الجديد وتطلعاته ودراسته في بلاد الغرب وهي أمور شكلية تحاول إضفاء بعض الشرعية على حكم لا يتمتع بأدنى درجات الشرعية. هنا لابد أيضا أن نشيد بالرسالة المتميزة التي كتبها العفيف الأخضر والتي يطالب فيها بانسحاب سوريا من لبنان (مع اختلافنا في الكثير من الطروحات مع السيد الأخضر) فهي رسالة جريئة ومتميزة وحرة وصادقة.



أما الحدث الثالث فهو هذه المظاهرة العارمة التي شكلت سلسلة بشرية في بيروت بغض النظر عمن يقف ورائها وعن صحة أهدافها وعن توقيتها ولكنها بشارة دبيب الحياة في جسد الأمة الميت وبشارة وقوف المظلوم في وجه الظالم وبشارة اقتراب يوم الخلاص, والأمل كبير في أن تكون مظاهرة الإثنين أكبر وأوسع.



الحقيقة أننا بحاجة إلى القليل من الأمل لنستطيع مواصلة الحياة, ومثل هذه الأحداث على بساطتها تعطينا الكثير من الأمل والتفاؤل, وبساطتها وصغر حجمها يؤشران على عمق الكارثة التي نعيشها والتي تجعل مثل هذه الحوادث البسيطة والصغيرة مبعثا للأمل في حياتنا, فنحن كمن يعيش في نفق مظلم من سنوات حتى كاد بصره يعمى من شدة الظلام وفجأة ينير له عود ثقاب من آخر النفق ضوءا بسيطا قد ينطفئ قبل أن يصل إليه أوقد يشعل حريقا كبيرا يكون سبب خروجه من هذا النفق اللانهائي.